القاص والمخرج المسرحي عبدالمجيد شكير: قدمت في مسقط أول مسرحية وكتبت نصا قصصيا حاز على جائزة نجيب محفوظ

أقام الكاتب القصصي والمخرج المسرحي المغربي عبدالمجيد شكير في عُمان مدة عام كامل، حيث عمل مدرسا في إحدى مدارس ولاية إزكي قبل خمسة عشر عاما، استطاع خلالها أن ينجز رسالته الدكتوراه، والتي أعدها في الجماليات المسرحية، وبعد عودته إلى المغرب اشتغل

 

بالمسرح، فأسس فرقة “أبعاد” التي أنجزت الكثير من الأعمال، وحصلت على جوائز متقدمة، وأنجز الكاتب مجموعة من البحوث المسرحية الأكاديمية، ونشر دراسات مسرحية بالمجلات المغربية والعربية، صدرت له مجموعتان قصصيتان هما “ذبذبات الصوت الأزرق”، و”طائر سبيل”، وبحوث أخرى متعلقة بالمسرح وجمالياته، زار الكاتب والمخرج شكير مسقط مؤخرا ضمن الوفد المغربي المشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب والأدباء العرب.
وفي حواره لشرفات، سرد حكاية إقامته الأولى في عمان، وزيارته الثانية والأخيرة، نابشا في تفاصيل جماليات العلاقة بين الأمكنة والناس، وما توحيه من إبداع وتأمل.

أجرى الحوار: محمد بن سليمان الحضرمي –

• زرت السلطنة من قبل في مناسبات مختلفة، ماذا تمثل لك هذه الزيارة الثالثة؟
– يمكن أن أسمي زيارتي هذه الثانية وليست الثالثة، لأن الأولى كانت إقامة وليست زيارة، فقد عملت مدرسا في إحدى مدارس ولاية إزكي، وذلك خلال العام الدراسي 1997م – 1998م، ثم كان لي شرف زيارة مسقط في عام 2006م، بوصفها عاصمة للثقافة العربية، لتقديم مسرحية “بروتوكول” التي عرضت في مسرح روي آنذاك، والآن أزور مسقط من جديد، وفي مناسبة ثقافية لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي انعقاد المؤتمر السابع والعشرين لاتحاد الكتاب والأدباء العرب، ما يعني أن مسقط بالنسبة لي لا تمثل لحظة إبداعية وأدبية فقط، بل هي لحظة حياتية مهمة، ولو جمعتُ خمسة عشر عاما الماضية، بين الإقامة الأولى والزيارة الثانية هذه، لكانت لحظة فاصلة في حياتي بلا مبالغة، فأنا في فترة الإقامة في هذا البلد الأمين، استطعت أن أكوِّن علاقات فنية وأدبية بقيت مستمرة ومتواصلة حتى بعد عودتي إلى المغرب، وكان لها أثر فعلي في الصُّدف التي جمعتني بكتاب عمانيين في مقر مجلة نزوى على سبيل المثال، والصداقات التي كوَّنتها في جريدة عُمان، أو اللقاءات الثقافية التي احتضنتها السلطنة خلال الفترة الماضية، كانت كلها بالنسبة لي دعما حقيقيا لمسيرتي الإبداعية، استطعت من خلالها أن أصل إلى دمشق والقاهرة، وأن يكون لي هذا الحضور الذي أعتز به في الوطن العربي، باعتباري قاصا ومسرحيا.

العناكب تنسج خيوطها لتنتحر

• أقمت في عُمان عاما دراسيا كاملا، فهل كانت تلك الفترة بداية تشكلك الثقافي، ككاتب للقصة والتجارب المسرحية والنقدية، أم جاءت بعد ذلك؟ وهل كان للمكان حافز لتثوير وتأجيج الإبداع لديك؟
– أتيت السلطنة في سن الثلاثين، وكنت قد شكلت رصيدا لا بأس به قبل أن آتي، من أهمها أني في عام 1996م حصلت على جائزة القصة القصيرة، من اتحاد كتاب المغرب، كما أتيت مبتهجا بمجموعتي القصصية الأولى وهي “ذبذبات الصوت الأزرق”، وجئت أيضا مصحوبا بكتابات سبقتني إلى مجلة نزوى خاصة، حيث نشرت فيها مقالات حول “الدراماتورجيا وأنساق التواصل المسرحي”، ظهرت في الأعداد الأولى من مجلة نزوى، وترجمة مقالة حول لغة الميتافيزيقيا في المسرح، وكنت قد أخرجت مسرحية “الجسر” للكاتبة العمانية آمنة الربيع، قبل أن ألتقي بها، وقبل أن كنت أعلم أني سأحج إلى هذا البلد الرائع وأقيم فيه.
لقد أتيت إلى عمان برصيد ثقافي لا بأس به، ولكن الفترة التي قضيتها هنا كانت فاعلة فيما بعد، أهمها أني كتبت نصا قصصيا وحيدا هنا في عمان، حاز على جائزة نجيب محفوظ للقصة القصيرة، وهو الذي افتتحت به مجموعتي الثانية “طائر سبيل”، والنص اسمه: “العناكب تنسج خيوطها لتنتحر”، كما أن الفترة التي انتقلت فيها من الدار البيضاء، المدينة الضوضائية جدا وذات الإيقاع المرتفع، إلى مدينة إزكي الموغلة في عمق الداخل العماني، بهدوئها العميق، كان لها أثرها في نفسي، ودورها في إيجاد اللحظات الفارقة التي تحدثت عنها، ومن المؤكد أن تأثيرها قائم لديَّ، حتى وإن لم أستثمره بشكل مباشر في نفس اللحظة، ولكنه اختمر وخرج في لحظات أخرى، وأكاد أقول إن مجموعة “طائر سبيل” بدأت ما بين إزكي ومسقط وانتهت في الدار البيضاء، إضافة إلى أني كتبت مجموعة من الأعمال النقدية، أتذكر أني أثناء وجودي في السلطنة، كتبت كثيرا من الدراسات النقدية، نشرتها في ملحق شرفات بجريدة عمان، ومجلة نزوى، والرافد بالشارقة، والبحرين الثقافية، والاتحاد الاماراتية، لربما الفترة التي أقمت فيها بإزكي من إيقاع هادئ، ووقت طويل لم توفره لي الدار البيضاء بضوضائها وإيقاعها العالي، أثمر هذه الحيوية في الكتابة، ولم تكن تغطيات صحفية، بل كانت دراسات أكاديمية وقراءات نقدية، خصوصا وأني خلال تلك الفترة كنت على مشارف أن أنتهي من أطروحة رسالتي للدكتوراه، وكنت بصدد إنجازها، وكان لي الشرف أن بعد إنجازها نشرتها في محلق “شرفات” بجريدة عمان، حيث نشرت في صفحاته مقالات كثيرة عن “جمالية الاشتغال التقني في العرض المسرحي”، فالمكان بجباله وسهوله وصحاريه المغاير لأمكنة أخرى، ثمة ثقافات متمازجة، بين المدرِّس الأردني والمدرِّس المصري والعُماني، وتعاملي مع شرائح أخرى، وكان لهذا الخليط الاجتماعي تفاعلا إنسانيا، له تجلياته التي ظهرت في اشتغالي الأدبي والفني.

• المفارقة أنك خلال إقامتك في مسقط كتبت نصا قصصيا واحدا فقط، وأنت فيما مضى تحدثت عن تلك الفترة بحفاوة كبيرة!
– نعم كتبت نصا قصصيا واحدا فقط، حينها كنت منشغلا بالتحضير لأطروحة الدكتوراه، وهنا توفر لي عنصر الهدوء لإعدادها، لكني من جانب آخر كنت خلال إقامتي في مسقط قد قمت بالإعداد لعرض مسرحية “زيارة الملكة” التي صارت بعد ذلك مسرحية “بروتوكول”، للمسرحي الراحل والشاعر والمترجم ممدوح عدوان، وهاهنا قرأت كثيرا مسرحيات “سعدالله ونوس”، والتي تحولت بعد ذلك إلى عروض، قدمتها في فرقتي “أبعاد”، فلحظة عمان بإيقاعها الهادئ اعطتني فائضا من التأمل، ظهرت نتائجه فيما بعد، لقد كتبت قصة واحدة في عمان، لكن لا يعني أن إنتاجا الثقافي لحظة إقامتي شحيحا، أو أنني انعزلت عن الحراك الثقافي، فقد كنت أتابع فعاليات مهرجان مسقط، وهنا التقيت بالفنان التشكيلي ضياء العزاوي والكاتب السوري نوري الجراح، ومن حسنات وجودي في السلطنة، أني أخذت الروائي يوسف القعيد في زيارة إلى نزوى، ثم زرته بعد ذلك القاهرة، واشترطت عليه أن ألتقي بنجيب محفوظ، فحقق لي هذه الأمنية، ففي ثاني يوم من زيارتي للقاهرة، أخذني القعيد بصحبة الكاتب المغربي ابراهيم فرغلي، إلى الراحل نجيب محفوظ، وجلست معه، وما أعطتني إياه السلطنة، لم يظهر في حينه، كنص مسرحي او قصصي، بل له امتدادات ثقافية كبيرة، يكفي أني من السلطنة أخذت كل أغراضي إلى الدار البيضاء (كازابلانكا)، ورحت في رحلة إلى المنامة وبعدها إلى دمشق، ثم إلى القاهرة، وأظن أنه لو لم أكن في السلطنة، لما توفر لي أن أقوم بتلك الرحلة، وهي لم تكن رحلة سياحية فقط، ففيها كانت لي فرصة اللقاء بنجيب محفوظ في القاهرة ومحمد الماغوط وعبدالرحمن منيف في دمشق، وبأهم أصدقائي في سوريا الآن مثل الكاتب السينمائي بندر عبدالحميد وغيره، وعلاقات ثقافية كثيرة أنتجت ثلاثة كتب أصدرتها دار الطليعة بدمشق، ما أريد أن أقوله أن إقامتي في عُمان لم تكن نتائجها فقط على مستوى اللحظي، بل في امتداداتها وتفاعلها مع الزمن.

لم أتآلف مع إزكي

• التقطت من حديثك إشارة عن الهدوء الذي لازمك حين عشت في ولاية إزكي بعمان، وحالات الشعور بالتأمل للجبل، سؤالي لك: هل الكاتب يكون في حاجة إلى الوحدة والعزلة في لحظة من لحظات عمره، أم إلى العيش في مكان صاخب؟
– بطبعي أنا أفضل العيش في الأماكن الصاخبة وليست الهادئة، ربما لأني مخرج مسرحي ومرتبط بالفرقة، وحتى لو تكون القيامة قد قامت في آخر المسرح، فأنا أستطيع أن أكتب شيئا في مقاعده الخلفية، وسأكون صادقا معك وأقول: إن العيش في إزكي لم أتآلف معه في البداية، ولقد ضاع مني وقت طويل بين النوم والكسل وتوالي الأيام، وبطبيعة الحال فإن الأماكن إما أن تمنحك نفسها بسهولة أو تتصارع معها، وكنت أرى في “الجبل الأسود” المجاور لإزكي من جهة الشرق جبلا غضوبا، وأراه يقزِّمني أحيانا، وكان يتشامخ عليَّ أكثر وأكثر، وصرت أتأمله حين تشرق الشمس من خلفه في الصباح الباكر، بعد ذلك أصبحت بيننا ألفة خاصة، وتولد في داخلي شعور من أن الكاتب من الضروري في لحظة من لحظات حياته أن يعيش لحظات التأمل في هدوء معين، مع موسيقاه الخاصة وطقوسه بعيدا عن الصخب، وإن كنت ما زلت أملك الفوضوية في داخلي، وأميل إلى العمل في الأماكن الصاخبة أكثر من الأماكن الهادئة، الهدوء الذي عشته في إزكي، أتاح لي فرصة أن أستثمره في القراءة، ومنحني فضاء للكتابة في اشكال تعبيرية مختلفة.

• الالتقاطة الثانية هي معرفتك بالأسماء الثقافية العمانية، حدثني عن أولئك الذين أحدثت معرفتك بهم إضافة في حياتك؟
– تعرفت على الأستاذ سيف الرحبي، وهو شاعر كبير، إضافة إلى أصدقاء عمانيين عرفتهم في المغرب، وجاءت زيارتي للسلطنة فرصة لأجدد علاقتي معهم، فأثناء الإقامة يصير الاقتراب أكثر، وفي السلطنة كانت لي فرصة أن التقي بجيل التحول في الإبداع العماني، مثل خالد العزري، ومحمود الرحبي وزاهر السالمي، وسليمان المعمري، وإسحاق الهلالي، وطالب المعمري، وآخرون كثيرون، هي التي تؤسس المشهد الثقافي العماني، وكذلك تعرفت على أحمد الفلاحي، هذا الأديب الذي ما أن تنصت إلى حديثه حتى تنتشي أكثر، وتشعر أنك مقبل للعمل أكثر من قبل، وأنا أغبط فيه الانطلاقة الحرة المحبة للغير، والروح الكبيرة في التهام الكتب واقتنائها وقراءتها، والتحدث عنها.

رقابة ذاتية لما أكتب

• أنت لم تكتب رواية بعد، فلِمَ لمْ يكن لقاؤك بنجيب محفوظ فرصة لإيقاد شرارة الكتابة الروائية؟
– ألتقي معه في السرد، الأستاذ نجيب هو أستاذنا في السرد، فمن منا لم يتهج حرفا سرديا دون أن يكون نجيب محفوظ نبراسه الأول؟، وفي نفس الفترة تعرفت على الشاعر السوري محمد الماغوط والروائي عبدالرحمن منيف، وكانت لي فرصة الجلوس معهم، وكذلك اللقاء بجمال الغيطاني، وكل هذه الأسماء دخلت حياتي خلال أسبوعين فقط، ما يعني أنه روحيا تصبح شيئا آخر، وفي الآن نفسه تولد في داخلي خوف كبير، صرت وكأنه سيتذكرني كل هؤلاء الرموز، وسيقولون: إننا التقيناه، صارت لدي رقابة ذاتية، صرت مقلا في الكتابة لمجلة نزوى الثقافية، لمجرد أن سيف الرحبي سيتطلع على ما أكتب، وكنت أسأل نفسي: ترى ماذا سيقول عني لو أنه وجد في نصي نقصا وعدم اكتمال؟ والدليل الآخر هو أن مجموعتي الأولى صدرت في عام 1997م، بينما الثانية أصدرتها في عام 2008م، وبينهما أصدرت كتبا نقدية في الجماليات المسرحية, وكتاب “المسرح المغربي بين المضمون الفكري والبعد الإيديولوجي”، وصدقني فإن ما تمنحك إياه مجالسة الرموز ولو لدقائق معدودة، أكبر بكثير مما يمنحه لك أستاذ مصاحب, يصحح خطواتك، بحيث إنك تشعر أنهم دائما يتابعونك ويشجعونك عن بعد، أو يؤدبونك ويسخِّفون ما تكتب إن كان فيه سخف، وإلى جانب ذلك فأنا مدين أيضا لأديبين كبيرين من المغرب هما د. حسن المنيعي والمرحوم محمد الكغاط، وعلى دماثة أخلاقهما كنت دائما ما أحس أن ضغطا داخليا يُفرٍض عليَّ رقابة ذاتية في أي حرف أكتبه.

• أنت متعدد العطاء ما بين الكتابة النقدية والمقالية والمسرحية والقصة القصيرة، يتبعه تعدد في أشكال الكتابة السردية، فأين تجد ذاتك بعد هذه التجربة؟
– أنا أحس أن ذاتي منشطرة بينهم، وهي تتكامل في هذا الإطار، أتصور أنه لا يمكن أن أكون مخرجا متجددا في فرقتي المسرحية، وفي المشهد المسرحي المغربي والعربي، دون أن أظل نظريا مرتبطا بالتكوين والقراءة والنقد إلى غير ذلك، وفي القصة والسرد كذلك، أتصور أنه ما من رؤى إخراجية جميلة في المِخيال والتصور والأسلوب يمكن أن تأتي، دون أن أغنيها بقراءة الرواية وكتابة القصة والاستماع إلى الموسيقى، كلها روافد تصب في مجرى واحد، بالنسبة لي الأمر ليس فيه أي انفصال، أنا لا أؤمن بالتخصص في الأعمال الإبداعية، هذا تخصص مسرحي وهذا تخصص قصة، أعتقد أن أجزاء لديَّ تتكامل لتمنحني العرض المسرحي الجميل، أو القصة القصيرة أو المقالة النقدية.

طائر بين أكثر من مدينة

• “طائر سبيل”، نصوص كتبت في أكثر من عاصمة ومدينة عربية، أغلبها في عُمان، أو بوحي من عُمان، فهل هذه المجموعة تعادل في ثيماتها القصصية العابر للسبيل، ذلك الراحل والمسافر من مدينة إلى أخرى؟
– بالطبع، المجموعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام داخلية، أولها “كتاب السير”، وفيها ما كنت عابرا بل كنت طائرا، من امستردام إلى مسقط، وذلك بحسب ما أوردته في القصة الأولى “العناكب تسنج خيوطها لتنتحر”، ثم طائرا نحو المنامة، وكذلك كتبت نصوصا بين دمشق والقاهرة، وإيطاليا وأسكتلندا الجديدة بكندا، ونص كتبته في رومانيا، وعنوان المجموعة ليس عنوانا لقصة داخل المجموعة، كما جرت العادة لدى كثير من الكتاب، هو عنوان شامل، “طائر سبيل”، ومعه عنوان فرعي “كلام النورس المباح”، وفي الحقيقة لم أكن أنا عابرا، بل طائرا بين هذه المدن.

• نشرت دراسة بعنوان “المسرح المغربي بين المضمون الفكري والبعد الإيديولوجي” فهل هذا العنوان هو ما بحثت عنه في الكتاب، أم النتيجة التي توصلت إليها؟
جاء هذا الكتاب ضمن اشتغال عام ذي توجه أكاديمي، كان يترصد “عناصر التركيب الجمالي في العرض المسرحي المغربي”، وسرعان ما صارت مادة الكتاب ضمن نسق كلي، يناقش تحولات الممارسة المسرحية المغربية، عبر منعطف الانتصار للمضمون الفكري والبعد الإيديولوجي، ومنعطف الاشتغال الجمالي، أي أن الطبيعة الإشكالية لهذا الاشتغال قادت إلى توقف ضروري، عند تجليات الفكري والإيديولوجي في المسرح المغربي بمختلف تدرجاتهما، بما هي تجليات سوغت الاشتغال الجمالي، فصار الكتاب نتاجا لهذا التوجه في الدراسة والبحث، وأعتقد أن موضوعي المضمون الفكري والبعد الايديولوجي مطروحان باستمرار للتمحيص وللمساءلة النقدية في المسرح، باعتبارهما تجليات متنوعة على امتداد الممارسة الفعلية للمسرح، كما أن المضمون الفكري والبعد الايديولوجي في المسرح يبدوان وجهين لعملة واحدة، ومع ذلك لابد من الإشارة إلى فارق المستوى بينهما، فليس كل مضمون يرقى أن يصير فعلا إيديولوجيا، هناك المضامين البسيطة والسطحية، وهناك العميقة التي تنطلق من أرضية مرجعية صلبة، تقف خلفية إيديولوجية، وتمنح هذا المضمون مداه الفكري العميق، وإمكانات تناوله ومعالجته بنفس العمق في الإدراك والرؤية.

النوارس تتعجَّل الرحيل

• حدثني عن التواجد الروحي في ذاتك، بين مدينة عمانية وأخرى مغربية، رغم التباعد الجغرافي بين الأمكنة؟
– سأصدقك القول: إني ما كنت أحسب في يوم من الأيام، أن عمان ستتربع على قلبي وتأخذ مدنها مساحة كبيرة من الحب، فالأصدقاء الذين عرفوني في الفترة ما بين عامي 97 – 98م، رأوني فيها أني أتعجَّل العودة إلى الوطن، هناك نص عنوانه “النوارس تتعجَّل الرحيل”، كنت أتعجل الرحيل والعودة إلى المغرب، لكن بمجرد أن وقف الشوق للأهل والأصدقاء والمغرب، صارت الذكريات تتحول إلى حنين، فتأتي صدفة من وزارة الثقافة المغربية، أن ترشح عملي المسرحي أن يمثل المغرب في عام 2006م، وأفاجأ هنا من بعض النقاد، أنه أول عمل مسرحي مغربي يعرض في السلطنة، من صعب أن أبرهن على الأشياء علميا، إنما أنا متأكد أن هناك ثمة شيء ما، اختار عرضي من بين 23 عرضا مسرحيا مغربيا، لأقدمه في عمان، أعتقد أنه ليست وزارة الثقافة المغربية التي اختارتني ورشحتني، بل الأماكن العمانية التي عشتها فيها هي التي نادتني، وحينما أتيت، كانت الأيام العشرة التي قضيتها هنا أضيق من أن أغطي الحنين الذي يشتعل في داخلي للمكان، وصار عليًّ شهود، وزوجتي من بينهم حيث سألتني: كيف قضيت سنة واحدة في هذا البلد واكتفيت؟ يبدو أن قراري في المغادرة لم يكن صائبا، ثم بعد سبع سنوات أتشرف من جديد من قبل اتحاد كتاب المغرب، أن أمثله في هذا الاجتماع المنعقد في مسقط، وقد لاحظ أنه بمجرد أن عرفت أن هناك اجتماعا في مسقط سيكون، رشحت نفسي على الفور وبقوة، وكنت دكتاتوريا في الاختيار، ربما لأن مسقط تناديني، من يدري، ربما أعود إليها مرة ومرة، أستاذا في إحدى جامعاتها، ولكني أقولها بصدق وأنا لا أجامل: إنه ما من بلد سكنتني بهذه المحبة، وهذا العشق أكثر من عُمان، ودائما ما أقول: إن الأماكن بأهلها، وأهل عمان كانوا أناسا طيبين وخدومين، ولذلك استمرت بيننا هذه العلاقة، على امتداد خمسة عشر عاما مضت، وبإذن الله ستسمر أكثر ما تقادم العمر، وما بقي الحب لعُمان.

http://main.omandaily.om/


عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.