بعد خمسة وثلاثين عاماً من المسرح المتوهج.. انطفأ المسرحي الجزائري الكبيـر “محمد بن قطــاف”

فارقنا الممثل القدير ومدير المسرح الوطني محمد بن قطاف، سهرة أول أمس، ليترك فراغا كبيرا في الفضاء الابداعي الجزائري، هنا نعود لحديث كنت قد أجريته قبل زمن مع محمد بن قطاف المتميّز بحرفية إبداعية قادمة عبر أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من المسرح… أعاد بن

قطاف معه ذاكرتي إلى فترة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، حيث كان المسرح الجزائري يتنفس بهواء “مسرح القلعة” لبن قطاف، سونيا وزياني شريف عياد وعز الدين مجوبي.. لقد كان وما زال يخوض غمار العمل المسرحي بكل جرأة ودقة وصرامة، هو اليوم في عزّ نضجه الابداعي بعد هذه المسيرة حيث حمل المسرح الجزائري على أكتافه بأمانة وساهم في تأسيسه.

مسرحي رسم بأعماله المتميّزة الأخاديد الأولى داخل الجزائر ثم خارجها ليثبت جدارته بكل ثقة يقول عنه المختصون بشؤون المسرح: إنه المسرحي المقاتل ومتعدد الاختصاصات، لأنه جمع أطياف الفن المسرحي كلها: ممثل ومؤلف، ومقتبس ومترجم ومخرج، كانت بدايته في المسرح الوطني الجزائري عام 1966 عبر المسرح الاذاعي، حيث ساهم بجزء كبير في هذه الدائرة إلى حين انصرافه منها عام 1989، هذه التجربة لم تزده إلا إصراراً على مواصلة العمل فترة أبرزت فيه “الممثل”… وسُمي آنذاك “بوحش الخشبة” بالمعنى الإيجابي للكلمة، بعدها وبسنوات قليلة اشتغل على الاقتباس والترجمة، قد يكون ذلك بسبب قلة أو غياب النص المحلي، فقدم “ايفان ايفانوفيتش هل كان موجوداً؟” لمؤلفها ناظم حكمت “البدلة العجيبة ذات لون الجوز الهندي” لمؤلفها “راي براد يوري”، كما قدّم لمؤلفين جزائريين أعمالاً منها: “الرجل ذو النعال المطاطية” لكاتب ياسين و«باب الفتوحات” لمحمد ذياب، وهو كمخرج قام بإخراج العديد من الأعمال نذكر منها: “الرجل الأحدب” لمحمد التوري و«جحا والناس” و«إلهي لقد رُفع الستار” وهما من تأليفه، كما أنجز “حسناء وحسن” 1975 و«قف” 1979 و«عقد من اللؤلؤ” 1984 و«جيلالي زين الهدات” 1986 و«الصرخة” 1989 و«فاطمة 1990” و«التكرار” 1994 و«الواقعة الثانية” 1996 و«صباحات السكينة” 1998… بالإضافة إلى نجاحه في الاقتباس المزدوج الى العربية والفرنسية في رواية “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” للأديب الطاهر وطّار و«باية” لمؤلفها عزيز شواكي… ثم جاءت “العيطة” فكانت الصرخة المحررة التي خلصته من الرقابة الذاتية والاستيعاب الذي كان ناقصاً لخفايا اللسان المسرحي، حيث تغلبت اللغة الغنائية على الجانب المسرحي وسيطر اللفظ والكلام على الفعل والحركة، العيطة وسعت ذاكرة فضائه وانتبه الكثير إليه إلى ما وراء المتوسط وبالضبط في مهرجان غرونوبل 1989 ثم في مسرحية “فاطمة” التي قُدّمت في العرض السنوي الأول للمسرح الجزائري، وتألقت معه آنذاك الفنانة القديرة صونيا، والعمل كان “مونودراما” وهي تجربة حديثة آنذاك في الجزائر، وأجمع الجمهور والنقاد على نجاحها.. ويرى الكثير من متتبعي مسيرة بن قطاف أن ثلاثة عوامل ساعدته على الابداع وهي، تحرر أفكاره وانعتاق كلمته من القيود بعد أحداث أكتوبر 1988 وتجربته الفنية عبر ربع قرن من العطاء، ثم علاقته مع المخرج زياني شريف عياد والفنانة صونيا… فكان ميلاد مسرح “القلعة”، حيث قدموا أعمالا شهد لها الجميع بالنجاح وكان فيها نوع من الرقي والابداع شكلاً ومضموناً.

شارك محمد بن قطاف في مهرجان دمشق المسرحي بمسرحية “التمرين”، وقصة “التمرين” وإن كانت تبدو بسيطةً في شكلها العام… فإنها قُدّمت بحرفية عالية وهي تعبّر عن واقع مليء بالأسى والانكسارات والأحلام.. إنها تعبر عن أصحابها وهمومهم الابداعية.. يقول بن قطاف: “لا أحب الخطوط المستقيمة، لا أحب الانكسارات، إنني أفضل حكاية القصة عن طريق حركة متموجة فتبدو لي أكثر ثراءً، حيث امكانية الاتصال تبعاً لتقاليدنا الثقافية”، يأتي تصريحه هذا بشأن ما يحدد هويته رسمياً وشكلياً كمؤلف مثله مثل الكثير من الجزائريين، نشأ وترعرع في محيط من عالم القصص والحكايات والأحاجي التي كانت تُحكى في البيوت في السهرة على لسان الجدة أو الجد أو كبير العائلة: هذه الأجواء ساهمت في خلق نمط وأسلوب معين ملفت في عمله، اليوم أكمل بن قطاف الخمسينية من المرحلة الكبرى لمسيرته، أحرز خلالها رصيداً هاماً من الأعمال تطبعها المهارة المهنية، أعمال تُقّدم على خشبة مسارح باريس وبروكسل، وباماكو وتونس ودمشق.

في العاصمة الجزائر كنا قد التقينا بن قطاف في هذا الحوار:

مديراً للمسرح الوطني الجزائري منذ صيف 2003 و مسرح للأطفال والكبار، وهذا له أكثر من دلالة؟

إن الجيل المؤسس انقرض وجيلنا نصفه انقرض والنصف الآخر كبر في السن… ومن يعمل حالياً لا يغطي الساحة المسرحية الجزائرية… وأنا أرى أننا إذا لم نشتغل من اليوم فصاعداً على الجيل القادم وعلى تكوين متفرج الغد وكأننا نكتب على الماء… والآن قد تقولين بن قطاف ما زال يمثل في مثل سنه، ما الذي يستطيع اعطاءه عما سبق، ان قدمه على مدار 30 سنةً.. الشيء الذي بقي لدينا هو التجربة وأنا لست مع أن يرحل المرء مع تجربته، بل أن ينقلها للأجيال بعده.

أقحمتُ في عملي ممثلين شباناً من طلبة معهد الفنون الدرامية وخريجيه الجدد وحاولت تكوين فرقة من 15 عنصراً، بدأنا العمل وافتتحنا المسرح بمسرحية للأطفال “سفينة الأحلام” من كتابة وإخراج عبد ربه وهي خريجة المعهد وبعدها قدمنا “البدلة البيضاء، الزائر، المنتحر، التمرين، فاطمة، ديك المزابل، تعزيلة الخراز، أبناء القصبة”، ومسرحية للأطفال هي “الأمير الصغير” ومسرحية “بيت الحدود”… ومجمل العروض التي قدمها 320 عرض، بالإضافة إلى خروج الفرقة المتجولة عبر الوطن وبجانب كل هذه الأشياء حاولت تكوين فرقة مسرحية بنواة قابلة للتطور في المسرح لها قاعدة أكاديمية، عندما نحدثهم عن الماغوط يعرفون تجربته الابداعية وكذلك عن أي كاتب أو مخرج، أكاديميون درسوا المسرح، الطاقات مميزة والإرادة موجودة للوصول إلى الهدف، وأنا أتفاءل بهم وخاصة بالعنصر الفني النسوي، وليس عملنا المسرحي فقط من أجل الانتاج بل لفتح الأبواب للعودة الى الجمهور، فالمسرح أصبح يفتح أبوابه ستة أيام في الاسبوع ومجال العمل مفتوح لمن يكتب للمسرح، سواء من خريجي المسرح أو من الكتّاب المخضرمين الذين لديهم نصوص مسرحية وليس عندهم فضاء للقراءة.

فتحنا لهم هذا الفضاء ووفرنا لهم هذا المكان أمام جمهور يقرأون لمدة ساعة، ثم تناقش أعمالهم وتسجل وتوثق وبعدها إن أعجب أحد المخرجين هذا النص، يعمل عليه.

وفي سياسة المسرح الوطني تجاه الطفل.. ألا نجعله مستمعاً فقط بل أن يكون عنصراً فعالاً أثناء مشاهدة المسرحية ثم في أيام أخرى نأخذهم في جولة ثقافية داخل المسرح لاكتشاف تقني الصوت والممثلين والمخرج.. فيكتشف ما وراء الكواليس، والطفل هو الذي يشتري تذكرة الدخول وحده أثناء حضور المسرح، وهذه الفكرة تبلورت لتربية الجيل الجديد على الثقافة المسرحية.. كما نحاول اكتشاف أقلام جديدة وكتّاب جدد وتوثيق كتاباتهم ضمن “حقوق التأليف” وذلك للضمانات القانونية والمعنوية.

بالأمس كنت ممثلاً ومخرجاً والآن أنت مدير للمسرح الوطني.. المشاكل التي كنت تعاني منها سابقاً كيف تعالجها اليوم؟

بشكل عام أنا أتحكم بمشاكلي منذ أن كنت ممثلاً ومخرجاً قبل أن أتسلم الادارة، وأنا الآن لا أصطدم بالقوانين… ولكن الامكانيات أُحرقت، المادية ضعيفة، لأن أولويات الجزائر اعادة بناء المدرسة والمنشآت التي احرقت نتيجة الارهاب. لا أستطيع أن أعطيك رقماً، ولكن الميزانية لا تغطي سوى جزء من العام وعلينا تدبر أمورنا بالباقي، فوضع البلد كان صعباً… وهناك أولويات أمام هذا الواقع أن نعمل على بناء جيل مثقف جديد، وهذا يخلق مبدعاً ومتفرجاً وقاعدة ثقافية.. أريد أن تدرس المادة المسرحية في المدارس وفي وقتنا الحالي نعرف من المعايشة أن هناك مبدعين اعلاماً ومؤلفين كباراً لا يعرفهم الطالب الجامعي وهذه كارثة.

بالنسبة للميزانية نعمل وفق المعطى.. لن أعارض من أجل المعارضة ربما لا أستطيع تجسيد أحلامي وآمالي بسرعة ولكن عبر هذه الإمكانيات أحاول ان أحقق جزءاً منها، وأعتقد أن الارادة السياسية تدعم العمل الابداعي ومن نشاط وزارة الثقافة تشعر بأنه يوجد أمل وخذي مثلاً التحضيرات الجيدة للمهرجان الوطني للمسرح دورة 2006 ومهرجان الاغنية الاندلسية وغيرهما، العمل الآن هو على بعث الثقافة من جديد وليس بالمركز فقط بل في جميع مناطق القطر.

بعد فترة الارهاب وسنوات الجمر في الجزائر، هل عاد الجمهور الجزائري إلى المسرح؟

أبواب المسرح مفتوحة والعروض متواصلة، وهناك خطة لجذب الجمهور، منها دعوات خاصة للمهتمين بالمسرح وللمؤسسات لحضور العروض بالإضافة إلى تذاكر البيع.. هذا التقليد يكسب متفرجين دائمين للمسرح وأنا أؤمن بالتكوين ثم التكوين لخلق مبدعين من الشباب على نمط سراط بومدين وكاتب ياسين ومصطفى كاتب وعزّ الدين مجوبي.. وأنا بطبيعي شعبي “جئت من بيئة شعبية واكتب للشعب وأقف على خشبة المسرح للشعب وجمهوري هو الشعب، إنني أنفر من النخب المنغلقة على نفسها”.

ما هي مشاركاتك المسرحية داخل القطر وخارجه؟

* عدت إلى العرض في دمشق بعد غياب 16 سنةً، حيث سبق لي أن شاركتُ في الدورة الأولى لمهرجان دمشق المسرحي عام 1989 بمسرحية “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” عن نص للطاهر وطار ولي مشاركات متعددة في مهرجانات مثل قرطاج وليموج وكوتونو، والمهرجان الدولي للمسرح بين الثقافات في برشلونة حيث ترجمت أعمالي المسرحية للفرنسية وصارت تقتبس وتعرض في فرنسا وبلجيكا وكندا.. وحزنا بقرطاج على الجائزة الكبرى عن مسرحية العيطة وكان بلجنة التحكيم يومها سعد الله ونوس ومنى واصف، وجائزة عن مسرحية (فاطمة) في مالي عام 1999، قد قدمت عن المسرحية رسالة تخرج في المغرب عام 1979 وحالياً باعتراف النقاد أول مرة، يعرض اقتباس عن نص كتبته بثلاثة مهرجانات في ثلاث دول المغرب- اسبانيا- ومصر… في الوقت نفسه شاركت رئيساً للجنة التحكيم بمهرجان مستغانم لمسرح الهواة بلعباس وعضو لجنة التحكيم الدولية بمهرجان المسرح التعبيري في القاهرة.

هل توجد أزمة نص مسرحي في الجزائر؟

إذا عدنا إلى الأعمال المقدمة لدينا، نجد أسماء سعد الله ونوس والماغوط وادوارد دي فيليبيو وبن قطاف وعلولة.. المكتبة المسرحية العالمية مليئة وملك للبشرية.. لا توجد إذاً أزمة مؤلفين مسرحيين وهناك أدباء وشعراء كبار في الجزائر أتمنى أن يكتبوا للمسرح، وهذا التمني أطرحه لإثراء المسرح، ومثلما نكوّن المهندس والطبيب والصيدلي أنا أدعو أيضاً إلى التكوين المسرحي لمؤلفين مسرحيين أكاديمياً، وهذا لا يمنع أن نأخذ من النصوص العالمية ونترجمها.

وماذا عن النقد المسرحي في الجزائر حالياً؟

النقد الآن غير مبني على أسس مثلما كان أيام مصطفى كاتب وعلال المحب وحاج عمار وعبد القادر علولة وعز الدين مجوبي، تلك كانت فترةً مزدهرة وانطوت مع الأسف… كان الانتاج المسرحي له إرث سياسي وثقافي عميق جيل ينتمي إلى فكر النهضة وشارك بثورة 1954 وانخرط في السياسة وانتظم في أحزاب فجاء مسرحه قوياً يشبهه، لا يوجد اتصال بين الجيل الماضي والجيل الحالي، خلال الـ 15 عاماً الماضية حدثت قطيعة تامة، الآن يعملون على إنشاء عالمهم ولكن لم يبقَ إلا القليل من المبدعين السابقين لمساعدتهم.

أثناء حدثينا لمست اعتزازك بإفريقيا وبالأفارقة؟

أول لباس ارتديته على المسرح كان إفريقياً وأشعر بنفسي إفريقياً، “السود” لهم ثقافة عالية ويتميزون بعجينتهم الطيبة، أحب افريقيا وخصوصاً ما تنتجه من ثقافة شفوية، زرتُ 21 بلداً إفريقياً وعلاقاتي واسعة بمبدعين أفارقة كبار في الكونغو والغابون والكاميرون وغينيا، إفريقيا ليست فقط مجاعة، أمراضا وحروباً أهلية، بل في الجانب الآخر منها توجد ثقافة وابداع متفرد وخصوصي وقد وقفت على الكثير من مسارحها وحاورت نقادها وكتّابها.

كمعظم مسرحيي الجزائر خلال سنوات الأزمة هاجرت لفرنسا حيث كتبتَ ومثلت بالفرنسية، ماذا عن هذه التجربة؟

لم أفكر يوماً أن أسكن في فرنسا.. في الأيام السوداء هجّرت مضطراً ولكن تعرفين أن المسرح لدينا كان مغلقاً وحالة الطوارىء منذ الخامسة مساء، لم أكن يومها موظفاً ومنتمياً إلى القطاع العام وأريد أن استمر بعملي المسرحي.

ألفتُ وكتبتُ بالفرنسية، ولكن تعلمين الكتابة والتأليف أمام الجماهير الفرنسية والبلجيكية باللغة الفرنسية ليس افتخاراً ولكنها أشياء أتت بشكل طبيعي وأضافت إلى ما في جعبتي من إبداع.. والآن أحاول أن أضيف إلى هذه التجربة بعد عودتي وأوظف الثقافة الوطنية.

هل تعمل اليوم على خلق تجربة شبيهة بمسرح “القلعة”؟

الظروف تغيرت… وكل واحد منا أصبحت له انشغالاته وعلاقاته ولكن كانت فترة مسرح (القلعة) 1989 – 1994 غنية وثرية، التجربة أنجبت: مسرحيات مهمة كان 70٪ من إنتاج مسرح القلعة آنذاك من تأليفي أو ترجمتي… التجربة كانت مبنيةً… على الحميمية وأنا أعتز بها وبما أنتجته ولكن مجوبي اغتيل وصونيا خرجت من الفرقة والظروف أحاطت بها العشرية السوداء، غير أن تجربتنا ما تزال موجودةً في الجزائر… وأتمنى تكوين فرق مثل القلعة، فاسم عزّ الدين مجوبي معروف وكذلك صونيا لامعة.

جازية سليماني

 

http://www.djazairnews.info


عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.