أخبار عاجلة

عمل مسرحي أميركي ينتقد معاناة المهاجرين اللاتينيين في أرض الأحلام

الرحيل بحثاً عن الحلم الأميركي، عبور الحدود الأميركية، بصحبة رفقاء مهاجرين غير شرعيين آخرين، يحاولون تفادي صافرات سيارات الشرطة، بلوغ الحلم والاستيقاظ على مجتمع يحكم عليك إلى الأبد بأن تكون عامل درجة ثالثة، حيث يزداد اتساع الفجوة

بينك وبين هويتك وثقافتك المنسيتين، إنها قصة الملايين من المهاجرين اللاتينيين الذين يبلغون الأراضي الأميركية كل عام، والتي تقدم هذه المرة على أحد مسارح نيويورك تحت عنوان: «مهاجر غير شرعي اسمه بينوكيو».

تعتبر قصة الأطفال الشهيرة «بينوكيو» التي كتبها كارلو كولودي عن ولد على هيئة عروسة خشبية يحلم بأن يصبح طفلا حقيقياً، ولكن رفقاء السوء يدفعونه إلى هجرة المدرسة، هي البنية الأساسية التي قام الممثل والمنتج مانويل أنطونيو موران، باستخدامها لتقديم محاكاة مجازية لرحلة الهجرة التي يقوم بها يومياً الآلاف من المواطنين اللاتينيين سعياً للوصل إلى الولايات المتحدة.
من جانبه يؤكد الفنان البوريرتوريكي موران، الذي يجري العمل المسرحي في دمائه منذ كان في الثامنة من عمره، وجود أوجه تشابه كبيرة بين قصة الأطفال الخيالية وبين العمل المسرحي.
في فورة حماسه للتعرف على ذلك العالم الخيالي على الجانب الآخر من الحدود، لا يلتفت بينوكيو أو بينوناتشو –ليناسب الجو اللاتيني– إلى نصائح والده العجوز، ليحكم على نفسه بسلوكه بحياة مملوءة بالمعاناة، والشقاء وعدم الاحترام فيتحول إلى حمار جر، على غرار ما حدث مع العروسة الخشبية التي تحولت إلى جحش ونبتت لها أذنان وذيل، ولم ينسَ المؤلف الأنف الشهير الذي يتمدد لدى بينوناتشو عندما يضطر للكذب لتجاوز المواقف الصعبة التي وضعتها فيه ظروف مأساته في عالم المهجر.
من ناحية أخرى، لما كان العمل يضم بطلا وحيداً، فقد استعاض المؤلف عن شخصية الشرير في المسرحية بشخصية رمزية تدعى «العم سام» يظهر بدورين في العمل: الأول الشخص المبتسم الذي يدير حديقة الملاهي، ولكنه في الوقت نفسه يعامل المهاجرين بقسوة شديدة، والذين نجد من بينهم فرقة «مارياتشي»، العازفون بها عبارة عن هياكل عظمية، في إشارة إلى يوم كل القديسين في المكسيك، المعروف في الولايات المتحدة بعيد «الهالويين»، ولكن المفارقة هنا أن العازفين نسوا موسيقى بلادهم التقليدية.
يقول مؤلف العمل «نحن اللاتين بدأنا نتخلى عن هويتنا وعن ثقافتنا وتناسينا جذورنا، لأننا لم نعد نوليها الأهمية اللائقة، لمجرد تصورنا أننا حققنا حلمنا بالوصول إلى الولايات المتحدة».
أما جيبتو، والد بينوكيو، فيشرع في مغامرة لم الشمل مع ولده، حيث يعترض طريقه حوت من نوع خاص «غواصة تابعة لقوات البحرية»، تقوم بابتلاعه أثناء محاولته عبور الحدود.
وعلى غرار كل حكايات الأطفال الخيالية، لا يخلو الأمر من جنية الحواديت، والتي حولها المؤلف هنا إلى عذراء جوادالوبي، راعية مكسيكوسيتي، والتي سوف تساعد بينوناتشو، وترشده لكي يعود إلى دياره مرة أخرى.
يعترف موران أنه في كثير من الأحيان الإيمان وحده هو ما ينقذ المهاجر ويرشده في أوقات الشدة، مشيراً إلى أنه تعامل بحذر واحترام شديد مع عنصر الدين في العمل، نظراً لأهميته البالغة بالنسبة للكثير من المهاجرين.
استخدم القائمون على العمل المسرحي العشرات من عرائس الماريونيت والأراجوزات في تقديم العمل مع ممثلين قاموا بتجسيد الأداء الصوتي مصحوباً بالموسيقى الحية، لبث حيوية وديناميكية في أجواء خشبة المسرح، فضلا عن خاصية فريدة أخرى وهي استعمال لغتين في الحوار، نظراً لأن العمل بالأساس كان موجهاً للجمهور اللاتيني، ولكن تم الأخذ في الاعتبار إمكانية أن يجذب الجمهور الناطق بالإنجليزية، لكن بطبيعة الحال أضاف هذا الجانب عبئاً أكبر على بطل المسرحية الوحيد، الذي سيتعين عليه الاجتهاد لتقديم الحوار باللغتين، أخذاً في الاعتبار الاختلافات بين القراءتين.
يؤكد موران أن الأطفال سيتعرفون على الذئب وعلى آكل لحوم البشر والحوت، أما الآباء فسوف يتعرفون على المهاجر وأونكل سام والجيش الأميركي».
يؤكد مخرج العمل أنه بالرغم من الطابع الانتقادي للعمل فإنه ليس معاديا للولايات المتحدة بأي حال من الأحوال، ومع ذلك يذكر أنه شعر بدهشة حقيقية حين قامت مجموعة من المشاهدين بمغادرة العرض، بمجرد ظهور العام سام على خشبة المسرح، والتي تعتبر من أيقونات الثقافة الأميركية.
ويوضح: «العمل ينتقد أيضاً المهاجرين، وسلوكياتهم التي تجعلهم يتناسون هويتهم ويحتقرون ثقافتهم ويبتعدون عن جذورهم»، مشيراً إلى كلمات جيبتو إلى ولده بينوكيو، عند التئام شملهما: «هم –الأميركان– يتبعون قواعدهم، ولكنهم بشر مثلنا، ومن ثم نحن نرتكب نفس الخطأ عندما نسمح لأنفسنا بالحكم عليهم. لا تنس أبداً أصلك ومن أين أتيت».
جدير بالذكر أن فرقة (SEA) «الجمعية التربوية للفنون» التي تأسست عام 1993، هي أول مؤسسة مسرحية للأطفال اللاتين في نيويورك. عقب أحداث 11/ 9 التي أثرت على جانب كبير من جمهور المسرح، توقفت الفرقة لعامين، ثم أعيد تشكيلها، لتشمل تقديم أعمال تروج للغة الإسبانية بصفة أساسية، ومع ذلك يعرب القائمون عليها عن أسفهم لكونها الفضاء المسرحي الوحيد المخصص للأطفال اللاتين في الولايات المتحدة كلها، وهو أمر لا يتناسب مع حجم الجالية اللاتينية في بلاد العم سام.
لم يفتر حماس الفرقة نتيجة لضعف الثقافة المسرحية لدى العديد من الأطفال اللاتين في الولايات المتحدة، على العكس، دفعها لتقديم حملة «كن بطلا»، من أجل جمع أموال لدعم مسرح الأطفال ضعيف الموارد.
يعترف مانويل موران «في برودواي، كعبة المسرح في العالم، وجدنا الآلاف من الأطفال لم يسبق لهم حضور عرض مسرحي على الإطلاق، ولكن بفضل هذه المبادرة، نسعى لتوعية الأطفال بالفارق بين عالم الواقع وعالم المسرح، على الرغم من أن قصة بينوكيو الخيالية يمكن أن تكون أكثر واقعية من حياتهم التي يعيشونها في منازلهم أو التجارب التي مر بها ذويهم».

 

http://www.alarab.qa

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *