ملتقى مسرحي يبحث عن الدور المحوري للفن ويعيد ترتيب الأولويات ودعوة لكسر احتكار الدولة للإنتاج الثقافي

 

أثارت جلسة الحوار التي أقامها الملتقي المسرحي المنعقد تحت عنوان ‘نوبة صحيان’ بمقر المعهد السويسري بمدينة الإسكندرية جدلا واسعا ومعمقا بين المتحدثين من ناحية وعدد من حضور اللقاء من جهة أخرى. فالسؤال الذي طرحه موضوع البحث يبدو ممثلا أحد أهم شواغل الثورة المصرية منذ اندلاعها الأول في الثامن والعشرين من يناير 2011، غير أن مقاربات الواقع، عمليا ونظريا لم تضع فاصلة مناسبة أمام أي من إجاباتها، لذلك ظلت الحاجة متعاظمة الى مزيد من البحث ومزيد من التطبيقات التي تبدو حالمة، بل أسطورية في بعض الأحيان. فمأزق الثورة وأي ثورة، تاريخيا، يتمثل في المسافة الواسعة بين الحلم الثوري وتردي إرثه في الواقع المرئي والمعيش. 
كانت أوراق الملتقى إجابة جزئية عن العنوان المهم للحوار ‘الفن في فترات التحول السياسي: المساندة التفاعلية’.
ففي الورقة التي قدمها الشاعر والناقد المسرحي جرجس شكري التي حملت عنوان ‘ الواقع الثقافي المصري .. ثوب جديد ورقعة قديمة ‘ ثمة انتقادات لاذعة للمشهدين السياسي والثقافي، غير أنه توقف طويلا أمام الأعمال التي قدمها العديد من شباب المسرحيين’تفاعلا مع الحدث، حيث يرى شكري أن الاستجابة الإبداعية لهذا الحدث الثوري الهائل كانت تقصد الى ترميم الصورة القديمة لكنها لم تصل الى نخاع الحقيقة الثورية فكانت النتيجة كما يقول ‘مسخا مشوها’، وربما هذا ما دعاه الى وصف المشهد المسرحي ما قبل الثورة بالادعاء والإقصاء والدجل وسيطرة نجوم الشباك، غير أنه لا يرى الصورة أفضل كثيرا بعد أحداث ميدان التحرير، حيث تواتر الأمر على نقل الثورة من الشارع الى المسرح دون وعي بأدوات عملية النقل، وهي أدوات إبداعية بالأساس، ومن هنا يؤكد أن ثورة بلا إبداع مواز لا تعني الكثير، فالفن لا تصنعه النوايا الطيبة على حد تعبيره. 
أما المخرج المعروف عصام السيد فقدم ورقة تحت عنوان ‘حرية الفعل الثقافي’ استعرض فيها عددا من أفكاره الرئيسية مثل وضعية المشهد الفني الراهن فيمصر، وشرعية الفنون القائمة ومصادرها وهل تعكس ثقافة الهامش أم’ثقافة المركز أم هي تعبير عن واقع ثقافي مفترض، كذلك تناول السيد فكرة العقد الاجتماعي المصري الجديد بين ما أسماها المساحات الفارغة وتحرير حرية التعبير، ثم تناول ما هو ممكن وما هو مستحيل في مستقبل الخارطة المأمولة للثقافة المصرية . 
أما الدكتور محمود نسيم فقدم واحدة من أهم أوراق جلسة الحوار، حيث حاول، كما يقول، مقاربة المشهد باعتباره بحثا في مسألة الثقافة والعقد الاجتماعي الجديد وكذلك شرعية الفنون وصورها. وقد طرح نسيم السؤال في مجالي المسرح والشعر ورأى أن ما هو مسكوت عنه من أسئلة ربما أكبر بكثير مما هو قيد النقاش. أما في المسرح فطرح فكرة الصراع بين صراع القديم والجديد وأطلق عليه ظاهرة ‘قلق النمذجة’ ورأى أنها مثلت سؤالا مؤرقا لكثيرين في الثلاثين عاما الماضية، في الوقت نفسه يشير الى أن ثمة فرضية أساسية لا يمكن تجاهلها، هي أن الإطار التصوري والمنهجي’لدراسة المسرح لا تكتمل دون الإشارة الى تحيز متجذر في إطارين أولهما القديم وثانيهما الإجماع، ثم تناول في هذا الإطار ظهور الجماعات المسرحية وانتشارها على امتداد العالم، وكذلك تحول المسرح الى ظاهرة متعددة ومتنوعة ومع ذلك لم ينتج خطابه الخاص، واصفا ذلك بأن الظاهرة المسرحية ظلت ظاهرة بذاتها وليس لذاتها، مشيرا الى القراءة الطبقية في الصراع الاجتماعي لدى ماركس وكأنه يشير بالأساس الى الدور الذي كان ينبغي للمسرح أن يلعبه في الثلاثين عاما الماضية على الأقل . 
أيضا كان بين الأوراق المقدمة ورقة قدمتها الباحثة هبة شريف تحت عنوان ‘ماذا نريد من الثقافة’ تناولت فيها مشكلة الإصلاح الثقافي وما يسمى بحتميات الـ ‘مقرطة’ من خلال استعراضها لدور الثقافة في ما قبل الثورة ومحاولة فرض نسق ثقافي بعينه ومن هنا نوهت الى أهمية دور القطاع الخاص في الثقافة المصرية الجديدة والتي يجب أن تكون . 
شهدت حلقة الحوار أيضا مناقشة لعدد من الأوراق التي قدمها كل من الباحثين والمبدعين: رشا عبد المنعم، ماهر جرجس . 
وكانت قد اختتمت في مدينة الإسكندرية فعاليات ملتقى المسرح العربي المنعقد تحت عنوان ‘نوبة صحيان’ الذي أقيم في النصف الأول من ديسمبر الجاري . وذلك تحت رعاية المؤسسة الدولية للإبداع والتدريب ‘ Act ـ 1 ‘ بمشاركة مؤسسة ‘تياترو إسكندرية’ التي يترأسها الأكاديمي والمسرحي الدكتور محمود أبو دومة، حيث تضمنت فعاليات الملتقي العديد من العروض المشاركة التي استقبلتها مؤسسة تياترو الى جانب عدد من المسارح الأخرى مثل المعهد السويدي، مكتبة الإسكندرية، المعهد الفرنسي، معهد جوته . وتشكل فريق العمل من العاملين بالمؤسسة الدولية ومكتبة الإسكندرية ومؤسسة تياترو. تضمن برنامج العروض عدا كبيرا من الفعاليات من بينها : ورشة: توظيف مساحات مسرحية بديلة، سينما ستاشن’ورشة: الكتابة الإبداعية في المسرح / سويسرا المعهد السويدي عرض: مو: نو: لوج (استفقت) / سوريا مكتبة الإسكندرية (المسرح الصغير عرض: أشباح النهار/ مصر مكتبة الإسكندرية( القاعة الكبري ورشة: توظيف مساحات مسرحية بديلة / مصر تياترو إسكندرية
سينما ستاشن ورشة: الكتابة الإبداعية في المسرح / سويسرا جلسة حوار إصدار: كتابات من المسرح السويسري عرض: أشوشو/ مصرعن قصة الشيطان في خطر لتوفيق الحكي عرض: ع (عين)/ مصر ورشة: إضاءة أماكن غير تقليدية / مصر ورشة: الكتابة الإبداعية في المسرح / سويسرا، أما برنامج الحوار، وكان أهم محاور الملتقى وأكثرها ثراء فقد حمل عنوان : الفن في فترات التحول السياسي: المساندة التفاعلية ،كما أشرنا في تقدمة هذه القراءة بالإضافة الى عدد من العروض الأخرى مثل : عطيليانو/ مصر عن نص ‘عطيل’ لوليم شكسبير، عرض: انفلات / تونس
تضمن الملتقى أيضا جلسة حوار حول إصدار جديد هو : ‘في عيون الآخرين / مصر- ألمانيا .. بالإضافة الى ورشة: المبادرة الثقافية / المملكة المتحدة، برنامج صُنع في مصر و(عروض جيب) منها : جبر الخواطر، تايم لاين، حديث بالليل مع رجل حقير، راح النور .. وهو عبارة عن ارتجالية موسيقية .
وكان العام 2011 قد شهد قيام المؤسسة الدولية للإبداع والتدريب (I-act)بتنظيم نسخة تجريبية من ‘نوبة صحيان’ كملتقى مسرحي عربي، والذى اتخذ، فيما بعد، من التغييرات الاجتماعية والسياسية في مصر محوراً له. وفي عام 2013 عادت فعاليات ‘نوبة صحيان’ وقد تبلورت ملامحها في ضوء التطورات التي تجتاح المنطقة. وتضيف أوراق منظمي الملتقي أن الملتقي لقد تجاوز′ حدود مصر إلى سوريا والأردن وفلسطين وتونس ولبنان وذلك من خلال فعاليات متنوعة من عروض مسرحية وبرامج حوارية وورش تدريبية، بالإضافة إلى ترجمة وإصدار النصوص المسرحية العالمية. هذا فضلاً عن الآليات المتضمنة داخل أهداف ‘نوبة صحيان’ مثل التعلم وتبادل الخبرات والتشبيك والتربيط وبناء المشروعات المشتركة، وتعزيز دور حرية التعبير في مناخ يدعم حرية التفكير النقدي والإبداع.
هذا ويضم الملتقى في هذا العام 2013 عروضاً من أربع دول عربية هي سوريا وفلسطين وتونس ومصر، بالإضافة إلى 6 عروض مصرية يقدمها جيل جديد من صناع المسرح الذين يتلمسون طريقهم بخطوات جادة. أما في مجال التدريب، فتضم ‘ نوبة صحيان’ أربع ورش تدريبية في مجالات المبادرة الثقافية والكتابة الإبداعية وأيضاً في مجالات الإضاءة وتدوير الأماكن البديلة. هذا فضلاً عن ترجمة نصين مسرحيين عن اللغة الألمانية لكاتبين مسرحيين من سويسرا، هذا فضلاً عن إصدار الماني مصري هو نتاج برنامج ‘في عيون الآخرين’ في شكل يطرح وحدة المشاعر والتنوع الثقافي والحضاري للبحث عن المشترك الإنساني. أما في مجال الحوار فيقوم ‘نوبة صحيان”بتنظيم برنامج حواري حول المساندة والدعم اللذين يمكن أن تقدمهما الفنون في فترات التحول السياسي والاجتماعي.
هذا وتُقدم فاعليات ‘نوبة صحيان’ في أماكن متعددة في مدينة الإسكندرية وهي مكتبة الإسكندرية، والمعهد السويدي، ومعهد غوته، والمركز الثقافي الفرنسي، وتياترو الإسكندرية، حيث يوجد مركز المعلومات الذى يضطلع بمسؤولية تزويد المشاركين والضيوف بكافة البيانات وتسهيل الوصول لأماكن العروض.
هذا ويهدف ‘نوبة صحيان’ إلى تعزيز علاقة التجاور والتوازي بين الفن وتحرير التعبير الإنساني، خاصة في مرحلة التحول السياسي. كما يهدف إلى تقوية دور الحياة الثقافية والفنية في مدينة الإسكندرية، حتى يمكن لها أن تستعيد دورها الريادي كملتقى للثقافات المتنوعة.

 

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني

http://www.alquds.co.uk


عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.