أمل بعودة العافية لحضور المسرح العراقي على خارطة المشهد المسرحي

طوى مهرجان بغداد الدولي للمسرح في دورته الأولى أوراقه وأصبح جزءا من تأريخ المسرح العراقي وإضافة لخارطة المهرجانات المسرحية في الوطن العربي وفي العالم  بوصفه دوليا . وبقدر سعادتنا بهذا العرس المسرحي العراقي  إلا ان هذا لن يمنع من تثبيت عدد من

الملاحظات التي تم تشخيصها  من خلال متابعة واطلاع .لذا كان لابد من قراءة  متأنية ومتأملة لكل فعاليات وأنشطة هذه التظاهرة الفنية  بعيدا عن المحاباة والإخوانيات والمجاملات قريبا من روح المهنية والمسؤولية الثقافية والفنية. فقد جاء موعد انطلاق فعالياته  سريعا  ومتكتما ومحصورا في عدد محدد من الأسماء الإدارية والفنية، فكانت العجالة والارتجال واحدة من سماته التي كانت ظاهرة لكل ذي عين مبصره انطلقت تظاهرة الأيام البغدادية من تأريخ 22 من شهر تشرين الأول من العام الحالي 2013  بمشاركة عربية وغربية ،إذ شاركت إسبانيا بعرضين مسرحيين وبولندا بعرض مسرحي واحد، كما شاركت إيران بعرض مونودرامي واحد هي الأخرى ،أما المشاركات العربية فقد جاءت من مصر وسوريا والأردن وتونس إضافة إلى وجود المشاركة العراقية  التي تمثلت في مشاركة الفرقة الوطنية للتمثيل بأربعة عروض مسرحية  احدها كان عرض الافتتاح وكان لكلية الفنون الجميلة حضورها بعرض مسرحي واحد ، وقد شاركت محافظة الديوانية بعرض مسرحي من إنتاج نقابة الفنانين في المحافظة  كما شاركت محافظة البصرة بعرض مسرحي واحد, توزعت العروض المسرحية في الفضاءات  الآتية                 وهي :
المسرح الوطني ومسرح الرافدين وفضاء منتدى المسرح. أما الورش والجلسات النقدية والبحثية المرافقة لفعاليات المهرجان فقد كانت في قاعات فندق مرديان وهو مكان استضافة ضيوف المهرجان والفرق المسرحية المشاركة . وبما ان المهرجان كان تنافسيا فقد أضيفت إلى اللجان المنبثقة عن المهرجان لجنة التحكيم   التي تكونت من أحد عشر عضوا مع وجود المقرر وقد كانت اللجنة التحكيمية برئاسة الدكتور صلاح القصب .
تأمل من داخل أروقة المهرجان                                                                هي سعادة غامرة أن تضاء مسارح العراق بوجود مهرجان مسرحي دولي وهي أيضا فرحة لا توصف ان تفتح بغداد أحضانها لضيوف غابوا عنها في زمن عصفت فيه رياح الخوف والوجع في أرجائها، لكنها بغداد التي بقيت عصية وصامدة سخية ونابضة بالحياة رغم كل المحاولات لتهجينها أو إخضاعها أو محاولة مسخ ألوانها البهية التي تعلن عن عمق جذورها وأصالة منبتها، فالسعادة حاضرة والزهو إحساس غامر لدى جميع الفنانين والمثقفين وهم يحضرون ويتواصلون مع عرس بغداد المسرحي، ورغم ما شاب المهرجان من هنات إلا ان الفنانين غضوا الطرف واكتفوا بالابتسام وابتكار الأعذار للجنة التحضيرية التي كانت المسؤولة الأولى عن اختيار بقية أعضاء اللجان التي تولت مختلف المهمات الفنية والمالية واللوجستية في المهرجان وإلا كيف نفسر ما يأتي : 

غياب هوية واضحة للمهرجان!!
هل هو مهرجان للمحترفين أم هو مهرجان للهواة تحت مظلة الدولي !! إذ ان العروض المشاركة ضمت محترفين وطلبة فن وجمعت عرو ض الجسد إلى جانب العروض الناطقة، وكانت هناك عروض تجريبية وعروض واقعية بل كان هناك عرض يعتمد الاشتغال على الجسد موجه للأحداث، وتجلى هذا من معطيات العرض المسرحي ذاته، وقد تم اختياره وتتويجه كأفضل عرض مسرحي بين العروض المشاركة العراقية منها والعربية والأوروبية , ولا أدري ماهي المعايير والقيم التي تم اعتمادها لدى لجنة التحكيم ولدى لجنة المشاهدة واختيار العروض وكذلك لدى لجنة النقاد الذين اكتفوا بالثناء والمباركة وإغفال الحقائق في ما يتعلق بطبيعة العروض التي اختلفت وتفاوتت وتناقضت في آلية الاشتغال لكنها قدمت عروضها من على خشبة مسارح محدده  في مهرجان دولي أقيم في العاصمة بغداد ! ثم يأتي سؤال لابد من الإجابة عليه إذا كانت لجنة التحكيم موجودة وقد منحت كافة الصلاحيات وحرية الاختيار والتقييم فلم يتم ابتكار واستحداث جوائز ليس لها وجود في خارطة أي مهرجان سابق محلي أم عربي أم دولي وما علاقة إلغاء جوائز الأزياء و المكياج بعملية استحداث جوائز جديدة ثم ان نقدم ونؤكد على جائزة التأليف المسرحي ومن بعد  نلغي جوائز هي من صلب تفصيلات العرض المسرحي وعناصره ! هذا امر يحتاج إلى وقفة كي نسأل هل هناك نظام داخلي أقيم على أساسه المهرجان يمنح اللجنة المنظمة الحق في استحداث هكذا جوائز!!ثم ماالذي يدفع المهرجان ولجنته المنظمة والتحضيرية إلى استدعاء عرض مسرحي قديم لم يكن من إنتاج دائرة السينما والمسرح أصلا ليكون ضمن عروض المهرجان وعدم السماح باستدعاء عروض مسرحية مهمة قدمت من على خشبة المسرح الوطني لأيام قليلة وحققت حضورا متميزا، وقد كانت من إنتاج دائرة السينما والمسرح  من الموسم المسرحي السابق والحالي !! أهي الإخوانيات والمحاباة على حساب عدد من رموز المسرح العراقي الذين تم إغفالهم وتنحيتهم وعدم إشراكهم في المشورة والرأي !! وإذا كان ثمة من يزعم ان هناك لجنة تم تشكيلها تحت مسمى اللجنة الاستشارية  فنقول ان اللجنة شكلت بعد ان أنجزت اللجنة التحضيرية إجراءاتها ومخاطباتها للفرق والضيوف  وبذا تكون هذه اللجنة تشريفية لا فعل حقيقي لها , ورغم ملاحظاتنا هذه النابعة من حرص واهتمام بواقع الحراك المسرحي العراقي لا يسعنا إلا ان نقول تواصلت عروض مهرجان بغداد الدولي للمسرح بحضور جماهيري قل نظيره  بشكل ملفت للأنظار جدير بالأعجاب، وبقدر سعادتنا بهذا العرس المسرحي إلا ان المسؤولية الفنية والثقافية والوطنية تحتم علينا ان نشير إلى تلك الهنات ما دمنا نأمل ان يكون هذا المهرجان ركيزة ثابتة في خارطة المشهد المسرحي العراقي وان لا يكون حضوره وجمهوره من أبناء المسرح والثقافة فقط بل ان يكون الحضور من السياسيين ومسؤولي وزارة الثقافة الذين حضروا في حفل الافتتاح وغادروا سريعا دون حتى ان يوجهوا تحية للفنانين الذين قدموا عرض الافتتاح بتميز عال وجهد أدائي مشهود وان يكون هناك حضور من جمهور المسرح المتابع والمهتم بالشأن المسرحي العراقي  !! تبقى المشكلة الأزلية التي كما يبدو لا حل لها ولا نملك إزاءها إلا الصبر  هو ان كل من يمنح فرصة للعمل في الإعداد لمنجز مسرحي يحاول إزاحة وتهميش الآخرين ممن سبقوه وكأنهم يبدأون من الصفر وكأن لم يكن هناك تأسيس سابق وتراكم معرفي, وهذه مشكلة كبيرة تفقدنا أصحاب الخبرة والرأي وتلغي جهود رواد فاعلين وتخلق حالة من التذمر والنقمة , هذه وقفة سريعة مع ما تم تأشيره خلال أيام المهرجان .أما في ما يتعلق بتقييم العروض المشاركة في تلك التظاهرة  فقد تفاوتت تلك العروض في المستوى الفني والجمالي  وتجلى بوضوح غياب الأسس التي تم اعتمادها من قبل لجنة المشاهدة والاختيار للعروض المشاركة في فعاليات المهرجان لاسيما وان المهرجان كان تنافسيا، أي لابد من وجود معايير وثوابت يتم بموجبها التمحيص والدقة في الانتقاء والتزكية للدخول في التنافس !! ورغم كل ما تقدم لا نملك سوى إظهار اعتزازنا بما قدم في المهرجان الدولي للمسرح ،آملين ان تتواصل المهرجانات المسرحية للمسرح العراقي على مستوى عروض الشباب والهواة وعروض تنافسية لمسارح المحافظات ومهرجان مسرحي للمحترفين كي تتواصل وتترسخ حركة المسرح العراقي فكرا وجمالا وفنا وحضورا مؤثرا في الذاكرة الإنسانية العراقية .
في الختام لابد من الإشادة بالجهد والحماس الذي تجلى في حضور ومتابعة رئيس هذه التظاهرة والقائم على فعاليات أيامها المسرحية  الشاعر الشاب د نوفل أبو رغيف الذي تصرف وعمل بحماس و حيادية وانتماء وتجرد لإنجاح المهرجان وإضاءة فضاءات بغداد والاحتفاء بتأريخها  وإرثها الحضاري, وقد كان على من يعملون معه ان يكونوا عونا له في التذكير والتوضيح والدعوات  لكي يتلافوا كل تلك الهنات التي شابت أيام المهرجان ونالت من ألقه , وكل مهرجانات وبغداد ترفل بالعافية، وكل عام والمسرح العراقي بألق وتجدد.

 

د. عواطف نعيم

http://www.almadapaper.net

 

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.