أخبار عاجلة

حمولات واحتمالات الخشبة

اختتمت مؤخراً في المركز الثقافي الملكي في العاصمة الأردنية عمّان، الدورة العشرين لمهرجان المسرح الأردني الذي نظمته مديرية الفنون والمسرح في وزارة الثقافة، بالتعاون والتنسيق مع نقابة الفنانين الأردنيين، بحضور نحو 300 مسرحي أردني وعربي، ومشاركة 11 عرضا مسرحيا، من بينها أربعة عروض، قدمتها فرق مسرحية عربية من الإمارات “نهارات علول”، السودان “الأخيلة المتهالكة”، الجزائر “الجميلات”، تونس “صفّر القطار”. ‬

كما نظمت الهيئة العربية للمسرح في الشارقة على مدار أربعة أيام ندوة فكرية بعنوان “نقد التجربة ـ همزة وصل 1” ضمن مشروع خزانة ذاكرة مهرجان المسرح الأردني بالتعاون مع وزارة الثقافة الأردنية. وشهدت عشرة أيام من المهرجان عروضا أردنية متنوعة هي: عالخشب، الحلاّج، حارس النبوءة، النجمة والهيكل، هاملت ثري دي، ماريانا، صدى الصحراء. كما كرّم المهرجان المخرج الأردني المخضرم عمر قفاف، وروح الممثل الأردني الراحل عثمان الشمايلة، فيما ألغت اللجنة العليا للمهرجان الجوائز التنافسية، تأكيدا على جودة العمل المسرحي، بعيدا عن المنافسات وعالم الجوائز الذي قد يفسد أجواء الحدث، وحوار التجارب المنشود.

هنا قراءة في عدد من العروض التي قدمت خلال المهرجان:

 

‫السودان: عبث مونودرامي‬

 

‫عرضت السودان مسرحية بعنوان “الأخيلة المتهالكة” نص سيد عبد الله صوصل، بتوقيع المخرج ربيع يوسف حسن، وتمثيل كل من أميرة أحمد إدريس، حمد النيل خليفة، إيهاب بلاش، ضمن ثلاثة أطروحات في قوالب وأشكال: مسرح العبث، فن المونودراما، حيث تتماهى ثلاثة مونودرامات صغيرة لشخصيات العرض التي تتكامل في شخصية واحدة، ومن ثم فن التجسيد والتشخيص على المسرح، فماذا في هذه الثلاثية السودانية التي تجاوزت الطرح العبثي، إلى تحويل الخطاب المسرحي إلى ورقة إدانة للحرب الأهلية السودانية، وكل أشكال الحرب والقمع والعنف والإرهاب الفكري في العالم؟‬

‫‫مرجعيات النّص الجميل الذي كتبه بحرفية عالية سيد صوصل وهو في الواقع نص عبثي سياسي بامتياز، تشير إلى أننا خارج حيز الكتابة التقليدية، وأننا في صلب موضوع سوداني يحمل هويته وخصوصيته، فقد عانى مجتمع هذا البلد على مدار أكثر من أربعين عاما من خراب ومآسي الحروب الأهلية القاسية، ما انعكس سلبا على أبناء الجيل الجديد الذين كانوا وقودا وضحايا لصناعة الموت، وكان منطقيا وطبيعيا أن تخلّف تلك التشوهات السياسية والنفسية والثقافية، جيلاً متمرداً، محترفاً للعنف والقبح ولمسة من التطرف.‬‬

‫التقط مخرج العرض بمهارة عالية مستويات الحوار وبخاصة الديالوج المسرحي الطويل بين الشخصيتين الرئيستين، وصنع منه ثنائية التجسيد المسرحي في أعلى جمالياتها وصورها وتجلياتها في التكوين والمعمار والحركة، حتى بات يخيّل لنا أنهما شخصية واحدة تتماهى وتتكامل مع شخصية الأنثى، حتى بدا ثلاثتهم شخصية واحدة متمردة، كما أفاد كثيرا من مستويات تعبير المونودراما، والمونولوجات المنعزلة التي كانت تصعّد الحالة المسرحية، مستثمرا ببراعة الصناديق الثلاثة، وتقنيات العرض الأخرى (تصميم ماهر حسين سيد، حاتم محمد علي) ليحيل الخشبة إلى ساحة صراع، تتوازى مع فكرة الحرب، فهذه الصناديق، هي لعبة التقنية الأولى، فقد صممت بطريقة تتعدد فيها الوظائف، فحينا تصبح مستويات لحركة وتشكيلات الممثلين، وحينا آخر يستخرج الممثلين منها أدواتهم من أقمشة وإكسسوارات لتشكيل المشهدية، بكل ما فيها من حركة وإيقاع لاهث، وتجسيد، وجدليات، متصلة بروح النّص الذي كان بالنسبة له نقطة ابتداء للخلق المسرحي برمته، فقدم لنا في النهاية عرضا واضحا في بساطته، جميلا في طرحه الإخراجي ولغته الهادئة، دونما بهلوانية من تلك التي نراها في مسرح المخرج حينما يلعب في مناطق التجريب والعبثية.‬

‫تونس: التجريب والحركة‬

‫أخطر ما في عرض “صفّر القطار” التونسي، حواره الدرامي، رسم شخصياته، خطابه السياسي الملغوم، الذي يسقط صراحة على الحالة السياسية التونسية، وتستلهم هذه التوليفة محتوى آخر من إحدى مسرحيات شاعر إسبانيا العظيم فيديركو غارثيا لوركا، بعنوان “بيت برنارادا ألبا”، الجزء الأخير من ثلاثيته التي تضم مسرحيتي “يرما” و”عرس الدّم”. أما نص العرض فقبسه الدراماتورجي إبراهيم بن عمر بتوقيع المخرجة دليلة مفتاحي التي أدت ببراعة دور الجدّة هناني، من ضمن العوانس الست، اللواتي يبحثن عن الحرية والخلاص في صورة رجل حاضر غائب هو “جوهر” الذكر الوحيد الذي يثير مخيلة الفتيات.‬

‫‫نص “صفّر القطار”، أقرب في صورته إلى القصيدة الشعرية، لكنه في الواقع مفعم بالشخصيات النسائية التي تمّ رسمها بعمق ودقة متناهية في إطار فن المفارقة الدرامية، فمركز ثقل الشخصيات هي الأم الأرملة الكئيبة الصارمة (تلعب دورها الممثلة سعيدة الحامي)، فهي ليست أمّا قدرية، بل هي القسوة والديكتاتورية بعينها، مهيمنة على بناتها وبيتها بيد من حديد، محوّلة حياة من حولها إلى جحيم، لا سيما بعد رحيل زوجها، فصار لا بد من الحداد عليه لثمانية أعوام كاملة، إذ لن يكون مكان للفرح أو الضحك أو الآمال الأنثوية في هذا المكان المغلق على أربع فتيات أصبحن عانسات يعشن في ثورة، يبحثن عن شبح الرجل حتى صفّر قطارهن (فاتتهن الحياة) وأهمهن وأصغرهن وحيدة (تلعب دورها الممثلة نورهان بوزيان) الفتاة المتمردة، المتحررة، المشاكسة، الوحيدة التي أعلنت ثورتها على وضعها الاجتماعي، وذلك ما يدفعها إلى بناء علاقة مع جوهر الذي لا نراه، علاقة تدور خفية من وراء ظهر الجميع في إسطبل البيت، فيكون قدرها موتها بحملها منه سفاحا، لتصبح في منظور الجميع الابنة الزانية، الخارجة على العرف والتقاليد. وحقق الكاتب في تشكيل شخصية وحيدة قفزة عقلانية على أخلاقيات لوركا، الذي يدفع ببطلته إلى الانتحار، فيما يصبح موت وحيدة في “صفر القطار” موتا معنويا ناتجا عن ضغط العائلة، وقسوة البيئة، وتابوهات الأم التي تصل إلى حد مراقبة الهمس ونوع الكلام، لكن هذا الموت المعنوي يسقط ديكتاتورية الأم، ويحني قامتها، ويكسر كل قوانينها القمعية الجائرة. وهنا صابرة (تلعب دورها الممثلة هدى الجمل) الابنة الكبيرة الرزينة، في صورة أمها ولكن على نحو مزدوج من الرغبة والرفض والحيرة والقلق، وتصدمنا عفيفة (جليلة بن يحيى) بآرائها المتزمتة، المتطرفة، وتمثل الطبقة المحافظة ما بين الموجود والمنشود، وقد رسمها الكاتب بصورة معقّدة مركبة، وأمامنا أيضا شخصية مسحوقة هي الخادمة صبيحة (فوزية منصور) المنافقة، جاسوسة أمها، ولعلها رسمت بهذه التركيبة لتشكل جانبا من طبقة البروليتاريا في أجلى صورها. ‬‬

‫الجزائر: الجميلات المجاهدات‬

‫قدمت الجزائر مسرحية بعنوان “الجميلات” نص نجاة طيبوني، للمخرجة صونيا ميكيو، وتمثيل كل من ليندا سلام، ليديا لعريني، آمال حنيفي، هواري رجاء، منى بن سلطان، صالح غجاتي. تجري أحداث المسرحية في سجن (برباروس ـ سركاجي) بالجزائر العاصمة في أواخر عام 1961، حيث تنتظر خمس مجاهدات تفنن المستعمر الفرنسي في تعذيبهن (رقية مصمودي، فضيلة سعدان، بنت شيخ الحسن، زليخة شايب يامينا، لالا فاطمة نسومر) تنفيذ حكم الإعدام بهن، فيما تروي كل سجينة قصتها ومشاعرها وأحلامها بعد الاستقلال المنتظر. وقد تحقق لهن ذلك في نهاية المسرحية، في مشهد احتفالي، حينما تفتح أبواب السجن، ليخرجن بملابس بيضاء، منطلقات مثل الحمامات، على وقع موتيفة شعبية جزائرية من أداء ولحن الكاتب والملحن الجزائري الحاج محمد العنقا، أحد اهم رواد الغناء الشعبي في الجزائر، فيما تصدح بطلة العرض ليديا لعريني ومعها بقية الممثلات بأبيات شعرية تكرّم الحرية والمجاهدة الجزائرية.‬

‫يتميز هذا العرض بمتانة إخراجه ضمن تيار الواقعية الجديدة، وبقوة الأداء النسوي، حيث تمكنت الممثلات بمهارة عالية من نقل أجواء التعذيب من وراء القضبان، خاصة أنهن تحدين حارس السجن الفرنسي، من خلال حديثهن بصوت مرتفع عن مناضلات الجزائر، وكان من ضمنهن بعض الفرنسيات اللواتي تضامن مع القضية الجزائرية، وتميزت بالأداء المتقن البارع متعدد النغمات والتلوينات الصوتية الممثلة ليديا العريني، ومعها ليندا سلام حيث شكلا معا ثنائية تمثيلية واعية. أما مخرجة العرض صونيا ميكيو، فقدمت لنا عرضا حماسية مؤثرا على مستويات توزيع توزيع الممثلات وتشكيلاتهن على المسرح، إدارة الحركة، الاستفادة من الديكورات المتنقلة، الأغنيات والأهازيج الوطنية التي قدمتها الفنانة الشابة (زهوة) وكذلك الإضاءة والغناء والملابس، في إيقاع سريع لاهث، استقطب الجمهور وأدخله في اللعبة المسرحية.‬

‫الأردن: الأرض والناس‬

‫من أعمال فن المونودراما، تابعنا عرضاً بعنوان “النجمة والهيكل” نص وتمثيل شايش النعيمي، للمخرج خالد الطريفي، وتتناول المسرحية الهم الوطني والعربي العام، من خلال الشاب سالم، الذي يرتدي ملابس الرحيل، حاملا متاعه في حقيبة أثقلت كاهله، لنكتشف أن البطل في معركة دائمة مع ظله، ومن ثم حالة الاشتباك الاجتماعي والسياسي، حيث تزدحم الأحداث التي تتطور بسرعة في مشاهد ولوحات بالكثير من الإشارات والرموز التاريخية والأساطير مثل سالومي، ميشع، حانون ـ ملك عامون، إبن عين غزال، وتحضر فلسطين بقوة في أحداث العرض. في النهاية يتمنى سالم أن يكون جنديا يستشهد من اجل الوطن كما فعل والده. وما بين الضحك والهجائية والمرارة يطارد البطل نجمته الحبيبة، متابعا وكأنه سيزيف في رحلته الشاقة، محطما هيكله وسط أداء بارع متفوق.‬

‫ومن العروض الأردنية المتميزة عرض بعنوان “ماريانا بينيدا” للمخرج حسين نافع عن نص الشاعر الإسباني فيديركو جارثيا لوركا.‬

‫إن ما يحسب لمخرج هذا العرض هو توفيقه واختياره الواعي لأكثر العناصر التمثيلية التي ساهمت في تركيب هذا العمل المعقد الأجزاء، وعلى رأس هؤلاء الممثلين أريج دبابنة بدور ماريانا، من حيث حضورها وطلّتها على المسرح وتجسيدها لدورها المركب بتلقائية، جعلتها تعيش وتتعايش مع الشخصية النضالية بعمق ووعي، بعد أن أضفت على الدور تنويعات من صدق التعبير وحسن ورهافة الأداء، جعل منها مركز الثقل في كامل بنية العرض، ثم يأتي الممثل المخضرم حابس حسين بدور (بيدروسا ـ الحاكم الإداري) بكل ما يختزنه من خبرة وموهبة وثقافة وأداء رفيع، ليشكل مع أريج دبابنة ثنائية لها خصوصيتها، وجمالها، وعلى الرغم من محدودية دور حابس حسين، إلا أنّه نجح في أن يكون (المايسترو) الذي يحرّك الأروكسترا التمثيلي في هذه السيمفونية المسرحية التي شكلت بقوة طرقة جديدة على خشبة مهرجان المسرح الأردني.‬

‫كما عرضت مسرحية بعنوان “الحلاج” نص الشاعر المصري صلاح عبد الصبور، للمخرج الدكتور فراس الريموني، تمثيل يوسف كيوان، عدنان عقل، آمان الدادية، وآخرين، وتشكلت المسرحية في إطارها الجديد من محتوى الفصلين اللذين كتبهما عبد الصبور بلغة الشعر ضمن جزأين رئيسيين: الأول بعنوان “الكلمة”، والثاني بعنوان “الموت”، وهو ما كرّس في لغة الشعر والأدب فيما بعد اصطلاحاً مشهوراً هو (الخلاص بالموت).‬

قدّم الريموني عرضه التجريبي، بقالب يقوم على فن التغريب، في كل شيء، وبخاصة تركيزه الشديد على ‫مسرحة المسرح، من خلال إدخال جمهور الصالة في اللعبة المسرحية، مقيماً عرضه على مستويين من التشكيل الحركي، ليقدم في هذا الإطار إسقاطه السياسي من خلال نموذج تاريخي، متمرداً على فساد السلطة، مع تأكيداته طوال العرض على فكرة القمع ومصادرة الحريات، وهي في الواقع ثيمة فكرية وإنسانية تحمل دلالاتها،‬ أرسلت المسرحية في إطارها رسائل عديدة عن الحرية والعدل والكرامة وشرف الإنسان المستمد من مبادئه، ملخصاً كل هذه الرسائل في كلمات الحلاّج وبعض مريديه (العدل مواقف، العدل حوار).

وقدّم المخرج عبد الصمد البصول رؤيا جريئة في مسرحية “هاملت ثري دي”، عن نص للكاتب عضيب عضيبات، حيث يمارس هاملت الجديد المعاصر فنون الجنون كافة على خشبة المسرح، ويتحول من ضحية عند شكسبير إلى ظالم، وتنتهي المسرحية بإدانته كنموذج ديكتاتوري من دون بطلته الشهيرة أوفيليا، يحتمل تأويلات وإسقاطات سياسية عديدة. ثمة خروج عن السيطرة من خلال مونولوج هاملت الشهير (أكون أو لا أكون) الذي بدا مختلفا من حيث مقاصده وشاعريته.

‫أما مسرحية “صدى الصحراء” نص وإخراج عبد الكريم الجرّاح، فهي من ذلك النوع الذي ينتمي إلى الأمكنة الأليفة على أرواحنا، والمكان في هذا العرض الشاعري الدافئ، هو فضاء مسرحي منطلق ومفتوح على فضاءات مختلفة، من تأويلات النص، إلى الممثل، إلى اللغة التي بدت لنا فصيحة في أعمق صورها حول قصة المدينة الوردية (البتراء) وصمود الإنسان والحجر عبر تاريخ سحيق. قدّم الجراح (فكرة بكر) لإحاطة مكانه بما يلزم لتحقيق الفضاء الصحراوي من استخدامات بارعة للتراب، النيران، والإضاءة التي تقترب في مضمونها من سحر وخيال الطبيعة. إن سينوغرافيا “صدى الصحراء” التي استطاع الجرّاح أن يتملس فيها بيئة المكان التاريخي (النبطي) المرتبط بصورة أوبأخرى بامتداد رؤية الإنسان المعاصر، هي رؤيا جمالية خالصة تتجاوز حدود المكان التقليدي في المسرح، وقد نجح حقيقة في وضع لمساته الجمالية التي جاءت متجانسة مع معمار المكان، يرسم فيها علاماته البصرية ذات الدلالات الايقونية التي لا تحيل جمهور العرض إلى معنى آخر سوى المعنى الذي تكونت من أجله، لهذا جاء ما يحيط بالمكان القائم في تكوينه على كونية (التراب، النار، الماء)، متناسقاً على مستويات الرقص التعبيري والتشكيل بالجسد، الأزياء المسرحية، الأداء التمثيلي الأقرب إلى السرد الشعري‬.

‫العرض الإماراتي «نهارات علّول».. رقي المتخيّل في الفضاء الرابع‬

‫انتصارات وهزائم ثورة الحرافيش‬

‫ ‬

يلخّص الكاتب مرعي الحليان، والمخرج حسن رجب، مسرحيتهما “نهارات علّول”، إنتاج المسرح الحديث بالشارقة، والتي شاهدناها على خشبة مسرح المركز الثقافي الملكي بعمّان، في مشهد المحاكمة الهزلي الكاريكاتوري السّاخر، ويفضي إلى إدانة بطل المسرحية علّول (جاسم الخرّاز)، بتهمة محاولة قتل حارس القصر، ومن ثم إعدامه في الساحة العامة، ليكون عبرة لكل من يتعدى الخطوط الحمراء بالتّمرد على السلطة وقانون المدينة، في الطّاعة والولاء المطلق للحاكم.

‫الكاتب ضمير عصره، وتعبير عن واقع مجتمعه وأمته، وانطلاقا من هذا المعنى راح مرعي الحليان يناقش من خلال نصّه الاستشرافي المكتوب في لوحات مسرحية، قضية من أخطر القضايا التي تلح على الإنسان المعاصر، وبخاصة في العالم الثالث، ألا وهي قضية الموت في سبيل المبدأ والحرية، من خلال تصوير حيرة النّاس بين حبّهم لزعيمهم الملهم، وإيمانهم الكامل به، وبين القلق الذي يدفعهم إليه بعض من يحيطونه بأنفسهم، أو يحبطون أنفسهم به، هي إذن ثنائية الأزل (العبد والسيد) التي أثارها الدكتور يوسف إدريس في “الفرافير”، ولكن الحليان يثير قضيته ضمن اشتغالاته على جماليات الكباريه السياسي، فهنا هذا البطل التراجيدي الشعبي البسيط المتأزم المهمّش علول، وصديقه حاني (أحمد ناصر) اللذان يعملان في مهنة العتالة، أما بيئتهما (المكان) فهي ساحة الحرافيش (قاع المدينة)، التي تدور فيها كامل أحداث المسرحية.. فضاء واحد، يتمدد إلى فضاءات عديدة تكسب العرض جمالياته، لكن هذا الفضاء الواحد يجمعهما في متخيّل، تغيير عالم مدينتهما الفاسد: (علول: أحلم أن أنجب أولادا أكثر لأنثرهم على تراب الأرض كالزنابق ليعدلوا الميزان)، وكأننا في التماهي أمام ثنائية (هاملت وهوراشيو)، ووسط هذه القتامة ينسج الكاتب أجمل قصة عشق بين علّول، والخادمة علاّية (بدور السّاعي) ومن هذه الثنائية، وهي ركيزة محورية في المعمار المسرحي، بنى منها الحليان حبكته، بعد أن تعقّب حارس قصر الحاكم الخادمة المفتونة بعلول، ويثيره مشهد العشق الرومانسي بينهما في ساحة الحرافيش، حتى يقوم حارس القصر في لحظة حقد جنونية بإطلاق رصاصة على علول، وظنّت مجموعة الحرافيش (محمد بن يعروف، عبدالله سعيد، سامي القطّان، سلطان بن دافون) أنّه قد مات، فأقاموا له العزاء، لكنه ينتفض من وسط صفيحهم الذي دفنوه فيه مثل العنقاء وليصبح في نظرهم رجل كرامات مبارك، يؤمنون به وبمقولاته وافكاره، لقد صار زعيما للحرافيش مواصلا تمرده، وتحريضه ضد الظلم والفساد، حتى لحظة قتله برصاصة أخرى في ساحة الحرافيش، ولتصبح هذه الطلقة الغادرة، معادلا موضوعيا لتفجير ثورة الحرافيش، الذين ظلوا يرددون كلماته (هيا ارفعوا هاماتكم، ما فوقنا إلا الفراغ) وقد أصبحت هذه المقولة متلازمة العرض، بل ومعادلا غنائيا، مضافا إلى جماليات المؤثرات الصوتية والموتيفات الشعبية التي كانت تأتينا عبر (آلة الطنبورة) للعازف الشعبي صلاح عادل، الذي أكد على امتداد العرض بموسيقاه شرقية النغم وحداثة التعبير بالنغمات الصوتية على تدفق هذه المفردة من سياق الروح العام للمسرحية.‬

‫أسلوب التعبير عند مرعي الحليان، يجمع بين العبارة القصيرة المركزة، والكلمة الدّالة الموحية، وهنا أيضا تقرأ جملة الشارع السهلة البسيطة، وفي الوقت نفسه لا تخلو مفردات هذه اللغة المحكمة من شاعرية اللغة التي ساندت الثنائيات التي أقامها الكاتب بين شخصياته، سواء على مستوى أسلوبها كجزء من نسيج البناء العضوي للنص، أو على تعدد مستويات الحوار، حينما أشاع عطر الكوميديا السوداء الساخرة في ثنايا حواراته في نص رائع يكسر أشكال الكتابة التقليدية، ويصنع صياغة درامية معنية بالخشبة بكل خصائصها ويعرف جيدا خصوصية التمسرح ‬باعتبارها قاعدة الإنجاز المسرحي في شقّه النّصي، وقد أتاح هذا الأسلوب، تحقيق (مسرح تركيبي) يجمع ما بين الكلمة والحركة والإضاءة والموسيقى، كما أنّه يقوم على الحدث المسرحي المتنامي ضمن نسق جمالي يأخذ شكل اللوحات المتقاطعة في إطار مونتاجي، ذي تركيبات إيحائية توحي بمسرح أنيق هو مسرح المؤلف والمخرج، فلا احد يسبق الآخر، وكلاهما في نسق جمالي يفيض بالرموز وينحو إلى الابتكارية والتجديد والمعاصرة.

‫حسن رجب، مخرج أصيل ومحترف في استخدام أدواته لتحقيق البعد الجمالي، بعد أن قدّم لنا (عرض فرجوي) أقامه على تنويعات طقسية، من توظيف بارع لمسرح الدمى البشري، خيال الظل، كما لعب العرض على منطقة كوميدية كاريكاتورية ساخرة، أضفت الكثير على جماليات العرض وإيقاعه اللاهث، مع جذب استثنائي لجمهور الصالة الذي دخل إلى اللعبة المسرحية وكأنه جزء منها.‬

‫”نهارات علول” هي مسرحية المشهد المسرحي المركب، الذي يجمع في ثناياه أكثر من تشكيل وصورة وأروع ما في فن التجسيد والتشخيص (المسرح داخل مسرح)، مثل مشهد زفاف علول وعلاية، الذي استخدم فيه الدمى البشرية التي تشكلت من جموع الحرافيش، حيث يتحول أطفالهما إلى وسائد، وكيف تتحول الكراسي الخشبية إلى قطع ديكورية تستخدم في اكثر من تعبير بصري، ثم مشهد التحقيق مع علول، ثم مشهد محاكمته الساخر الذي يكشف عن فساد القاضي (جمال السميطي) وأيضا فساد المحامي (مرعي الحليان)، وما تكشفه جملة هذه المشاهد من عزلة بين الحاكم الملهم وشعبه، ويحسب لمخرج العرض مهارته في إشاعة الحركة في كامل فضاء المسرح، مستثمرا طاقات ممثليه مع الديكورات والموسيقى والإضاءة (إبراهيم حيدر) المفعمة بالجمال ودقة التوزيع، أفضل إستثمار، ليصنع في انهاية عرضا شموليا، يعكس الواقع العربي، أقامه على طلقة غادرة، وصورة مبتكرة، وكسر جميل للإيهام المسرحي، والانتقالات الدينامية بين الزمان والمكان، وإعادة توليف متواليات النص، ومن تحايلاته الطريفة استثماره للممثلين في نقل وتغيير قطع الديكور المتحركة، وتفجيره للطاقات التمثيلية، فقد عرف أولا كيف يختار ممثليه ويتصدرهم الممثل جمال السميطي بدور القاضي، ممثل رشيق، تلقائي، أداء رفيع منضبط، خدم التجربة الجمالية للعرض. والاستثناء الكبير هنا هو الممثل المخضرم مرعي الحليان بدور المحامي الفاسد، بكل ما في هذا الدور من مكر وعذوبة، وتلوين صوتي، فكما كان مجيدا في صياغة النص، كان أكثر إجادة على مستوى تقنيات اللعب على الخشبة، ودينامية الحركة واستخدام لغة الجسد والصوت بطريقة تعبيرية أخاذة، ولعل ذلك بالضرورة يحيل إلى الحديث عن هذه الموهبة النسائية الشابة، الممثلة بدور الساعي بدور علاّية، بكل حركتها الانسيابية، ورشاقتها وخفة ظلها وهي تعكس المعاني الرمزية في شخصيتها.‬

 

أحمد علي البحيري

http://www.alittihad.ae/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.