المسرح الوثائقي الذي نفتقده‏

من المسافة الفاصلة بين عالم الضرورة وعالم الحرية ينبع القانون الأخلاقي‏,‏ حيث تقيم الفضيلة‏..‏ ومن الفجوة القائمة بين ظلمة الجهل ونور الوعي تسير حركة الفكر‏,‏ حيث تكون المعرفة‏..‏ وبالفضيلة والمعرفة معا يصير الإنسان حقا خليفة الله علي الأرض‏..‏

رغم تاريخنا الحضاري الذي راد طريق العالم كله نحو الحضارة والإبداع, إلا أن المشهد الإبداعي, وللأسف, يخلو من أعمال درامية وثائقية تتوازي إبداعيا مع الأحداث الجسام التي مرت بها مصر منذ نهاية النصف الأول من القرن الماضي وحتي اليوم, فلقد مرت علي مصر في هذه الفترة حروب أربعة في أعوام1973,67,56,48, هذا غير الأزمات الاقتصادية التي خلفت نكسة1967, وتلك التي أعقبت ثورة25 يناير, كأثر من آثار فساد نظام المخلوع ورجاله, مرورا بالتخبط في إدارة البلاد, حتي وصلنا إلي الأزمات المتوالية والكارثية في كل مجالات الحياة خلال أسوأ369 يوم عاشتها مصر تحت حكم التنظيم الدولي للإخوان.
ورغم كل ما حدث علي أرض الوطن من ثورات وأزمات وحروب وهزائم وانتصارات, إلا أن كل هذا الزخم لم يكن له صدي علي المشهد الإبداعي إلا فيما ندر بدعوي بعض التنظيرات التي تري ضرورة مرور زمن طويل, وصولا إلي فلترة الأحداث والكتابة عنها بموضوعية, وبالطبع هذا التنظير الذي لا نظير له في المسرح العالمي هو ما جعل الأحداث الجسام التي مرت بها البلاد منذ نهاية النصف الأول من القرن الماضي وحتي اليوم تتسرب إلي وادي النسيان والفقدان.
وكل هذا عكس ما حدث إبان ثورة1919 حيث خرجت أنئذ أعمالا إبداعية شارك فيها الجميع علي أرض الواقع وعلي خشبات المسارح, وهي الثورة التي وضعت الهلال مع الصليب, ووضعت يد جورج أبيض في يد الشيخ سيد درويش, وهي الثورة التي صنعت من الأخير أسطورة لكل الأزمان وفجرت عبقريته الإبداعية.
في أوروبا وخاصة في ألمانيا وثق المبدعون التاريخ السياسي والأحداث الفارقة إبداعيا تحت مسمي المسرح السياسي بكل أشكاله المختلفة: وثائقي, ملحمي, كباريه, صحف حية, لتظل تلك الإبداعات وثيقة للأجيال وكان علي رأس هؤلاء بيسكاتور, بريشت, رولف هوخهوت, هينار كيبارد, جونترجراس, بيتر فايس وغيرهم.
وكانت إبداعاتهم توثيقا فنيا وإبداعيا لتلك الفترات الحاسمة في تاريخ البشرية, من خلال تقنيات تتجاوز كل ما هو متعارف عليه في المسرح التقليدي, فالمسرح مثل الحرباء, يتلون ويتشكل عبر الأحداث التاريخية المتغيرة, ليصبح عصريا مخاطبا ومتصلا بجمهوره, متخليا عن جلبابه القديم, معبرا عن اللحظات التاريخية الراهنة.
وهذه الدراما الوثائقية تستمد مادتها مباشرة من الواقع, أو من التاريخ, ومن الوثائق والتسجيلات والمحاكم ومن الصحف الحية والإعلام وصولا إلي الحقيقة, وتتشكل ملامحها من المباشرة والسينما وتقطيع الأحداث وإعادة تركيبها علي طريقة المونتاج كما تستخدم عناصر تشكيل الدراما الملحمية من الأغاني والرقصات وتركيبة الجملة الموسيقية المضادة, وعدم تسلسل الأحداث زمنيا, والدراما الوثائقية تتخذ موقفا مضادا من الزيف والتسلط, وتكشفهما, وهي تتبني موقف حركة التاريخ والثورة, كما تقف بجوار البسطاء, إنها ببساطة تعيد التاريخ إلي وضعيته الحقيقية لتزيل عنه الزيف والتزييف. إن مادة هذه الدراما تتضمن أحداثا حقيقية وتقارير ووثائق لعرض الحقيقة الواضحة أمام الرأي العام.
إن القيمة الجمالية التي تطرحها هذه الدراما, تختلف تماما عن القيم الجمالية التي تعرفها الدراما التقليدية إنها تخاطب العقل, لكي تجعلك تتخذ موقفا إيجابيا تجاه العالم الذي تعيش فيه عكس ما تطرحه الدراما التقليدية من قيم جمالية استهلاكية, جماليات تستهلك فاعليتك وطاقتك وقدرتك الإيجابية, حتي أنك تخرج من العرض المسرحي, وقد أنهكت كل قواك تماما, مسرعا نحو سريرك, مستمتعا بما رأيت, متأسيا لما عانيت ممن طارت رقابهم بحد السيف, أو ممن دفنت رؤسهم تحت الرمال.
الدراما الوثائقية كما يقول بيتر فايس, هي دراما تقدم البديل عن طريق تفسيرها للحقائق المعقدة, وهي دراما تقف ضد الدراما بمعناها التقليدي, تلك التي لا تقدم غير اليأس والبؤس والأسي.
إن ريشتر يتفق مع بريشت الذي يري’ أنه إذا بدا لنا العالم غريبا, فإن ذلك يضرم فينا الرغبة لتغييره’, فالفن من هذه الوجهة يهدف إلي تغيير الحياة إلي الأفضل, وهو نفس منطق بيتر فايس الذي يري أن الفن يمتلك القدرة علي تغيير الواقع.
إن الدراما الوثائقية تعرض لنا التاريخ, وتلقي عليه الضوء, باعتباره جزء من الحاضر, كما فعل هوخهوت في مسرحية( النائب). وقد تعرض لنا الدراما الوثائقية الأحداث التي تدور حول التعذيب داخل المتعقلات النازية, كما فعل فايس في مسرحية( التحقيق). أو قد تشكل الدراما الوثائقية, وثيقة لإدانة الحروب, كما يحدث في مسرحية( في قلب أمريكا) لناعومي والاس التي حصلت بها علي جائزة( سوزان بلاكبيرن) لعام1994, والمسرحية وثيقة درامية لإدانة الحروب التي لا تهدف إلا للدمار البشري والمعماري, ووالاس تجسد في دراماها موقفها من الحروب الهجمية, كما تصور مآساة الإنسانية كنتيجة لهذه الحروب.
وقد تفضح الدراما الوثائقية حقيقة الاستعمار الذي يتستر وراء الدين, كما حدث في مسرحية بيتر فايس( أغنية غول لوزيتانيا) وفيها يكشف النظام الاستعماري البرتغالي وأثره علي الشعب الأنجولي الذي احتله لخمسة قرون كاملة, والمستعمر هنا يستخدم قناع الدين المسيحي, بمعاونة رجال الدين الذين هم أبعد ما يكونون عن الدين, وهذا نفس ما فعله التنظيم الإخواني في مصر.
وللأسف فإن ما قدم من أعمال إبداعية للأحداث الجسام التي مر بها الوطن, لا يتوازي في النهاية مع طبيعة المشهد السياسي التاريخي في اللحظات الفارقة التي تمر بها بلادنا, لندرة هذه الأعمال أو لعدم وجودها أصلا إلا فيما ندر وبشكل استثنائي, وما أحوجنا كما يحدث في العالم كله إلي حركة إبداعية حقيقية تواكب حركة التاريخ السياسية وتوثق فنيا المشهد السياسي إبداعيا, ليكون وثيقة درامية للأجيال التي لم تعاصر هذا الزمان بكل ما يشكل حركته التاريخية ويوثقها إبداعيا.

 

 

 

 

http://www.ahram.org.eg

 

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.