أخبار عاجلة

“شكسبير” انتقل من الشرق للغرب و”شوقي” أغفل أنطونيو

انتقلت الرغبة الدينية والعقائدية من قبل رجال الكنيسة في إقامة ذلك المسرح الشعري الذي اتخذ مكانة كبيرة من حياة الإغريق، حيث كانت فئات الشعب من الطبقات غير الارستقراطية حينذاك أمية لا تقرأ، ففكر رجال الكنيسة في تقريب قصص التوراة لأذهانهم بوضعها في صور تمثيلية.

 

 

“تمثيل المعجزات”.. الحاجة الأوروبية للمسرح الديني

هنا بدأ ما يسمى في تاريخ الأدب بـ”تمثيل المعجزات”، فقد قدم ذلك المسرح قصة قاتل هابيل، ومولد المسيح وصلبه، وإقدام إبراهيم على ذبح ولده، وطوفان نوح، ويوم الحساب، وأنباء القديسين المسيحيين، وما إلى ذلك من قصص الأنبياء ومعجزاتهم.

لقد طاف ذلك المسرح الشعري بمعجزاته، نهاية القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر، العديد من دول أوروبا خاصة إنجلترا وفرنسا، كامتداد وحاجة طبيعية للمسرح الإغريقي الديني، ولعل الفارق كبير ما بين وثنية الإغريق، وسماوية أوروبا.

ثم اتجهت المسرحية الشعرية الأوروبية، إلى إدخال شيء من الأخلاق، كالعدل والسلام والصدق والكذب، إلى موضوع هذه المسرحيات الدينية، وحتى استقلت تلك “المسرحية الخلقية”، عن مسرحية المعجزة، بعد انتشار القراءة، فقد استطاع الناس أن يقرءوا التوراة بأنفسهم، ولم يعودوا في حاجة إلى تمثيل أي من قصصها لهم، ولم تمثل المسرحية الخلقية إلا درسًا في الأخلاق، يعطى على أيدي ممثلين بالقول والعمل، حيث يمثلون أشياء معنوية كالخطيئة والعدل والصدق والكذب والذكاء والغباوة، التي استمرت حتى أوائل القرن السابع عشر، حتى أخذ الناس يملّون النصائح والمواعظ الخلقية، ويطلبون معالجة مشكلات الحياة برؤية شخصيات مألوفة، تجسد هذه المشكلات، وتبحث من خلال الصراع بينها عن الحلول الممكنة.

وعلى الرغم من نشأة نوع جديد من المسرحيات في القرن السادس عشر، لكنه كان يمثل في حفلات الطبقات العليا ومآدبها، ليملئوا به الفراغ بين مرحلتين من مراحل الحفل، ولتقديم التسلية للحاضرين، وإدخال المسرة على قلوبهم، وقد سمي بمسرح “رواية الفترة”، وفيه المسرحية قصيرة، ومليئة بأسباب المرح.

مسرح شعري حقيقي من شكسبير إلى إليوت

حتى أنشأ أول مسرح حقيقي مستقل بذاته عام 1576، على مقربة من لندن، ونهض المسرح الإنجليزي بعد ذلك نهضته العظيمة على يد شكسبير “1564 – 1616″، وبقي كذلك بشكل واضح في عصر ازدهاره في إنجلترا، أي في أواخر القرن السادس عشر الميلادي، كذلك في فرنسا طوال القرن السابع عشر الميلادي، وفي كلتا الحالتين كان المسرح يكتب شعرًا مقفى في فرنسا ومرسلًا في إنجلترا، ثم اتجهت فرنسا إلى الكتابة النثرية، إلا أنه في النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، عاد الاهتمام من جديد في فرنسا بالمسرح الشعري، كما فعل الشاعر الفرنسي “تيودردي بانفيل” في مسرحيته جرنجوار، والعصر الذهبي للمسرح الشعري في فرنسا كان من 1890 إلى 1910، ويمكن وصف “إدموند روستان” أنه كان عملاق ذلك العصر، خاصة في مأساته الشعرية “سيرانودي برجراك 1897، والنسر الصغير 1900”.

وفي إنجلترا، بعث “ت. س. إليوت” المسرح الشعري بعثًا جديدًا بكتابته لمسرحية الصخرة 1934، وقد كتب هذه المسرحية لغرض خيري، وهو جمع التبرعات لبناء بعض الكنائس مستوحيًا أساليب المأساة اليونانية القديمة، وقد حاول في مسرحياته الأخرى أن يجمع بين الشعر، وروح المأساة اليونانية.

أمير الشعراء أكثر المتأثرين بالمسرح الغربي

بدأ المسرح العربي باستقبال طرودًا خاصة، من تلاميذه في البعثات الأوروبية، عنوا بالترجمة من المسرح الغربي إلى العربية.

ومن أهم هؤلاء الذين تأثروا بالمسرح الغربي تأثرًا كبيرًا، كان أحمد شوقي أثناء بعثته إلى فرنسا، وفي منفاه بإسبانيا، وجاء بعد شوقي الشاعر عزيز أباظة الذي اتخذ شوقي إمامًا له، ثم تجربة الشاعر علي أحمد باكثير، والشاعر صلاح عبد الصبور، فصور مأساة الحلاج، وليلى والمجنون، وغيرهم ممن سنتناولهم بموضوعاتنا القادمة؛ لكن أشهرهم في التأثر البالغ بالمسرح الشعري، وخاصةً مسرح شكسبير وراسين، فقد كان أحمد شوقي.

حتى أنه اهتم كثيرًا بالمقارنة ما بين الوطن العربي والحضارة الغربية، ففي نهاية القرن التاسع عشر، وقد كان يدرس في فرنسا، التي نظم فيها قصيدته النونية، التي أهداها إلى صديقه إسماعيل رأفت، وقدمها بخطاب جاء فيه: “صديقي المحترم، صدرت عن باريس وكأنها بابل ذات البرج والجسر، وهي في دولتها، أو طيبة في الزمن الأول، إلًا أنها مدينة الشمس، وباريس مدينة النور، أو روما مقر القياصرة، ومزدحم الأجناس والعناصر، وهي في رفعة ملكها الفاخر، تموج بالأمم كالبحر الزاخر، أو الإسكندرية ذات المسلة، وهي في ذروة سعدها وأوج كمالها، تغير الشمس في سرير مجدها بجلالتها وجمالها، أو بغداد إبان إقبالها وسلطان إقبالها وأعين أمرها وأسعد حالتها”.

كما يقول محمد مندور عن التأثر في مسرحية كليوباترا لشوقي: من الواضح أن شوقي اعتمد في كتابة مسرحيته على ثلاثة مصادر، هي التاريخ، ومسرحية أنطونيو وكليوباترا لشكسبير، الذي يرى أن شوقي قرأها بالترجمة الفرنسية، ومشاعر شوقي الشخصية؛ وكذلك محمد غنيمي هلال الذي عدّد مصادر التأثير في نفس المسرحية لشوقي، جاعلًا شكسبير أهم مصدر للتأثير.

فضلاً عن قصيدة شوقي الشهيرة التي كتبها تحت عنوان “في ذكرى شكسبير”، بالإضافة إلى نظمه مقطوعات غنائية، وضعت في مسرحية هاملت التي عرضت في مصر في عهده.

كليوباترا.. ما بين أقلام الغربيين وشوقي

الجدير بالذكر أن موضوع كليوباترا من الموضوعات، التي تداولتها أقلام كتاب المسرح منذ عصر النهضة الأوربية حتى القرن العشرين، ففي الأدب الفرنسي نعثر على سلسة من المسرحيات التي تتناول بعض نواحي الشخصية الأسطورية، وذلك من “جودل” في بداية عصر النهضة إلى “فيكتوريان ساردو” أوائل القرن العشرين، وفي إنجلترا من شكسبير إلى برناردوشو في العصر الحديث، بل تناولها الموسيقيون مؤلفو الأوبرا، ولعل أوبرا “مسينه” التي ألفت سنة 1919 أفضل ما لحن لتلك الشخصية .

ويؤكد “ناتان ألترمان” في ترجمته لمسرحية شكسبير أن الأخير استمد مادته في هذه المسرحية، من كتاب بلوتارخوس عن النسخة المترجمة بالإنجليزية، والتي قام بترجمتها “توماس نورث”، وصدرت أول مرة عام 1597، كما أن شكسبير نقل مقطوعات كاملة من هذه الترجمة الإنجليزية، لاسيما في الفصل الخاص بمارك أنطونيو.

وعن معرفة شوقي ببلوتارخوس فمؤكدة هي الأخرى، ورغم أن مندور يرى بأن مصدر شوقي في مصرع كليوباترا هو “مسبيرو” عالم المصريات، فإن شوقي نفسه يجعل بلوتارخوس العمدة في مثل هذا التاريخ، حيث يقول شوقي في النظرات التحليلية التي تأتي في ذيل مسرحية مصرع كليوباترا: “ظهرت حية النيل العجوز -كما نعتوها- في هذا التاريخ وعمدته بلوتارخوس”.

شخصيات شوقي لم تعط بعدًا تاريخيًا كشكسبير

والحق أن تأثر شوقي بشكسبير في المادة المسرحية كان تأثرًا إيجابيًا، ولكنه اختلف عنه تمامًا في تصوير الشخصيات، خاصة شخصية كليوباترا، وذلك يمكن تفسيره أن هدفه كان معاكسًا لهدف شكسبير، ففي حين كان اتجاه شكسبير التاريخي يقع ضمن الغرض الفني بالرغبة في إعطاء التاريخ عمقًا آخر،  كان اتجاه شوقي غير محدد، فجاء تصويره لشخصياته باهتًا، فليس هنالك بطولة منقسمة بين أنطونيو وكليوباترا، كما عند شكسبير، فتجد شخصية كليوباترا تحظى بالحضور الدائم كمًّا وكيفًا، هذا في حين تبدو شخصية أنطونيو ضعيفة جدًا في المسرحية.

كما أننا نجد شكسبير يستغل حادثة زواج أنطونيو من أكتافيا، خصم أنطونيو اللدود، ويتخذ من هذا الزواج سببًا من أسباب إشعال نيران الحرب بين القائدين الرومانيين، وسببًا لتحريك عنصر الغيرة في نفس كليوباترا، كما كان سببًا لتحريك حفيظة أكتافيوس ضد أنطونيو وكليوباترا، انتقامًا لأخته المهجورة.

ولا يجد شكسبير حرجًا في أن ينقل مكان المسرحية من الشرق إلى الغرب، ومن الإسكندرية إلى روما وصقلية وبلاد اليونان، تبعًا لانتقال الأحداث بعد وفاة زوجة أنطونيو الأولى، وسفره من مصر إلى إيطاليا.

بينما يغفل شوقي هذه الحادثة التاريخية وما يتبعها من أحداث مهمة، ولعله أراد أن يجاري في ذلك الكلاسيكيين الفرنسيين، الذين يحرصون على مشاركة الواقع في حدود تمثيل المسرحية لقطاع محدد من الحياة، ولذلك ينفرون من أن يجمعوا في المسرحية الواحدة بين الشرق والغرب، وبين أطراف الزمان والمكان، كما اكتفى بأن تجري مسرحيته حول الحوادث، التي وقعت في أكتيوم الإسكندرية بعد عودة أنطونيو، بل استعاض بالقصص عن المشاهدة على نحو ما يفعل الكلاسيكيون.

فنجده يكتفي بوصف معركة أكتيوم الحربية ومعارك الإسكندرية البرية، وهذا الوصف ليس جديدًا في الفن المسرحي، وله نظـائر عند الكتاب الكلاسيكيين، كراسين وغيره.

 

كتب: أحمد نبيل خضر

 

http://dostor.org

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.