مهرجان بغداد للمسرح

شهد المسرح العراقي في السبعينات أوج ازدهاره، وكان هناك معاهد وكليات تعد الفنانيين المثقفين الذين يدركون قيمة المسرح، وكانت هناك أسماء كبيرة تقف على

خشبته تأليفا وتمثيلا واخراجا، فنانون مثل يوسف العاني وسامي عبدالحميد وجاسم العبودي وبدري حسون فريد وقاسم محمد، وعشرات من الفنانيين الذين غادر معظمهم إلى دول أجنبية وعربية يدرسون هذا الفن الجميل والعودة لينضموا إلى المسرح العراقي، يقدمون أعمالهم وفق المدارس الفنية المتعددة، فاجتمعت معظم التجارب المسرحية، ولم يعرف عن المسرح العراقي غير الجدية فيما يقدم والبعد عن الإسفاف والتهريج، فحقق حضورا لافتا في المهرجانات المسرحية العربية والعالمية.

 

ومع اندلاع الحرب في الثمانينات بين العراق وإيران ظل لفترة يحافظ على قيم هذا الفن الذي بدا يتحول شيئا فشيئا إلى مسرح موجه، ومع انقضاء الحرب وبداية الحصار الجائر، غابت بعض الأسماء المهمة بين الرحيل والهجرة بحثا عن للعمل خارج العراق، فظهر نوع من المسرح الغريب على الثقافة العراقية، هو المسرح التجاري، أي البحث عما يستهوي الجمهور، بعد أن كان المسرح مدرسة ومكانا ثقافيا يرتاده الناس للمتعة والفائدة، بل إن هناك تقاليد في المسرح العراقي قد لا تجدها في غيره، وهي احترام خشبة المسرح وعدم الترحيب بالفنان عند دخوله حتى لا يقطع توهج الفنان وألقه، وإنما يكون التصفيق في نهاية العمل فقط.

بعد 2003 غاب المسرح العراقي في فوضى عمت كل شيء وتعثر العطاء، ولم يعد في أولويات القائمين على الثقافة بالعراق الاهتمام بالمسرح، ولأن الثقافة العراقية عميقة وراسخة الجذور بقيت هناك محاولات بسيطة هنا وهناك لبعث المسرح من جديد غير أنها محاولات لا ترقى إلى قيمة هذا الفن الجميل والإرث الذي يحمله المسرح العراقي.

أواخر أكتوبر المنصرم كان مهرجان بغداد المسرحي الدولي بمشاركة فرق عربية وأجنبية في إطار احتفالية بغداد عاصمة للثقافة العربية عام 2013، بغية إعادة الروح للحركة المسرحية العراقية، وإعادة مد الجسور مع الأشقاء العرب والأصدقاء، فكانت هناك وفود من مصر وسورية ودول عربية أخرى، كذلك فرق أجنبية من أسبانيا وفرنسا، فضلا عن الفرق المسرحية العراقية وهي كثيرة وتضم أجيالا متعاقبة من المسرحيين.

إن هذا المهرجان الذي يسعى إلى إعادة حضور المسرح العراقي إلى الواجهة، في بلد يسقط فيه كل يوم قرابة 200 ضحية بين قتيل وجريح، إنما هو محاولة للتشبث بالحياة، ورغبة في القول وبصوت عال أن الحياة يجب أن تعاش وأن بلداننا يجب أن تنمو وتزدهر مثل جميع خلق الله.

 

د.باسم عبود

http://www.al-sharq.com/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.