مسرحية «النبي».. يوم واحد من أيام الثورة المصرية

تستغل مسرحية «النبي»، والتي ألفها الكاتب العراقي حسن عبد الرزاق وعرضت مؤخرا على خشبة المسرح في لندن، مشهد الثورة المصرية؛ تتخذه في الغالب كخلفية لقصة زوجين. المسرحية مليئة بالعواطف الجياشة،

ويحسب لها أنها خرجت بشكل جيد وتصميم ذكي للغاية، إلا أن خط الأحداث جاء مفككا إلى حد ما. وفي ظل المناخ السائد في الوقت الراهن، حيث تحاول كافة أنواع الفنون الاستجابة لثورات الربيع العربي المستمرة، هناك سؤال هام يشغل بال الفنانين والجمهور في آن واحد: ما مدى ملاءمة مثل هذا العمل في ظل الأحداث السياسية الجارية؟

 

تأخذنا المسرحية إلى يوم واحد من أيام الثورة المصرية التي اندلعت في شهر يناير (كانون الثاني) عام 2011 من خلال مستويين. ففي المستوى الأعلى، هناك قصة لزوجين، ليلى (التي تلعب شخصيتها ساشا بيهار) وهشام (الذي يلعب شخصيته نتزان شارون)، والشيء الوحيد الذي يجعل النقاط السياسية وثيقة الصلة بقصتهما هي المونولوجات التي تؤديها شخصية ليلى، اعتمادا على شهادات واقعية لعدد من الأشخاص الذين التقى بهم مخرج المسرحية كريستوفر هايدين.

تجمع الزوجين علاقات متوترة للغاية، حيث يعمل هشام كاتبا، ولكن قلمه قد عانده في الفترة الأخيرة ولم يستطع الكتابة، بينما تعمل ليلى مهندسة ولها أفكار سياسية جريئة. وضعت ليلى في بعض المواقف التي تتعارض مع مثاليتها السياسية، حيث إنها تعمل في شركة «فودافون» للاتصالات، ولكنها متورطة بشكل مباشر في قطع الاتصالات الهاتفية في البلاد، في الوقت الذي كان فيه استمرار عمل هذه الشبكات أمرا شديد الأهمية.

يعد زواج هشام وليلى فاترا نوعا ما، حيث أصبح هشام غير قادر على الكتابة أو حتى أن يكون صادقا مع زوجته نتيجة تلك الخطيئة التي ارتكبها، والتي احتفظ بها سرا طيلة أعوام طويلة. وعلى الرغم من صعوبة التعامل بين الزوجين، فإنهما يعبران عن حالة القمع المنتشر في المجتمع المصري المتعطش لنيل حريته. وتحاول المسرحية استغلال الظروف المحيطة ببعض العلاقات الشخصية كنوع من الإسقاط على الأحوال الوطنية الأوسع.

تقوم بيهار بأداء مونولوجات قوية للغاية وبعواطف جياشة، حيث تتحدث إلى الجمهور حول الوحدة بين الشعب المصري وطبقاته المتعددة، مما يبرز حالة البهجة الناتجة عن الأحداث التي تقع في التحرير. ولكن هذه المشاعر تظل ثانوية طيلة المسرحية، حيث إن صور شوارع القاهرة التي تم وضعها في الخلفية تخلق أحساسا من الواقعية للكلمات التي تخرج من فمها، ولكنها تبدو بشكل أقل بروزا.

ولكن الشيء الذي تم تقديمه للجمهور بصورة أوضح هو قصة الزوجين، فهل تهرب بيهار مع رئيسها في العمل الذي ما زال يدعوها للهرب معه؟ وهل يتخلص هشام من عجزه عن الكتابة، وهل يستجيب لرغبة زوجته في إنجاب طفل؟ وبما أن هذه هي النقاط الرئيسية للمسرحية، فإن العلاقة بينها وبين الأحداث السياسية تبدو هزيلة ومتناثرة، ويبدو أن «خلفية» الثورة تبدو أكثر من مجرد خلفية عادية.

والآن، ومع محاولة العديد من الأعمال المبدعة أن تفهم الأحداث السياسية الجارية وتوثق التغيرات التي تحدث وتتخيل شكل المستقبل في الفترة المقبلة، فربما لم يحن الوقت بعد لاستخدام الثورة كمجرد خلفية للحديث عن قصة زوجين. وكان من الممكن أن يتم استخدام الأبحاث التي جمعها مخرج وكاتب المسرحية بشكل أفضل، لو تم التركيز على السلطة السياسية التي ظهرت في المسرحية بدور ثانوي، ولكن للأسف تم دفن هذه السلطة السياسية في تلك الدراما الرومانسية التي فشلت في أن تكون وثيقة الصلة بالموضوع، على الأقل في الوقت الراهن.

وحتى الآن، ظهر عدد كبير من الأفلام المصرية التي تتخيل بعض السيناريوهات لمواطنين مصريين تم إلقاء القبض عليهم في خضم أحداث الثورة المصرية، حيث يعرض الفيلم المصري «18 يوم» عشر قصص مختلفة، مثل الرجل الذي يتم استخدام صالون الحلاقة الخاص به كعيادة متنقلة للأشخاص الذين أصيبوا في الميدان، والفتاة التي يطؤها الناس بالأقدام لأنها كانت تبيع الشاي في الوقت والمكان الخطأ، بالإضافة إلى الزوجين اللذين تدفعهما ظروفهما الاقتصادية السيئة إلى قيام الزوج بالمشاركة في موقعة الجمل المروعة للحصول على بعض الأموال.

هناك أيضا فيلم «التحرير 2011: الطيب والشرس والسياسي»، والمبني بالكامل على لقاءات مع بعض الناس، يقدم قصة أحد الأشخاص العاديين من خلال الحكايات التي يرويها بعض الأشخاص الذين شاركوا في الثورة عن ذكرياتهم حول ما جرى في تلك الأيام. تعالج هذه الأفلام، والتي قام آخرها بالتوقف عن تقديم الأسلوب الخيالي وتبني النهج الواقعي، القضايا المباشرة المرتبطة بالأرواح التي أزهقت في الثورة والأسئلة التي أثارها الأشخاص المشاركون فيها، بما يلقي الضوء على ما حدث هناك ولماذا. تتناسب العلاقة بين الحياة الشخصية والحوادث العامة بصورة كبيرة في هذا العمل.

 

بواسطة لندن: شيماء بوعلي | الشرق الأوسط

http://aawsat.com

 


عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.