«دراما الشحــاذين».. مهمّشون يحلمون بـ «فتـات كل شيء»

استضاف مسرح ندوة الثقافة والعلوم، مساء أول من أمس، عرض مسرحية «دراما الشحاذين» لمسرح بني ياس، في أول العروض التي تتنافس في جوائز الدورة السابعة

لمهرجان دبي لمسرح الشباب، ضمن المسابقة الرسمية، بعد أن كان المهرجان استهل عروضه السبت بمسرحية مستضافة هي «باب البراحة»، ضمن رؤية إخراجية جديدة شهدت مشاركة ممثلين من فئة ذوي الإعاقة.

ولفت عنوان العمل منذ الكشف عن اسماء الأعمال التي اختارتها لجنة المشاهدة أنظار المهتمين بإبداعات الشباب المسرحية، فالمحتوى كما يمكن فهمه عبر مدلول العنوان لا يدور حول البيئات التقليدية التي انحاز إليها الشباب في الدورات السابقة، أو حتى يبدو مرتبطاً بشكل مباشر بقضية آنية.

وعبر نص للكويتي بدر محارب، سعى الشاب الإماراتي حميد المهري إلى أن يغوص في آلام وأحلام المهمشين، طارحاً خلفه تجارب مشاركات سابقة على الخشبة نفسها، محاولاً الاستفادة من تجارب سابقة له على الخشبة ذاتها، وهو ما انعكس في حذر المهري وسعيه بشكل أكبر إلى تجنب النقد الفني الذي كان قاسياً عليه بشكل ملحوظ في إحداها، وهو أمر لابد أن الفنان محمد صالح الذي أشرف على العمل لعب دوراً رئيساً فيه.

ومنذ الوهلة الأولى وضعت «دراما الشحاذين» التي تعد عملياً أول اختبار لقرار إلزام النصوص المشاركة باللغة العربية الفصحى الجمهور في سياق أزمتها، واجتهد المهري في أن ينسج خيوط هذا الوصال عبر أكثر من محور، أهمها تقليص المساحة الشاسعة للخشبة عبر اختزال طرفيها يمينا ويسارا، واستدراج الممثلين إلى مقدمتها، ما يعني اقترابهم من مقاعد الجمهور في القاعة.

جوقة مسرحية موشحة بأردية ملونة، تتراقص بأداء غير مفهوم، قد يتوسم متابعها بأنها رقصات حالمة، سرعان ما تستحيل إلى مستوحشة عبر أصوات منفرة، وخطوات تستبدل الرقة بالقسوة، قبل أن تسقط الأقنعة، ويكشف الحوار بأن هنا مجموعة من المهمشين المعدمين، الذين يبحثون عن «فتات» كل شيء، بدءاً من الخبز، مروراً بالأحلام التي لا يتجاوز أكبرها حق العيش في سلام مع الذات، إن لم يتحقق مع الآخرين.

إضاءة شديدة الخفوت، تقترب في كثير من خياراتها إلى الإظلام، خيار قد يتماشى مع واقع الطبقة التي يغوص فيها العمل، في حين جاءت اللحظات الأكثر حسماً في مسيرات شخوصها مضاءة، عبر مصابيح صغيرة حملها شخوص الجوقة والممثلون أنفسهم، وربما كان انعكاس ضوء المصابيح الصغيرة المزعج لأعين الجمهور مقصوداً لإحداث نوع من الصدمة، والمشاركة المعنوية للمتلقي لجزء من المتاعب الحقيقية لشخصياته.

الإحالة إلى «الأنا» المسرحية كان حاضراً، ولافتاً للمرة الثانية في اعمال الشباب، بعد مسرحية «المسرحية» التي شاركت في دورة سابقة واستدعت أحلام عامل في المسرح لأن يصبح نجماً مشهوراً، لكن العمل هنا استدعى المسرح ذاته للولوج إلى عالم المهمشين من أبنائه، فبين ثلة «الشحاذين» فتى يكشف عن حقيقته بنزعه «باروكة شعر»، بعد أن عاش بينهم متأثراً بأمه التي رحلت، وتركته في كواليسه يواجه قسوة الواقع بعيداً عن الخشبة.

حلم المهمشين في مكان يؤويهم لم يتحقق بعد أن ظلوا يستغلون مبنى المسرح لإيوائهم ليلاً، كما أن حلمهم في الأمان أيضاً لم يتحقق، بعد أن شعروا باقتراب رجل شرطة من محيطهم، لكن الأكثر دلالة هو أن أمانهم الذاتي أيضاً لم يتحقق، بعد أن انقلبوا هم أنفسهم على ذواتهم، ليشيعوا واحداً منهم قتل بـ«سلاح صديقه»، على مرأى من رجل الشرطة الذي جاء بمثابة معادل موضوعي للمجتمع، وصمته على معاناتهم، لدرجة أنه تقبلها واعتبرها في سياق «طبيعي» لمشهد تمثيلي بارع، في مؤشر إلى أن معاناة سائر المهمشين هي بمثابة دراما لمشاهد «واقعية» متكررة.

العمل الذي شارك في تمثيله كل من عبدالله الحمادي وزايد النعيمي وحسن بلهون وعبدالله بن حيدر وعمر الغساني، شهد مشاركة نسائية متميزة لميرة علي التي يمكن أن تنافس في جائزة أفضل دور ثان، وهو أمر سيكشف عنه بطبيعة الحال مستوى أداء الممثلات في الأعمال الأربع المقبلة المشاركة في المسابقة الرسمية.

ورغم الجدية الملحوظة للمحتوى، والنضج الواضح في تجربة المهري، وسعيه إلى الاستفادة من محاولاته السابقة بشكل لافت، فإن بعض القرارات الفاصلة سواء في الإخراج أو السينوغرافيا ظلت بحاجة إلى تفسير، منها هذه المبالغة الشديدة في بهرجة الألوان، في عمل يغوص في آلام وأحلام مهمشين، لدرجة أننا شعرنا بأن حالة المسرح التي انتشرت فيها ملابس الجوقة المبعثرة موحية عبر الألوان المتعددة بالتنوع والتفاؤل، أكثر من كونها دالة على تبعثر أحلام «الشحاذين»، لكن ربما كان المبرر الدرامي هنا هو أننا في واقع افتراضي لمكان هو بالأساس مسرح يستغلونه للمبيت ليلاً.

فكرة وجود حلول جاهزة أيضاً كانت واضحة في خيارات المهري، منها تلك الصورة الكاريكاتورية لفتى يعلن عن نفسه بأنه فتاة، من خلال باروكة شعر مستعارة، وتغيير إشارات حركاته الجسدية، ما وصل بتلك المشاهد إلى النمطية، في حين أنه كان من الممكن أن تكون لحظة الكشف ذاتها بمثابة مفاجأة للجمهور، أو على الأقل الابتعاد عن تسطيح الأداء في هذه الشخصية المحورية.

تواصل الجمهور مع العرض بدا واضحاً في المرحلة الثانية من العمل أكثر من الأولى، إن جاز التقسيم، بسبب مشكلات في مخارج حروف الممثلين، وانخفاض أصواتهم، الأمر الذي خفّ تدريجياً مع تلاشي رهبة البداية، بعد أن كادت تلك المعضلة تخرج المشاهد تماماً عن سياق الحدث الدرامي، ليبقى العمل بمثابة إضافة مهمة في مسيرة مخرج رفض الاستسلام لإحباطات التجربة الأولى، وسعى بجدية لتلمس أدواته.

 

المصدر:

    محمد عبدالمقصود – دبي

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.