أخبار عاجلة

لينا خوري تفكّك لعبة القمع والجنون

الحقيقة أم الحرية؟ إشكاليّة يطرحها «مجنون يحكي» المستوحى بتصرُّف من نص للكاتب البريطاني طوم ستوبارد من إخراج لينا خوري، مع أوركسترا من 16 عازفاً (موسيقى

 

أسامة الخطيب) سيعزفون موسيقى حية داخل دماغ المريض المصاب بالشيزوفرينيا (غبريال يمّين) في مستشفى للأمراض العقلية! تشاركه الغرفة أو الزنزانة ناهدة نون (ندى بوفرحات) الناشطة التي اعتقلت في المستشفى بسبب كتابتها مقالاً يصف أساليب القمع التي يستخدمها النظام بحق الناشطين في البلدان العربية.

مهمة الطبيب النفسي (زياد الرحباني) ستكون محاولة إقناعها بأنّها مصابة بمرض عقلي وأنّ اعترافها بذلك هو المفتاح الوحيد الذي يخرجها حرة طليقة من المستشفى الذي يرأسه الكولونيل (إيلي كمال). لكن في اعترافها بجنونها طعنٌ بصدقية المقال أمام العالم. كما يمارس عليها قمع جندري عبر محاولة إقناعها بأنّها رجل يتوهّم بأنّه امرأة، ما يفقدها حتى هويتها الجنسية.
«مجنون يحكي» الذي تنطلق عروضه هذا المساء على خشبة «مسرح المدينة» اقتبست لينا خوري موضوعه لتضعه في سياق الأوضاع السياسية الراهنة في العالم العربي من قمع للحريات وتفنّن في أساليب التعذيب النفسي والجسدي. كان النص الأساسي المكتوب منذ حوالى 36 عاماً، ينتقد أساليب التعامل مع النشاط السياسي المناهض للحكومة السوفياتية، وسجن الناشطين داخل المشافي العقلية لمعاقبتهم والضغط عليهم. من هنا، نستحضر إشكالية أخرى حول الطب النفسي عبر التاريخ كسلطة اجتماعية وسياسية. ولّدت الإشكالية انتقادات من بعض اختصاصيي علم النفس، أشهرهم الهنغاري توماس ساس (1920ــ 2012) الذي أكّد أنّ الطب النفسي يتمتع حتى الآن بسياسة سلطوية على المريض لأنه يلزمه بما يراه مناسباً. كما أشار الى الاستخدام الخاطئ لمصطلح «المرض» النفسي بقوله: «ليس هناك من أمراض نفسية، هناك سلوك لا يوافق عليه الطبيب النفسي، فيسمّيه مرضاً نفسياً. تظهر تلك الإشكالية في العرض من خلال السلطة السياسية التي يستخدمها الطبيب النفسي (زياد الرحباني) في محاولة إقناع «المجنون» الذي يسمع موسيقى في رأسه بأنّه «ما في أوركسترا»، وأنه طالما لا يعترف بذلك، فهو لن يخرج من المستشفى. لكننا نرى الإشكالية بشكل أعمق حين يحاول الطبيب إقناع الناشطة بأنّها رجل، ومصابة بـ«مرض» عقلي ملصقاً بها تشخيص «بارانويد شيزوفرينيا»، رغم أنّها لا تعاني من أي اضطراب نفسي.
في الطرف الآخر من الخشبة، مكان وظيفته توازي وظيفة عيادة الطبيب النفسي من حيث القمع وهي المدرسة التي ترتادها نونو (ألين سلوم) ابنة الناشطة المعتقلة التي تتعرض لأقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي الذي قد يعانيه طفل في المدرسة وهو قمع المعلمة (أندريه ناكوزي). ترمز الأخيرة الى وجه آخر من أوجه النظام في محاولة غسل أدمغة الجيل الجديد. تغدو المدرسة مكاناً مصغراً عن السجن تُضخّ فيه المعلومات اللازمة للحفاظ على استمرار النظام، ما قد يعود بنا الى نظريات الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926ــ 1984) في استخدام المستشفيات والمدارس كآليات مراقبة وانضباط تخدم الأشكال الاقتصادية والسياسية في العصر الحديث.
من مكان قمعي إلى آخر، تقسم خوري خشبة المسرح الى أربعة فضاءات مفتوحة بعضها على بعض، ترسم حدودها بخفة سلاسل حديدية توحي بالسجن وبوسائل التعذيب. تحتل الجزء الأكبر من الخشبة الأوركسترا التي تعزف في رأس المجنون. ولعل الموسيقى تعدّ من أقوى العناصر المسرحية التي كان من الممكن أن تحمّل بمساحة فعل أكبر من ذلك من قبل خوري، لأنها لا ترمز الى جنون المريض فحسب، بل إلى جنون الموقف أيضاً. الطبيب النفسي هو عازف في أوركسترا، الأمر الذي يختلط على المُشاهد، فتضيع الحدود بين الجنون الحقيقي، وجنون النظام، والجنون المفروض على الناشطة السياسية حتى يطال عنوان «مجنون يحكي» كل الشخصيات. ولعل الأوركسترا بحد ذاتها كانت مجنونة بسبب غياب المايسترو عنها، فنادراً ما نرى أوركسترا تعزف بهذه الدقة من دون مايسترو. بالنسبة إلى مؤلف الموسيقى أسامة الخطيب الذي حضرت موسيقاه بشكل لامع «لم تكن الصعوبة فقط في تصوير قراءة للنص من وجهة نظر موسيقية، بل التحدي الأكبر كان في التنفيذ الموسيقي من دون مايسترو». لا يستطيع المشاهد عندما يرى الأوركسترا تعزف في الخلف، بينما زياد يجلس على يسار الخشبة، إلا أن يربط هذه الصورة بزياد الموسيقي مع فرقته حين يكون جالساً في حفلاته على الكرسي وأمامه البيانو، بينما هنا أمامه طاولة الطبيب. تحمل هذه الصورة البسيطة مخزوناً مرئياً لطالما أحببناه. لكنّه الآن لا يدير أيّاً من حوله ولا يعزف على مفاتيح البيانو، بل يعزف على طاولة ملفات جنون الأمة بنظامها وشعبها وحكامها في مغامرة مجنونة تمثيلاً على خشبة المسرح البيروتي لعلها ستثير الكثير والكثير من الجدل.

 

«مجنون يحكي»: 20:30 مساء كل خميس وجمعة وسبت وأحد حتى 17 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ «مسرح المدينة» (الحمرا ـــ، بيروت) ـــ للحجز: 01/999666

 

خلود ناصر

http://www.al-akhbar.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *