أخبار عاجلة

صلاح عبدالصبور .. تجربة الحزن والعشق والطموح الإنساني

مازلنا نذكر رحلة حياة الشاعر صلاح عبد الصبور (1931-1980) في مدينة الزقازيق، حيث نشأ وتفتح وعيه على واقع حياة الفلاحين وهمومهم واكتسب طيبتهم وحزنهم، ما

 

طبعه بإحساس مرهف وجد صداه في روايات مصطفى لطفي المنفلوطي التي سيطرت عليه، حتى تعرف إلى كتب جبران خليل جبران، وبكى مع أبطال “الأجنحة المتكسرة” و”الأرواح المتمردة”، ثم قرأ ميخائيل نعيمة، ومنه انتقل إلى “نيتشه” وكتابه “هكذا تكلم زرادشت” الذي تأثر به كثيرًا، وقال عن كُتَّابه المفضلين: “هؤلاء هم فلاسفة الروح الذين تصطبغ فلسفتهم بالشعر ويغمسون قلمهم في دماء القلب”.

وعندما انتقل إلى القاهرة لاحظ أن الحزن يفترش الطريق فيها أيضًا، فتوصل إلى أن الحزن حقيقة تقبع في أغوار النفس البشرية حتى وإن لم تظهر بشكل دائم، حتى تخرج عام 1951 في قسم اللغة العربية جامعة القاهرة. وعمل بعد تخرجه في الصحافة والسياسة الأدبية، حيث أمضى في مجلة “روز اليوسف” عشر سنوات هي التي أعقبت ثورة 23 يوليو 1952، وقد دلَّت كتاباته وقتها على اهتمام بالغ بقضية التجديد الأدبي والشعري، وعلى وطنية مصرية واضحة بنزعتها العربية.

بدأ صلاح عبد الصبور نظم الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره، وكان يكتبه على دفاتره المدرسية، وبعد وصوله القاهرة بسنتين، توقف صلاح عبد الصبور عن الكتابة منصرفًا إلى قراءة الشعر، وتعرف في تلك الفترة إلى زملاء في الجامعة قدموا له أعمالًا للشاعر الإنجليزي توماس إليوت، وتناقش معهم حول المدارس الشعرية، وبدأ يتعرف إلى أعمال الشعراء “أندريه بروتون”، و”بودلير”، و”فاليري”، و”ريلكه” وغيرهم.

• القصة القصيرة

بعدما حاول عبد الصبور كتابة القصة القصيرة، عاد إلى كتابة الشعر مرة أخرى، ابتداءً من العام 1951، ونشر أول ديوان له بعنوان: “الناس في بلادي” في العام 1957، ثم اتبعه بدواوين: “أقول لكم” في العام 1961، و”أحلام الفارس القديم” في العام 1964، و”تأملات في زمن جريح” في العام 1974، و”شجر الليل” في العام 1973، و”الإبحار في الذاكرة” في العام 1979. أما على مستوى المسرح الشعري، فكتب صلاح عبد الصبور: “مأساة الحلاج” في العام 1965، و”مسافر ليل” في العام 1967، “الأميرة تنتظر” في العام 1969، “ليلى والمجنون” في العام 1970، و”بعد أن يموت الملك” في عام 1973.

كما وضع دراسات مهمة منها: “أصوات العصر” في عام 1960، “ماذا يبقى منهم للتاريخ؟” في عام 1961، “حتى نقهر الموت” في عام 1963، “قراءة جديدة لشعرنا القديم” في عام 1968، “حياتي في الشعر” في عام 1969، “علي محمود طه” في عام 1969، وكتابه “على وجه الريح” في عام 1980.

• مسيرة عملية

عمل صلاح عبد الصبور في وزارة الثقافة المصرية، ورأس خلال ذلك تحرير مجلات ثقافية عدة أهمها: “الكاتب” التي كانت رئاسته للتحرير فيها بداية هجمة عليه في آخر سنوات عمره، إذ تعرض لانتقاد بسبب قبوله لهذا المنصب بعد طرد مجلس تحرير المجلة، ثم هُوجم بسبب موافقته على العمل مستشارًا إعلاميًا في السفارة المصرية في الهند بعد زيارة الرئيس أنور السادات للقدس، وبلغت الحملة عليه ذروتها بعد عودته إلى مصر التي توافقت مع حل وزارة الثقافة واستقالة رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب الدكتور محمود الشنيطي؛ احتجاجًا على قرار الحل، فوافق هو على خلافته في رئاسة الهيئة ليصبح أول رئيس لها تشترك “إسرائيل” في عهده في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وسط هذه الأجواء رشحته جمعية غير أدبية هي “جمعية الاقتصاد والعلوم السياسية القاهرية” لمبايعته أميرًا للشعراء في ذكرى وفاة أحمد شوقي، فرفض هذا الترشيح، وقد توفاه الله إثر أزمة قلبية حادة في الرابع عشر من أغسطس عام 1980 عن واحد وخمسين عامًا.

• حقيقة الوجود

يرى صلاح عبد الصبور، أن الموت هو “حقيقة الوجود الكبرى” وليس هناك مجال للاختلاف فيه، وهو الأمر الذي لا يقهره أحد مهما بلغ جده واجتهاده، لذلك فالموت يوجد في الشوارع والحواري والطرقات وعلى النواصي.. في أكمام الملابس وتحت الوسائد، بل أنه يوجد في نفس الإنسان ذاتها.

شيئان اثنان لا ثالث لهما يستطيعان قهر الموت من وجهة نظره هما: الحجر والكلمة، فالأهرام مازالت قائمةً منذ آلاف السنين، وكذلك “كتاب الموتى” للفراعنة، بيد أن عبد الصبور يرى أن الكلمة أطول عمرًا من الحجر، فالزمن المتطاول قد يأكل من الأهرام حجرًا وراء حجر، لكنه أعجز من أن يسقط كلمة واحدة من “كتاب الموتى”، بل ربما يتسبب الزمن في زيادة صفحاتها بالحواشي والتعليقات، ويرى شاعرنا أن الشعر الأصيل والفن الرائع هما طريق الخلود أمام الشعراء والفنانين، وبهما وحدهما ستذكر الأمم والأجيال المقبلة مبدعي ذلك الشعر الرفيع وذلك الفن الرائع، وسوف يتوصل الشعراء والفنانون إلى ذلك الإبداع عندما يؤمنون بأن التجربة هي “زاد رحلة الحقيقة” والحوار هو الطريق إلى المعرفة، والجدل هو قمة العلم، والحرية هي الإطار الذي تحتمي فيه كل هذه القيم.

عبد الصبور يرى أن الشاعر فنان يعيش وينفعل ويفكر ويعمل، ومن خلال هذه المستويات المختلفة في الحياة تتكون له تركيبة بشرية تختلف عن تركيبات غيره من البشر، وعندما يبدأ الشاعر مرحلة الإبداع الفكري، فإنه يرى الكون والكائنات من خلال تركيبته المتفردة تلك، وتتحول انفعالاته وتأثراته الفكرية إبداعًا، عندما يخطها بقلمه، ولا بد للشاعر من تمثل أفكاره كي تتحول عنده إلى رؤى وصور خاصة يتمكن من عرضها ببراعة.

والفن هو تعبير وتفسير، فالنفس الإنسانية أدركت نفسها بالفن، وبه أدركت إحساساتها المختلفة. والفن حياة أخرى معادلة للحياة، لكنها أكثر صدقًا وجمالًا منها، والفنان الذي يقف عند تصوير الحياة فقط، هو فنان قاصر في رؤيته، والفنان الذي يقف عند التعبير عن نفسه فقط هو مريض عاطفيًا، إن الفنان المبدع لا يكتفي بالتعبير الحسي الذاتي، ولكن عليه أن يخلق صورًا موضوعية لعالم آخر يبدعه ويبعث فيه الحياة.

• الشعر والمسرح

حول ما يجده في الشعر ويفتقده في المسرح والعكس بالعكس.. قال صلاح عبد الصبور: إنه يجد في الشعر الاعتراف وهو ما يفتقده في المسرح؛ لأن الشعر فن الاعتراف والمسرح فن الحكاية، ومن أهم المسرحيات التي كتبها عبد الصبور “مأساة الحلاج”.. وهذه المسرحية تعتمد على محور ثابت هو الإحساس بالقهر، فالإنسان إما أن يكون “قاهرًا” أو “مقهورًا”.. والحلاج وعبد الصبور كلاهما في المسرحية هو المقهور.. يقول على لسان الحلاج، وهو ماثل أمام القضاء في المحكمة – في المسرحية طبعًا -: “الفقر هو القهر .. القهر هو استخدام الفقر لإذلال الروح وقتل الحبِّ وزرع البغضاء”، وقد اختار عبد الصبور لمسرحيته “مأساة الحلاج” القالب الكلاسيكي، وهي تعتمد على فكرة “سقطة البطل” الإغريقية، ولم يكتفِ بتصوير الحلاج صوفيًا متفانيًا في محبة الله، غارقًا في تجربته الروحية والدينية، بل جعل التجربة الصوفية تقوده إلى محاولة إصلاح مفاسد العصر، ورفع الظلم عن الناس مستندًا في ذلك إلى حقائق وردت في سيرة الحلاج، وأشار إليها في تذييله للمسرحية: “وقد اختلف مع صوفية عصره حين أخذ يتصل بالناس ويتحدث إليهم فنبذ خرقة الصوفية”.

والشعر في مسرحية “مأساة الحلاج” يظل له حضوره البهي الطاغي .. وكتب عنها الناقد د. محمود أمين العالم يقول: “في هذه المسرحية يصفو الشعر ويعمق، ويتركز لدرجة بالغة الرقة والعذوبة، حقًا إنه يكاد يخرج عن حدود التعبير الدرامي إلى حدود التعبير الغنائي الخالص، بل نكاد نجد في صفحات من المسرحية قصائد قائمةً بذاتها على لسان الحلاج، قد نجد بعض الحوار الذي هو حوار من حيث الشكل، ولكنه في الحقيقة مقطع شعري موزع بين بعض الأشخاص .. إن هذه المسرحية كلمة رفيعة، تمجد في تراثنا قيمًا باقيةً، تستنهض العمل والكفاح من أجل العدل والمحبة والحرية وتستنبت هذه القيم في نفوسنا استنباطًا فنيًا جميلًا”.

ومن فنان مسرحي عرف كيف يقرأ في العمق مسرحيات صلاح عبد الصبور، نعني الفنان سعد أردش، نقتطف هذه الشهادة: “لقد استطاع شاعرنا أن يبلور مسرحًا شعريًا عربيًا جديدًا قادرًا على التصوير الدرامي وتطوير اللغة والموسيقى والشعر للمقتضيات الدرامية، وأعتقد أنه أول شاعر مسرحي في تاريخنا العربي حقق الدراما في قصائده الشعرية، واستطاع من خلال أعماله المسرحية القليلة أن يجسد الواقع بكل ما يحمله من مآسي الماضي وفرح الحاضر وقلق المستقبل”.

• الشعر الحديث

ويرى شاعرنا أن الشعر العربي الحديث استطاع أن يدخل إلى عقل طائفة من القراء، وهي الطائفة التي استطاعت أن تستوعب الحياة الجديدة والقوانين الحديثة، ففي بلادنا العربية وهي بلاد تتجدد في مجالات الحياة المختلفة كالاقتصاد والتعليم وغيرهما مازلنا نعيش في مستويين: سلفي يؤمن بأن الماضي يجب أن يبسط ظله على الحاضر.. ومستوى حديث يتقاطع مع الماضي ويؤمن بأن الحاضر والمستقبل لهما شروطهما الخاصة وقوانينهما الخاصة.

وقد يبدو لنا – والكلام لعبد الصبور – في بعض الأحيان خلال رؤيتنا لأيِّ مدينة عربية إنها تنقسم إلى مدينتين قسمة غير مرئية.. مدينة قديمة “ولا أقصد في المباني أو في الأشكال، ولكن في الوجدان والانفصال، ومدينة أخرى حديثة.. لذلك فإن الشعر العربي الحديث قد وصل إلى قطاع معين من القراء فقط، ولم ينتشر على نحو عام مثل الشعر القديم أو الكلاسيكي العام”.

• الرمزية في شعره

يعتبر د. محمد فتوح محمد من أبرز الدارسين للرمزية في الشعر العربي ويرى، أن عبد الصبور اعتمد الرمزية في أغلب دواوينه الشعرية. فالحزن والحب والطموح الإنساني إلى الحقيقة: ثالوث متعدد الأوجه، تكاد تدور عليه معظم رموز الشاعر صلاح عبدالصبور، وهو ثالوث لا يقبل التجزئة بطبيعته؛ لأن حالات النفس البشرية من الغموض والتعقيد بحيث تستعصي على أية محاولة للتبسيط أو التجزئة، ومن ثم ليست التفرقة بين هذه العناصر الثلاث إلا من باب التقريب.

وللإيحاء بهذه المنازع الذاتية الثلاثة، اتكأ الشاعر في ديوانه الأول “الناس في بلادي” على الصورة الرمزية غالبًا. أما في ديوانه الثاني “أقول لكم”، فقد التجأ فيه إلى الإطار الرمزي المستمد من التراث القومي أو العالمي، يسوغ فيه أفكاره ويحدد به رؤيته للنفس والوجود.

• الواقع والتراث

ثم كانت المرحلة الثالثة، بعد الصورة والإطار الرمزيين ومعهما، مزاوجة الشاعر بين الرموز المستمدة من التراث والرموز المستقاة من واقع الطبيعة، وهذه المرحلة تشمل الكراسات الثلاث الأولى من ديوانه “أحلام الفارس القديم” أما الكراسة الرابعة من هذا الديوان، فتمثل أحدث أبنية الرمز بالنسبة إلى الشاعر، ونعني بذلك انصرافه إلى ما يسمى النماذج الرمزية التراثية، حيث يصور شخصية من شخصيات التاريخ أو التصوف تصويرًا يشف عن أفكار ومشاعر عصرية؛ وبذلك يتجنب الشاعر مغبة التقرير ونضوب إيحائه، ومن نماذج هذه المرحلة قصيداته “مذكرات الملك عجيب بن الخصيب”، و”ومذكرات الصوفي بشر الحافي”، فالملك في الأولى رمز لإنسان اليوم في سعيه وراء الحقيقة وبحثه عن اليقين.

أما عن رموز عبدالصبور العاطفية فمعظمها رموز مثالية تشفُّ عن نظرة إلى الحبِّ تمتزج فيها القداسة بالبراءة، والحبُّ بالنسبة إليه معنى علوي، فيه من القداسة جلالها، ومن الطفولة نقاؤها وسذاجتها، ففي قصيدته “طفل” يرمز الصبي المحتضر إلى الجبن، أما قصيدته “ذكريات” ففيها تتجسد عاطفة الشاعر في صورة إنسان سجين، شريد يعاني وحشة الموت في كوخه الذليل، وحين تدب فيه الحياة وتصافح عيناه أضواء الشمس من جديد.(وكالة الصحافة العربية)

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.