المسرح ‘ديالهم ‘ و المسرح ‘ديالنا’


على امتداد فسحة زمنية قاربت الأسبوع ، حلّت تباعا فرق مسرحية بمدينة خنيفرةمتجشمة وعثاء السفر، لتأثيث نسخة ثانية من مهرجانها المسرحي المحتمي من صهد الوقت بأرز “أكلمام ” و حب أناس طيبين. تواطأنا فرقا و باحثين لنحدث حدث تصالح عابر مع قاعات تحن لتصفيق آخر، و لكائنات أخرى تستوطن الروح كما

 

 

الركح ، أجيال مختلفة حلّت بالمكان فأنساها المتخيل شظف زمن رديء، ومكر جغرافيا صنعت للمسرح في المركز مركبات و أبراج مكيّفة؛ تكيّفت معها ثلة ( مع الاستثناء طبعا ) ؛ من أشباه كتاب ومخرجين و ممثلين و باحثين عن ظل ظليل، في حين تركت للهامش ؛ هامش تدبير فرجة عصيّة خذلها الدعم ، فدعمها غيورون وبسطاء شدّوا على أيدينا لحظة التنكر و طرق الأبواب لاقتراف شغب جميل.

و على امتداد دورتين؛ كان السؤال المعاد على هامش عرض أو ندوة ، ما الذي ينقص عرضا مسرحيا باذخا أن يكون هنا بخنيفرة ؛ القنيطرة ، وجدة ، أسفي …ويكون هناك بمكناس؟ هل مواصفات مشروع مسرحي متكامل تفقهه لجان الدعم فقط و يعدمه جمهور صفّق واقفا هنا بكل أطيافه لأعمال ممهورة بمداد أسماء قامات عربية و مغربية مديدة ، كعبد الرزاق الربيعي؛ رشا فاضل؛ علي سالم ؛ أحمد لعبيدي و سالم كويندي ، و عرق ممثلين شمخوا عاليا؛ كفاطمة الزواني؛نزهة عبروق؛عبد الرحمان بن دحو ؛عبد الإله العبدي و فؤاد شبابي….بعد أن نذروا الجسد قربانا للحظة التماهي؛ ليصنعوا من ليل الأطلس الطويل عرسا مضاء بحكايا وطن عربي ثخين؟ ما الذي يسوّغ إدراج عرض/ عروض هناك تلوك الألسن حد السخرية هشاشة متخيلها؛ و فقرا فنيا مدقعا في إدارة ممثليها حتى إذا انفض الجمع و تفرقت بفرقهم السبل؛ انبروا شاحذين الأقلام لنشر غسيل مقرف على أعمدة صحف سيّارة؛ ذمّا لممدوح أو مدحا لمذموم لم يسعفه حظه العاثر في لحس كعكة التتويج الأخير ، وإن كان قد اقتنص من جيوب الشعب إقامة باذخة في نزل من خمس نجوم؟

لقد سالت مياه كثيرة تحت جسر مسرح مغربي معطوب؛ ليفيض “المنسوب” بمسرحيات / حوليات لا تشبهنا، تجهَّز على مضض؛ ليشدّ بها الرحال كل حول نحو قبّة المنوني؛ تيمنا ببركة موسمه الصالح ؛ و تضرُّعا في حضرته بصلاح الركح؛ و دوام المنح و عود ميسّر بحول الله. في حين يعود حضور مغرّر به؛ لاجترار ما تبقى من بقايا حلم ؛ حوّله واقع فرجات خائبة إلى غصّة بطعم بيض فاسد ، تمارين مكرورة لكسر جسد جامح ،ارتجال كومبارس ؛ و مليشيات في القاعة لردع نفر نافر؛ أو ترويض عنيد غنى خارج سرب مخدوع عما تبقى من قيم .

مسرحيات عديدة تقتبس على عجل ، أو تختلس بالليل لتعرض بالنهار، سمة من سمات مغرب مسرحي نافع؛ تفنّن بعض فنّانيه في انتفاع سريع؛ فجاءت العروض على مقاس الجيوب بمخيّلات ضحلة؛ فهمت في الحداثة و ما بعدها ؛ عريا عاريا من الإمتاع ولغة متحدّرة من أسفل الدرك لا من أعلى الإدراك، متوهمة أن العالمية حائط قصير يكفي تخطّيه للّحاق في خمسة أيام بركب الكبار، في جهل تام أن العالمية؛ هي المحلية وقد صارت متخيلا يخترق الحدود بعبق تراب الوطن ،كما “خميائي” رواية أمبيرتوكويلو؛ الذي ساح ضاربا في الأرض بحثا عن كنز، بيد أن كنزه الحقيقي لم يك مدفونا تحت أهرام مصر؛ بل تحت شجرة الانطلاق، مدركا بعد تيه أن الكنز كنزان: كنز معرفي منذور للسفر في سفر الدنيا، و كنز رمزي لا يدركه ناقل؛ بل باحث حقيقي عن معنى أن تكون أنت؛ لا أن تسطو على كنز مطمور خارج تخوم الوطن .

لقد كتب موليير وشكسبير و كالديرون و لوبي ديفيكا عن النبلاء و أحوال الملوك و دسائس الحريم، و كتب جان جنيه وسعد الله ونوس وقاوتيو برشيد؛ عن البسطاء و الغوغاء و الشحاذين؛ متخطين التخوم و الأزمان بإشراقات لا تخطئ رضى القارئ ، ولا تدع مجالا لنظر أومؤاخذة في شأن تيمة أو شخوص أو موقف، فقد حضن القلب قبل العقل هاملت؛ و أشفق على ناتلدي؛ و تأسى لبائع الدبس الفقير؛ و تماهى مع الريّط وابن دعبل؛ لتحدّرها كذوات عابرة للقارات من كينونة نادرة خصّبها حبر نادر .

لم تستو ” بغال الطاحونة “و لا “المرتجلات الثلاث” عروضا مبهرة، وقّعها مبدع أحبه الجميع اسمه محمد الكغاط؛ إلا بعد أن شهدوا مثلما شهدت له خشبة مركب القدس؛ و “باب الماكينة “بفاس، تجلّد الرجل زمن الحر و القر؛ وتأجيله حق الصحة و الأهل لتشذيب حوار ناشز، أو ترويض حركة طائشة خارج ما هو مرسوم. كنا نفاجئه كطلبة، مستحضرين أناقة محاضر بالأمس، فيفاجئنا متعبا؛ متربا؛ خارجا للتو؛ من شغب التماهي مع كائنات من نحت يراعه، أو منصتا بتواضع الكبار لمن آثروا “الارتجال”لحظة غرور، أو جهل بوجود النص ، فالرجل لم يرتجل؛ إلا بعد أن ترجّل عن صهوة بحث؛ صال به وجال في سفر “ديلارتي” و “فرساي”؛ فجاءت “شميسة لالة” و “مرتجلة فاس” و “السمايري” خارج الستار؛ حوارا مقارعا ارتجال القاعات ،بفرجة نديّة مستنبتة في مشاتل الساحات.

في أقسى لحظات ضيق ذات اليد؛ باع المرحوم محمد تيمد أثاث مطبخه المتواضع لتأثيث “كاهنة المطبخ “؛ معطيا درسا لمن يبيع اليوم المسرح كله لتأثيث مطبخ الحياة ،عنوان تراجيكوميدي واسم لفن خلف؛ تفنن ممثلوه في الضحك على الدقون؛ لا على المسارح بلعب آخر؛ لم يهتد إلى أبجدياته يوربيدس أو يقعّد “جنسه” أرسطو، لعب يفحمك لاعبوه بحجة “الجمهورعايز كده”، مع أن أبسط “سانداج”قد يكون صادما عند تصويت آخر متفرج أجهزوا على انتظاراته.مفارقة غريبة من غرائب مسرح يستنفر الآن كل أعضائه؛ لتحرير آخر عضو من جسد لم تسقط عنه بعد آخر أوراق التوت، في حين لن يحرّر أعضاؤه مجتمعين جملة عربية واحدة مستقلة عن إنزال فرنسي جاثم على الوجدان و الفكر.

في دورة المسرح الجامعي الدولي الأخير باكادير؛ ظل أحد أعضاء فرقة جامعية مغربية ؛ يتلاعب ممطّطا زمن العرض؛ بلغة دارجنسية تمتح من قاموس تحت الحزام ؛ تفتقت بها قريحة “المسرح ديالو” ، لا نصا حقيقيا جامعا للهذيان، أوتشخيصا منسجما يشفع لإسقاطات سينوغرافية، فقط صوت ميراي ماتيو الرّائع القادم من زمن آخر؛ غطّى على عزف ناشز لثلة من جنس لطيف متحلّق حول مهاجر مغربي أحس بالحكرة زمن الستينات؛ فانتقم لشرفه بغزو ايروتيكي لتمريغ شرف فرنسا في الوحل. كل هذا المتخيل ما شاء الله؛ تم تصريفه “بدراماتورجيا ضجيج مبهر”: صراخ غيرمبرّر؛ مونولوج مكرور حد الرتابة؛ و شيء ما يشي بعطب ما في تمثل أبجديات التمثيل لتصريفه دون كوارث . الاستثناء حاضر طبعا؛ جسدته الدراماتورجيا الفائزة بأحسن تشخيص: دراماتورجيا الصمت الواسمةلعرض “القطيعة” من الكوت ديفوار، الذي انتزع دون انقطاع تصفيق الحضور؛ لاشتغاله على تيمة حب راق تحقق دون تكلف بتمسرح راق أيضا: لا ديكور أو توابع أو برويطاج أو مساحيق، فالخشبة عارية إلا من دائرة طباشيرية / سياج رمزي لعلاقة حميمية؛ يسعى لاختراقها رنين هاتف. يدخل الزوج بعد شنآن متبوع بغياب طال، حقيبة سفر في يد؛ وورد أحمر في يد ؛ ليقف خارج الدائرة على مشهدِ متودّدٍ يتقرب لتقويض آخرما تبقى من وفاء امرأة، و في لحظة اليقظة من شرود، حسبت الزوجة ـ و هي تقترب من خط الدائرة الفاصل بينها و بين الزوج ـ أنها تقف على جرف هار متوسلة بكل لغات الإشارة و القول، بينما وقف هومتصلبا كمانكان؛ متمسكا بباقة الورد. و في لحظة قاسية زاد من قسوتها إمعانالمخرج في تكريس صمت مضاعف منذر باللاتلاقي، يطلق الزوج بدل رصاصة الرحمة كلمة حب مرمّمة لما انعطب، ليتجاوب من في القاعة مع فن نبيل، مقنع بأداء مدهش، حماسا، قياما، بل انحناء لمسرح صاعد من الجنوب؛ تلاه ليلة الختام تتويج مستحق ( جائزة الإخراج و أحسن تشخيص أنثوي) على ما أحيوه في نخب الحضور من حنين لمسرح قوي بعمق متخيله ، بأسئلته ؛ و قيمه .

لن ينسى جمهور ليلة ختام مهرجان مكناس الأخير؛ عرض “الليلة الزرقاء” من تونس، الذي تابعه بما يشبه مشاهدة L’échange de pingpong حوارا لا إسهال أو استسهال في بنائه ؛بلغت الإثارة فيه أن تفاعَلَ متفرج ضرير؛ رأى بالبصيرة و استنفار حاسة السمع ما لم يره غيره في عروض سالفة، فقد ظل الرجل طيلة العرض يصيح موقعا على استقبال جيد لجملة ؛ أومستفسرا جاره عن مفردة ديكور أو إكسسوار؛ حتى إذا اكتمل العرض في مخيلته و على الخشبة؛ و قّع بحماس زائد عن تلق ايجابي لإبداع راق؛ نفذ دون جواز عبورإلى القلب .

لقد آن الأوان اليوم لمسرح آخر أن يتمرّد خارج مثلث “بيرمودا” الرهيب ،مسرح لم ينل حقه من الدعم لكن نال دعم و احترام الجميع ، مسرح توقّعه أسماء هَدَّتها تجربة الهواة بالأمس، فانزوت في مدينة قصيّة أو مدشر؛ مواصلة في صمت بناء ما تردّم ،ومسرح مبدعين كبار و صاعدين من عيار بوسرحان و الهنائي و الهواس و شكير والضعيف وهموش و آيتالساقل… الذين يتقاسمون مع من أدركتهم حرفة المسرح مؤخرا نفس الهواء دون الهوى / هوى مسرح آخر خاضوا لأجله حروبا يومية ابداعا و احتجاجا لتعديل عقرب ساعتهعلى و قت آخر بدل الضائع. مسرح مغرب عميق و متعدد بجغرافية إبداعه و موروثه يصنع هنا وهناك، فهوالمسرح “ديالنا” الذي تؤدى لأجله فاتورة العشق لربح عشق الناس ،أما المسرح “ديالهم” ؛فمؤدى عنه دائما حتى و لو خسروا الوطن ، القيم و كل الناس.

باحث و مدير مهرجان خنيفرة المسرحي

 

محمدأبوالعلا

 

http://lakome.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.