أخبار عاجلة

المسرح والسلطة في مصر .. دراسة سوسيولوجية

تؤكد الباحثة فاطمة يوسف محمد في كتابها “المسرح والسلطة في مصر” من 1970 – 1952 أثر التغير الاجتماعي في المسرح في تلك الفترة التي أعقبت ثورة 1952، وتظهر الإسقاط التراثي في ظل التحول الاشتراكي، والتوظيف الرمزي في أعقاب نكسة يونيو 1967.

وفي مقدمة الكتاب تؤكد الباحثة أن دراسة الفن دراسة سوسيولوجية ليست من قبيل الترف العلمي كما قد يظن البعض، إذ أن الفن ظاهرة من الظواهر الإنسانية الاجتماعية التي ارتبط وجودها وتطورها بنشأة وتطور الثقافة، وهو إبداع إنساني يكشف في محتواه وشكله عن المدى الذي وصلت إليه الجماعات الإنسانية في فهمها واستيعابها للكون والعالم والبيئة المحيطة به.

لا شك في أن عام 1952 عام مصيري في التاريخ المصري الحديث، ففي اليوم الثالث والعشرين من يوليو لهذا العام قامت ثورة الجيش المصري التي عرفت باسم “ثورة يوليو”، وما أن استقر الأمر لثورة يوليو حتى أعلنت عن مبادئها الأساسية، ومن أجل تحقيق هذه المبادئ كان أول قانون أصدرته حكومة الثورة هو قانون الإصلاح الزراعي، ثم إلغاء الأحزاب التي رأت حكومة الثورة أنها عائق أمام الديمقراطية، كما استولت على ثروات الأغنياء ثم ألغيت الملكية.

أما عن الثورة والمسرح في المرحلة الانتقالية 1960 : 1952، تقول الباحثة: إن قيام الثورة قد فجرت كل طاقات الكُتَّاب والفنانين وأمدتهم بالجو الملائم لتنمو ملكاتهم، فقدم كل من نعمان عاشور أعمالًا مهمة هي: الناس إللي تحت، الناس اللي فوق، عيله الدوغري، وأتيح ليوسف إدريس أن يكتب جمهورية فرحات، ملك القطن، اللحظة الحرجة، وكذلك الفريد فرج الذي كتب سقوط فرعون، حلاق بغداد، سليمان الحلبي – سعد الدين وهبة كتب، السبة، والمحروسة، وكوبري الناموس، وبالنسبة للطفي الخولي، القضية.

أما من حيث الفرق المسرحية، فقد كان هناك ثلاث فرق قبل الثورة، اثنتان تحت إشراف الحكومة هما: “الفرقة المصرية للتمثيل” وتقدم الهزليات والميلودراما والمسرحيات الشعرية، والفرقة الثانية “فرقة المسرح الحديث”؛ وكانت تسير على نفس النهج، وبعد الثورة ضُمت الفرقتان تحت اسم “المسرح المصري الحديث” بإدارة يوسف وهبي حتى 1956، واستمرت هذه الفرقة تقدم ما كان يقدم قبل الثورة، ثم قدمت مسرحيتان تتجاوبان مع الأوضاع الجديدة وهما: المزينون، والأيدي الناعمة.

• هزيمة وتغير ثقافي

ترى الباحثة أن الفترة ما بين يونيو 1967 إلى سبتمبر 1970، كانت فترة معاناة مؤلمة لأفراد الشعب بجميع طبقاته، وتميزت هذه المرحلة بالذات بثلاثة اتجاهات متضاربة: المجموعة اليمينية وراحت تحاول أن تجد المبررات لأسباب الهزيمة وتبعد المسئولين في الحكم عن تبعية ما وصلت إليه البلاد من خراب. والمجموعة الثانية كانت امتدادًا للمرحلة الرمزية السابقة، وراحوا يكتبون من خلال الرمزية التي امتلأت بالسواد والقتامة، أما المجموعة الثالثة فهي مجموعة الغاضبين الثائرين والرافضين.

أما عن المسرح بعد 1967 فقد اتخذ مظهرين مترابطين: الأول هو ازدهار المسرح التجاري والثاني: هو ما يمكن أن ندعوه “مسرح السلطة”.. ولعل من أبرز كُتَّاب المسرح الذين تألموا من الهزيمة وقدموا أعمالهم المسرحية تناقش القضية كان أبرزهم محمود دياب في أعماله “الزوبعة”، و”ليالي الحصاد” وقدم فيهما نضجًا فكريًا واضحًا.

ولكن أمام امتداد عوامل السلب في الواقع المصري، كان طبيعيًّا أن يزداد المسرح التجاري رواجًا وازدهارًا، وأن يزداد مسرح الدولة في المقابل عزلة وبوارًا، وتساقطت أوراق المسرح الجاد، هاجر الفريد فرج، ومات ميخائيل رومان، ومحمود دياب، ورشاد رشدي، وأصبح سعد الدين وهبة، وعلي سالم من كتاب المسرح التجاري.

تناولت الباحثة المنظور الواقعي للمسرح المصري في أعقاب ثورة يوليو من خلل العمل الدرامي الناس اللي تحت لنعمان عاشور فتقول: جاء اهتمام نعمان عاشور بالصراع الطبقي في الناس اللي تحت بين الأجيال القديمة وبين الجديد المبشر، واختياره للشخصيات التي تتفق مع الواقع الاجتماعي، راسمًا هذه الشخصيات بأبعاد جسمانية ونفسية واجتماعية، بحيث تكون شخصيات متباينة متناقضة ليتولد منها الصراع الذي لا تنهض مسرحية إلا به.

ويتضح من ذلك أن مسرح نعمان عاشور “تاريخي تسجيلي”، يرصد صراعات البيئة ويهتم بصراعات الطبقات المتعددة الدنيا والوسطى والعليا، ويلاحق التغيرات المختلفة التي تعقب الثورة والانقلابات الاجتماعية، وهو نفسه يعترف بأنه أخذ قالبًا جديدًا مناسبًا لهذه التغييرات في المجتمع المصري، وجميع الدراسات تجمع على ذلك بأنها مدرسة تلستوي، جوركي، وتشيكوف التي ترصد الواقع وتدعو للتغيير.

• الإسقاط التراثي

كان التراث دائمًا نبعًا لإلهام كُتَّاب مسرحيين كثيرين عبر تاريخ المسرح في شتى أنحاء العالم، بل إن الفضل يرجع إلى المسرح في حفظ هذا التراث من الضياع، ولذلك كانت العلاقة بين الدراما والتاريخ والتراث علاقة وثيقة، وأثبت تاريخ المسرح عبر العصور، أن الكُتَّاب الذين يتخذون من التاريخ والتراث مضامين لأعمالهم كانوا في الوقت نفسه يسقطون مفاهيم عصرهم وقيم مجتمعهم من خلال المعالجة الدرامية لهذه المضامين.

وإذا طبقنا الإسقاط التراثي والتاريخي على المسرح المصري المعاصر من خلال ثلاثة أعمال لكتاب مسرحيين مختلفين مثل السلطان لتوفيق الحكيم التي شهرت في 1959، اتفرج يا سلام لرشاد رشدي ظهرت في 1965, والزير سالم لألفريد فرج وظهرت في 1966، سنجد أن هذه الأعمال الثلاثة استعان مؤلفوها بالتاريخ والتراث بدرجات متفاوتة، بل أن التاريخ قد امتزج بالتراث في السلطان الحائر والزير سالم لدرجة أنه يصعب لأي لناقد لفصل بين حدود هذا أو ذاك، وهذا شيء طبيعي إذ أن بطبيعته الفكرية والدرامية الناضجة قادر على أن يصهر في بوتقة العناصر المتفاعلة داخلها بحيث يتعذر الفصل بينهما. وعلى سبيل المثال، نرى في مسرحية “اتفرج يا سلام” لـ “رشاد رشدي” وعلى الأخص في مقدمتها، أنها استلهام من قراءة تاريخ مصر، فهي تدور حول واقع مصدر التاريخي ومعاناتها من الحكم الأجنبي، وإن كان الشعب المصري قد تحمل من متاعب وآلام سنين طويلة، فليس هذا معناه أنه فقد الروح، فقد كان يبني وينشئ ويدعم كيانه ويقويه متمسكًا بالقيمة الإنسانية العليا.

إن القضية التي يتعرض لها رشاد رشدي هي أن الإنسان إذا باع نفسه بشيء لا يؤمن به فقد خان وجوده وكيانه الإنساني، خان حرية الحس والفكر والعمل التي وهبها الله له، والإنسان إذا بعد أو انفصل عن الحقيقة ولو مرة واحدة، لم يعد في مقدوره أن يسترد ما فقد.

وتذكر الباحثة أن رشاد رشدي في مسرحية “اتفرج يا سلام” قد اختار شكلًا مستمدًا من الجذور الأصيلة لمسرحنا، جذور مسرح خيال الظل، لما له من وظيفة تأثيرية على المتلقي.

ومعنى ذلك أن رشاد رشدي استغل خيال الظل من خلال التقنية التي ألحت عليه، وهل العدل أو المطالبة بالعدالة الاجتماعية، العدل الذي يجب أن يعود حتى لو كافح الشعب من أجل استرداده مرات ومرات.

وفي ختامه هذا الفصل تؤكد الباحثة على أن الكُتَّاب المسرحيين الذين لجئوا إلى الإسقاط التراثي في ظل التحول الاشتراكي، لم يكونوا بالثورية الجزئية التي قد تبدو على أعمالهم لزوال وهلة فلو أنه كانت هناك دلالات مباشرة وقاطعة على أنهم يقصدون عقد الستينات بالذات لما سمحت لهم الرقابة بنشر أعمالهم على الإطلاق.

ولذلك كان لجوء مثل هذه المسرحيات إلى التراث الذي يمكن أن يمتد ليغطي مساحة تاريخية بين الجاهلية وعصر المماليك أو حتى زمن ما قبل ثورة يوليو، المهم أن الزمن الذي بدأ بثورة يوليو زمن لا يجرؤ كاتب مسرحي على المساس به أو حتى مجرد التلميح بالسلبيات التي تعتلوه، لذلك تواري كتاب المسرح خلف أستار الإسقاط التراثي، ورضي المسئولون عن هذا الوضع الذي لا يمس سلامة النظام وربما لعب في الوقت نفسه دور التنفيس عن اختيالات الكتب السياسية القائمة.

• توظيف رمزي

عبر تاريخ النقد الأدبي يعتبر الرمز أحد إمكانات التعبير اللغوي التي لا يملكها الأسلوب التقريري المباشر، سواء استخدامه الأديب عن وعي أو غير ذلك فإنه يظل من خصائص التعبير الفني الذي يمنح العمل الأدبي إسقاطات وأبعادًا تجعل الألفاظ العادية تقول أكثر وأشمل مما تقوله إذا استخدمت بطريقة مباشرة، كما يحدث في حياتنا اليومية واتصالاتنا العادية. والدليل العملي على الوظيفة الحيوية التي يقوم بها الرمز في مجال الأدب خاصة والفنون عامة، أن استخداماته تعددت وتبلورت لدرجة أنه تحول إلى مدرسة من المدارس الأدبية والمسرحية التي تركت بصمة واضحة على الأدب العالمي منذ مطلع القرن التاسع عشر وحتى الآن.

وترى الباحثة أن المسرح المصري المعاصر منذ أن تبلور على يد توفيق الحكيم في أهل الكهف كان يلجأ إلى الرمز تلقائية في بعض الأحيان، وفي معظم الأحيان كان يستخدم الأسلوب التقريري المباشر، ومع قيام ثورة يوليو 1952، ونهضة المسرح المصري منذ أواخر الخمسينات على أيدي الكوكبة التي انفتحت على المسرح العالمي المعاصر بدأ الوعي واضحًا في استخدام الرمز خاصة عندما كان بعضهم يحاول نقد النظام الحاكم بطريقة لا تؤدي إلى تبعات خطيرة تقع على كاهله.

أما حول انعكاسات نكسة 1967 على التوظيف الرمزي على المسرح المصري المعاصر، فتقول الباحثة: إن استخدامات الرمز قد زادت وتعددت في إيحاءاتها ودلالاتها لرغبة كتاب المسرح في نقد السلبيات التي أدت إلى وقوع النكسة، وللتعبير عن النكسة بشكل غير مباشر كان لا بد أن يسود الرمز بصفة عامة كل مسرحيات ما بعد النكسة، وفي بعض الأحيان كانت الرقابة طبقًا لتعليمات صادرة إليها تتساهل في السماح لبعض الإسقاطات والإيحاءات المباشرة على سبيل التنفيس عن رجل البخار الذي كان على وشك الانفجار في أعقاب النكسة والذي تجلى في ظواهر متتابعة كان من أوضحها وأبرزها مظاهرات الطلبة 1968.

وفي ختام كتاب المسرح والسلطة، ترى الباحثة: أن كُتَّاب هذه الفترة في مصر 1952 – 1970، لم يملكوا النظرة أو الجرأة التي تجعلهم يتوغلون في أراضٍ لم يحددها خط الدولة، فإنهم لجأوا إلى الإسقاط التراثي في ظل التحول الاشتراكي وإلى التوظيف الرمزي في أعقاب نكسة يونيو وذلك على سبيل التورية التي تلمح ولا تصرح، لكنها في الوقت نفسه لا ترتفع إلى مستوى الرمز الفني الدرامي الذي يعد اللغة الطبيعية لمسرح.

وأخيرًا تقول الباحثة: إن هدف هذه الدراسة كان سعيًا حثيثًا لتحليل العلاقة العضوية بين المسرح والمجتمع، وإذا كانت الدراسة السوسيولوجية قد لعبت دورًا أكبر إلى حد ما من الدراسة التحليلية الدرامية فإن هذا يرجع إلى طبيعة المضمون المعالج نفسه. (خدمة وكالة الصحافة العربية)

القاهرة ـ من حازم خالد

 

http://www.middle-east-online.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.