مسرح – “مونولوغ” هارولد بنتر دراما لساري مصطفى في “دوار الشمس” عثر في الإنسان العربي على شخصية لمسرحه العبثي

من وقفته الجامدة في عتمة المكان وحوله أشياء من مهملات الحياة، نبدأ نتفاعل مع دراما اقتبسها المخرج والكاتب السوري ساري مصطفى من مسرحية

 

“مونولوغ” للكاتب البريطاني هارولد بنتر، وبها تعبير عن العلاقات المبهمة بين البشر، وبين الإنسان وذاته. كأن هارولد بنتر قد وجد في الإنسان العربي ما يعيشه فعلاً من عبثية الوجود التي نقب عنها في كتاباته، فإذا بقارئه ساري مصطفى أكثر منه معرفة بهذا الإنسان، فهو من خامته ومآسيه، ما دعاه لأن يدمج في النص المقتبس وعلى خلفية من الواقع الرتيب، والمعيش الباهت، ما يعانيه الإنسان العربي من عنف وضياع واختلال بأمنه، واقتلاع من سكنه.

لم يترك المخرج – الكاتب السوري نص هارولد بنتر في حرفيّته لكون دلالات الكاتب البريطاني مختلفة عن رؤى حياتنا ومعاناتنا، ولو أن النص المدعوم برؤى ساري مصطفى يتلاقى معه في أسلوب خفي، ترميزي.
المونولوغ يقوم على إنسان واحد يكلّم ذاته، يبوح بهمومه إلى ذاته، لكن ثمة آخر، صامت، مقنّع، متوأم به، يمارس معه وعليه لعنة الصوت الذي يكلّمه من الداخل، يعنّفه، ويريه وجهه الصحيح.
وسام ابو صعب الممثل الشاب يلفظ حياة شخصيته المبعثرة ككتل من رماد. وحيداً على الخشبة، والكلام العبثي المشرذم، يتعاطف مع آلام جسده، ومع جنون الحركة التي تبدو للمشاهد أحيانا محاولات للانعتاق من غل كابوس الحياة. لا نشعر به ممثلا شابا على الخشبة بل إنسانا عربيا يسترجع ذكريات، عمرها حقبات مريرة يسجّلها التاريخ.
كان لا يزال بين ظل الخشبة وضوئها النائص حين تساءل أي نوع من الكلاب هو؟ هل ما يعنيه هو الإنسان التائه بلا أمان؟ قالها في بداية المونولوغ، وكأننا نسمع صدى قديما لقائل: “أرني كلبك، أعرف من أنت”. فلعلّه عندما يصرخ “أنا مراقب، حقير” أو “وحيدا ستبقى، تائها” يعود في النهاية إلى هاجس إنسانيته الملوّثة، المسحوقة: “ليتني أعرف أي نوع من الكلاب أنا”.
هذا الصامت (جوي مهنا)، المقنّع، يجيّر كلماته وحركاته لتغدو هاجسه، كابوسه. إنها الروح التي تكنّس من أمام عتبة بيته أوراق حياته اليابسة، تقلق أجواء الرجل الواقف بمفرده أمام مآسيه، مآسي شعوب بأسرها وقد تجاسر ساري مصطفى، برؤى المفكر العربي، أن يفاجئ شخصية هارولد بنتر بها، فيزيد من درامية الموضوع تصورا واحتمالات. وجوده الصامت لا يعود تدخلا وافتراء على حميمية الرجل الغاضب، المزمجر، المحدّث ذاته عن الواقع المر، بل ذلك اللامرئي الذي طالما آمنّا به، مديرا شؤون حياتنا، مخيّرا إيّانا بين السوء والخير، ونلاحق ألاعيبه في دورانه حول الرجل، الذي ردّد مرات: “أنا هنا وهناك ولا أملك جزءا من أي شيء”. وما الصمت؟! ما أجمله بلاغة وحكاً على الجروح، حين يكون صمت شعوب تعيش كل ثانية لحظة ما قبل الموت.
بين الواقع والخيال، بين الحياة والموت، يعيش الإنسان أفكاره وتجاربه في سعي دائم لتكوين ذاته، أو ليرسم خطا لديمومة تدعى الانسان. يبقى الأمل والحلم هاجسه، ليبقى الموت وحده حقيقة الحياة. إنها نبذة اختصر بها ساري مصطفى دراميته.
“مونولوغ”، وإن قطّعها مصطفى إلى شبه تأتآت، “مو.نو.لوغ”، هي المكان الوحيد الذي يحق للإنسان فيه أن يصرخ المسرح. ويبقى الصراخ حبرا على ورق، وجسدا كهلا في حال من النزاع على الخشبة، تفور من مسامه عبارات ترميزية، ترافقها موسيقى من زمن أفل، أحببناها، أم كلثوم في لمامات من أغنيتها “فكّروني”، وعبد الوهاب، وأسمهان بصوتها الشجي الجارح في “فرّق ما بينّا ليه الزمان”، غناء قديم من زمن الفونوغراف، يهفو إلى سماعه إنسان اليوم القابع تحت رحمة الحروب والنزاعات والتصفيات العرقية، إلى أن يستفيق، وهو في حشرجة الموت.
يختم ساري مصطفى هذه الدراما بلعبة حذقة تتخاوى فيها الكلمة بالصمت، والإنسان بروحه الهائمة حوله. شيئا فشيئا يدخل في النعش ويطبق عليه، حتى إذا وقف في حزمة الضوء رأيناه ذلك المقنّع الصامت. إنها صحوة الموت.

 

مي منسى

http://newspaper.annahar.com

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.