جماليات الأداء الشرقي على منصات المسرح الغربي

الثقافة الشرقية أصبحت ملاذاً للمسرحيين الأوروبيين للخروج من الدائرة المغلقة التي عجزت أن تقدم جديداً للمتفرج الغربي أو للخروج

من الأزمة التي طالت المسرح الغربي بوسائل جديدة ولغة ساحرة، يمكن له أن ينتج تجارب جديدة بدافع تقني وفني في إطار سياقات أخرى عبر توظيفها وصياغتها في أنساق معرفية مختلفة دون الحفاظ على دلالاتها وخصوصياتها الثقافية الأصلية، لذلك كان من العبث تأطير مفهوم المسرح بالشكل الأوروبي فقط إذا ما قورن مع مختلف أشكال التقليد الثقافية الأخرى. لقد آمن بعض المسرحيين في الغرب بالاختلاف كقيمة ثقافية، ولجؤوا إلى الثقافات البدائية الأصيلة كمرايا لكشف عيوب مسرحهم معترفين بأن للشرق قوته وسحر انجذابه ومحولين الاعتراف إلى استراتيجية لتفكيك الذات الثقافية الغربية، وفي الوقت نفسه كانت لقوة ثقافة الشرق وردود أفعاله دوراً في زعزعة يقينيات التمركز الثقافي الغربي مع ظهور تناقضات داخلية بوجود شخصيات آمنت بترهل الثقافة الغربية وبعقمه الإبداعي، وفقدان عفويتها وبراءتها الفكرية، فكان ماكس راينهارت أول من استفاد من تقنيات خشبة الكابوكي وخاصة الهاناميشي «ممر الورود الذي يصل الخشبة بالصالة» ما أدى إلى تغييرات كبيرة فيما يتعلق بالجوانب الثلاث للخشبة وتداخل الفضاءين، فأدرجها في عروضه المسرحية، ثم جاء ميرخولد لينقل هذه التقنيات وتصبح جزءاً من عروضه ضمن سياق المسرح الأوروبي، وكانت انتقادات أنطونين أرتو للمسرح الغربي «أول من وجه أنظار المسرحيين في العصر الحديث إلى الثقافات الأخرى مثل الثقافات الشرقية والأفريقية وأمريكا اللاتينية..» تستهدف تقويض المسرح الغربي وهدمه وتدميره، لأنه مسرح عقلاني ومادي وحواري يهمل الأشكال الاحتفالية والكرنفالية والفطرية والتمظهرات الجسدية والحركية والطقوسية في حياة المجتمعات البدائية، فلجأ إلى روحانيات الشرق وسحره وأحلامه باعتبار المسرح حلماً وليس حقيقة، ووجد ضالته في عروض مسرح بالي الراقصة التي شاهدها في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي.‏


تمرد أرتو على الخطاب المسرحي الأرسطي، وأعلن عن شعرية الفضاء المسرحي بدلاً عن شعرية اللغة، وراح يبحث عن مشهديات مسرحية مغايرة وبديلة عن المسرح الأوروبي من أجل معالجة الإنسان الغربي المستلب عقلانياً بالسحر النابع من الحركة، وهذه المعالجة الدرامية لن تكون إلا عبر تطهير روحاني وجداني يحرر الإنسان من غرائزه وانفعالاته ومكبوتاته عبر مسرح القسوة والتعرية الصارخة لاشعورياً.‏‏

يرى رستم باروشا الناقد الهندي أن لجوء أرتو إلى الثقافات الأخرى يمكن رؤيتها على أنها جزء من حاجته الباتولوجية في الهروب من الثقافة الأوروبية التي منطقت الروح الإنسانية الحرة، على الرغم من أن أرتو استخدم دائماً مصطلح المسرح الشرقي كمرادف للمسرح البولونيزي، إلا أنه استخدم هذا المصطلح للتعبير عما يبتعد عن المسرح الغربي في المقام الأول، ولم يستطع التخلص من فكرة أن الآخر أو الغيرية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسرح الشرقي. ومن المؤكد أنه خلق الشرق المتخيل به، وكما يتفق معظم المستشرقين على أن أسوأ ما تركه أرتو هو مصطلح المسرح الشرقي لأن مقياسه كان أوروبياً.‏

‏لكن أرتو لم يكن بعيداً عن هذه التصورات منذ اللحظة الأولى، تنقل بين المذاهب الأدبية والفنية من الرمزية إلى السريالية فالقسوة، وأسس نظريته على أساس الحلم السريالي الجماعي وتصورات فرويد السيكولوجية وآراء يونغ في اللاشعور الجمعي، فشغف بالظواهر الغيبية وطرائق السحر عند الشعوب البدائية وعلم الكيمياء ووسائل التنجيم وحالات الهوس والشعوذة، وانخرط في هذا العالم اللامعقول جسداً وروحاً.‏

آرتو لم يجد في الشرق إلا ما كان يتصوره هو في ذهنه، وليس الشرق كما هو على طبيعته، وقد ألهمته تلك الرقصات والمشاهدات من وضع كتاب «المسرح وقرينه» وحاول الاستفادة منها، والانتقال من العقل إلى الحلم، ومن الشعور إلى اللاشعور، ومن شكل يحطم كل الأشكال ويعيد للمسرح ألقه وسحره البدائي، متوسلاً الحركة والأداء الصامت والإيماءة والتعاويذ والأشكال البدائية، ورغم ذلك فهو يؤمن بأن هذه اللغات أقل قدرة على تحليل مشاعر الشخصية والكشف عن أفكارها، وبالتالي بدأ الانفتاح على الثقافات الأخرى ما دفع ببعض المسرحيين إلى تأسيس المسرح الانثربولوجي الذي يستمد مواضيعه أيضاً من تجارب الفنون والمسارح الشرقية القائمة على الرقص والتعبير الجسدي والحركي والسينوغرافيا. وسعى أرتو إلى الجمع ما بين الرقص والتمثيل والكلمة والموسيقا والحركة والإضاءة لإنتاج عرض مسرحي معتمداً على روح الممثل وجسده الذي يختبر العالم بعكس المسرح الغربي الذي يستند إلى الكلمة والحوار في المسرح، وقد وجد جاك دريدا في الكتاب أنه لم يضع رسالة في الممارسة المسرحية بل وضع مجموعة تحريضات أكثر مما هي مجموعة إرشادات، إنها نسق من الانتقادات تزج تاريخ المسرح الغربي في خانة التهميش بأكمله أكثر ما هي رسالة في الممارسة المسرحية. لقد زعزعت هذه التنظيرات كيان الميتافيزيقيا الغربية وذهنيتها.‏

عبّر أرتو عن أزمة الثقافة الغربية تبعاً للأجوبة التي طرحها على الثقافات الأخرى، وهذا يدل على أنه يكشف عقم الخطاب المسرحي الغربي المسكون بنموذج ثقافة مفقودة، وعدم جدواه في جذب المتفرج إليه، أي أنه لم يسع لتدمير المسرح بقدر ما كان يبحث عن وسائل ونماذج من الأشكال الفنية للثقافات الأخرى التي تعتمد على التمثيل والرقص والكلمة والإضاءة والموسيقا والحركة، وهذا المسرح موجود في المسرح الشرقي كما يتمثل في مسرح الكابوكي والنو والكاتاكالي وأوبرا بكين، فهو المسرح البديل يستخدم السحر والأسطورة في التعرية القاسية للصراعات المتأصلة في اللاوعي الإنساني الجماعي، وركز على اللاوعي الجماعي بدلاً من اللاوعي الفردي الذي انحاز إليه السرياليون.‏

رفض أرتو أن يتحول المسرح إلى مجرد تمثيل وتقليد، فأعاده إلى جذوره الاحتفالية والطقوسية الأولى كي يحرر غرائز الإنسان فيه ومن الانفعالات الموروثة ومن المشاعر العدوانية الكامنة في وعيه على مستوى اللاشعور الإنساني الجمعي، فالاحتفالات في مسرح أرتو لا تجري إلا مرة واحدة منتبهاً لعدم السقوط في فخ التكرار إذ يقول: إن المسرح هو المكان الوحيد الذي لا تتكرر فيه الحركة الواحدة مرتين.‏

يقلل مسرح «القسوة» من سيطرة الكلمة المنطوقة ويستبدلها بالحركة والجسد، يستعير الفرجات الشرقية لتطعيم المسرح الأوروبي، والقسوة هي كبت المشاعر والغرائز الإنسانية وتحريرها من قواها السلبية عن طريق تعريتها عبر القسوة الذهنية والوجدانية. خلق أرتو مسرحاً يجمع بين السحر الشرقي والمنطق الغربي في بوتقة احتفالية متناغمة بشعرية الروح واللاشعور الجمعي المتأصل في ذاكرة الإنسان، أو بالأحرى يؤكد تناقض المسرح الشرقي ذو النزعة الميتافيزيقية مع المسرح الغربي ذا النزعة النفسية ومجموعة الحركات والإشارات والوقفات «فترات الصمت» والأصوات التي تتكون منها لغة الإخراج، تلك اللغة التي تبسط نتائجها الجسمانية على شتى مستويات الوعي وفي جميع الاتجاهات، تجبر الفكر إلى اتخاذ بعض المواقف العميقة. والحركة تتدخل في مساحات لا يستوعبها إلا الحلم الذي يحمل معاني القسوة، والتي تخلق تأثيراً على المتفرج من خلال العناصر الموضوعية، إذ يمكن للمتفرج أن يدركها من خلال الصوت والصراخ والأطياف والحركات العنيفة والأفعال المسرحية من كل نوع وجمال سحري في الأزياء، مستقاة من نماذج طقوسية، وإيقاعات محسوسة في الحركات تصاعدياً وتنازلياً مع نبضات الحركات المألوفة لدى الجميع، وبالتالي فارتو يتعمد استفزاز المتفرج وإثارته بعنف داعياً إلى المشاركة السحرية في العرض، لذلك فالمتفرج الذي يذهب إلى العرض يجب عليه أن يعرف أنه يشترك بروحه وجسده.‏

يضعنا أنطونين أرتو أمام قضية مهمة أيضاً يجب الانتباه إليها أثناء تواصلنا مع الآخر، والتي نستخلصها من قوله: «نفهم أن هذه الأنثربولوجيا المدخرة إلى التوق للماضي، يمكن أن تسخر المسرح مسكوناً بالنوع البدائي والعودة إلى الأصول، متطلعاً نحو الخارج ونحو الآخر كمحاولة لإيجاد دواء لأزمة الأشكال المسرحية التي هي في الوقت نفسه مدركة كأزمة لكل الثقافة الغربية».‏

إضافة إلى الاعتراف بأن معرفة الذات تبقى ناقصة من دون الآخر، وهكذا فإن المسرح بالنسبة إليهم لم يبق في إطار الممارسة الفنية بل تجاوزها إلى الممارسة الفكرية والثقافية.‏‏

تأثر الكثير من المسرحيين الغرب بتنظيرات أرتو مثل ستانسلافسكي وبريشت وباربا وغرتوفسكي ومايرخولد نوعاً ما، رغم أن أرتو لم يستطع تطبيق نظريته على المستوى العملي، لكنه أثر على مسرح بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة مسرح العبث والمسرح الاحتفالي العربي والمسرح الطليعي تأثيراً كبيراً صياغة ودلالة عبر مسرحه الذي سماه بمسرح ألفريد جارى. يقول جاك دريدا في كتابه «الكتابة والاختلاف»: أريد أرتو أن على المسرح الغربي الذي يجهل خصوصية المسرح أن يطلب من المسرح الباليني درساً في الروحانيات. هذا الانجذاب نحو الروحانيات الشرقية لم يكن شيئاً طارئاً على شخصية أرتو وهو الذي عاش تجربة الجنون وعرف باهتمامه بالأديان والفنون الشرقية واشتهر بإيمانه إلى الاتجاه السريالي.‏

إذاً مادام الآخر يبحث عن حل لأزمته لدى الثقافة العربية أو الثقافات الأخرى، ولدى المجتمعات الشرقية بصفة عامة التي تتوفر على طاقة روحية تفتقر إليها المجتمعات الغربية، فلا بد أن ندرك أننا يجب أن نجتهد في تفجير الطاقات الروحية والفكرية والجمالية الكامنة في ثقافتنا ومجتمعنا، وأن نبحث بدورنا في ذواتنا وذوات الآخرين عن ما يحقق لنا تميزنا وخصوصيتنا، من دون أن ننصهر في القوالب الجاهزة ومن دون أن نشعر بعقدة التبعية والهيمنة المسرحية، وكما قال مهاتما غاندي ذات يوم «أفتح نوافذي لكل ثقافات العالم وأرفض أن تقتلع جذوري».‏

 

 

عبد الناصر حسو

http://thawra.alwehda.gov.sy/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *