أخبار عاجلة

سلطة المسرح ومسرح السلطة في العراق-2

أصبح للسلطة رقيبها الأدبي والفني، لجنة مكونة من الفنانين وآخرين الذين ينتمون لحزب السلطة وأعلامها، مهمتها إجازة النصوص والعروض، قبل تقديمها للجمهور، حسب

توجهات السلطة، منعت سلطة الرقيب او الرقيب السلطوي عشرات النصوص والعروض الجادة والجريئة، المؤلفة منها أو المعدة أو المعرفة، أو حذفت أجزاء مهمة من مشاهدها وحواراتها، ، وهذه اللجنة تعطي صك الغفران بكتابة عبارة ” صالح من ناحية السلامة الفكرية”  على كل نص يقدم للجنة بعد قراءته. و”السلامة الفكرية” هي التي تهدد السلطة، أي أن النص لا يتعارض مع توجهات السلطة، أو بمعنى آخر لا يحتوي شيئاً ضد توجيهات الحزب، لذلك منعت عروضا مسرحية في ليلة عرضها الأول او بعد مشاهدتها من قبل اللجنة، او رفضت كنص منذ البداية، او تطالب اللجنة بتغير بنية النص وخطابه. لكن مع سلطة الرقيب بدا المسرح العراقي يكتشف الياته الاشتغالية الخاصة بواسطة رموز وعلامات خاصة به، خلق بواسطتها لغة ثالثة او لغة وسيطة بينه وبين المتلقي.
جيل جديد…. جيل الحرب
تقول مارغوري بولتن: “لابد من أنْ نربط جميع التمثيليات بالبيئة التاريخية التي كُتِبت فيها – هذه البيئة تشتمل على مسرح زمن التمثيلية، ومقاييس هذا الزمن الفنية والجو العام الذهني والأدبي – وبالأحرى الخلقي،…”.
، لكن في عروض المسرح العراقي في زمن سلطة الرقيب او الرقيب السلطوي، لم تخضع لهذا المفهوم، كونها سعت لايجاد خصوصيتها المسرحية، من خلال اسقاط النصوص المسرحية على الحالة العراقية، ولهذا إن قراءة مستمرة لعروض المسرح في العراق خلال السنوات الماضية تشير لتفوق المسرح في صراعه الأزلي مع السلطة، وهنا نقصد الإبداع. 
فقد ظهر جيل آخر في الساحة الفنية في الثمانينات وتشكلت تجربته في النصف الثاني من الثمانينات، لكن هذا الجيل انتهج خطاً خاصاً به وهو الاحتجاج على الوضع السياسي ورفضه للحرب الأولى والحروب التالية. وبما أن كل شيء ممنوع عليك إظهار الولاء للحزب الواحد والقائد الأوحد، وبعكس كل ذلك فإن مصيرك المقصلة باعتبارك خائنا. ولهذا كانت تجربة هذا الجيل من المخرجين الشباب تجربة تستحق المتابعة والدراسة لأنها ثورة على ما هو سائد آنذاك. عروض أتسمت بالجرأة والتحدي، اضافة إلى الجانب الفني الذي يدل على وعي كبير يقف وراء هذه التجارب المسرحية. جيل ولد في أحضان حروب السلطة الدموية، إذاً لابد أن تترك هذه الحروب تأثيرها عليه على كافة الاصعدة، سواء كانت فكرية أو نفسية أو حتى مادية. لهذا نرى أن هذا الجيل قد صب جام غضبه على السلطة من خلال المسرح لأنه متنفسه الوحيد ، بعد ان خلق ادواته الجديدة في الاحتيال على السلطة، وفيها يمارس كل حريته ، وكأنه يناظر سارتر عن بعد عندما سأل عن مفهومه للحرية وفرنسا تحت الاحتلال النازي، ذكر سارت “كنت أتمتع بحرية أكبر في زمن الاحتلال النازي، لأننا كنا نعبِّر عن حريتنا بطريقة أخرى كلها رعب وفزع مخافة من اكتشاف أمرنا من خلال كتابتنا لشعارات معادية للنازية على الجدران بالقرب من القوات الألمانية. هذه هي الحرية الحقيقية”. كانت العروض المسرحية تحت الاحتلال البعثي- الصدامي للعراق أشبه بحالة سارتر أثناء الاحتلال النازي لفرنسا. كانت هذه العروض تعبِّر عن حريتها بتأويلات بعيدة عن أنظار عسس السلطة.
أخذ الشباب بتشفير كل شيء على المسرح وإعطائه تأويلا يعكس الحالة العراقية والواقع السياسي في العراق، حيث اتسمت الكثير من العروض بقصدية الإسقاطات السياسية، وتحميل العرض المسرحي علامات تدين النظام ورموزه، وتلعن الحرب وويلاتها، هو مسرح الغضب العراقي، الذي يشابه حركة الشباب في انكلترا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث” يعد مسرح الغضب جزاء من حركة الشباب الغاضب التي ظهرت في انكلترا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد صار تيارا يحاول التجديد على مستوى الشكل، لكنه يقترب من التيار الواقعي في المضمون ..”   نشاهد ذلك في عروض مسرحية، تجاوزت قراءتها لخطاب النص الدرامي، وإخضاع منظومتها الدلالية على الواقع العراقي.. 
و في التسعينات بعد حرب الخليج الثانية، كان المسرح مطية للسلطة، وليس كل العروض بالتأكيد ولكن أغلب تلك العروض. حيث كانت تلك العروض المسرحية ذات توجه تعبوي بحت.  وقد سارت على نهج الخطاب السلطوي الذي يؤكد على:
• قضية الحصار وتأثيرها على الشعب العراقي.
•  إدانة الهجرات الجماعية لأبناء العراق.
•  العزف على وتر الحنين والعودة إلى الوطن بالنسبة للمغتربين.
كل هذا ضمن التوجه الإعلامي الذي تبنته السلطة. إذن يتضح أن السلطة في مرحلة الثمانينات كانت قد روَّجت للمسرح التجاري الاستهلاكي كوسيلة ترفيهية، دخول الغجر الى المسرح ، وكذلك المنتجين الذين ليس لهم اية علاقة بالمسرح سوى الربح المادي واشياء اخرى، كل هذا كان على حساب الفن وحساب المسرح التقدمي المتطور، ذو الرسالة الإنسانية العظيمة. وفي التسعينات كثفت السلطة من دعمها للمسرح التعبوي، بعد أن هاجر أكثر من ثلاثة ملايين عراقي لأسباب شتى، منها سياسية، اقتصادية بسبب الحصار الذي فرض على العراق، بعد غزو العراق للكويت، تفاقم الكبت، واللا جدوى الذي يعيشه الفرد العراقي، جراء سياسة حمقاء دمرت البلد.
رغم الثورية التي امتاز بها المسرح بالعراق، لكنه لم يسقط السلطة، بل ظل مشاكسا لها. لان السلطة لاتسقط بعرض مسرحي،  السلطات لاتسقط إلا بالدبابة الامريكية.
الثورة لا تنتج مسرحا ، تداعيات الثورة تصنع الابداع ، المظاهر الاجتماعية التي سعت للثورة هي التي تنتج علامات للتغير وليس المسرح ، فلم يخبرنا التاريخ المسرحي عن عرض مسرحي غير السلطة في بلد ما ، غيرها جسد بوعزيزي التونسي الذي اصبح رمزا لحرية الانسان وكرامته، رمزا للثورة ، بل علامة لحرية الفرد و تحقيق مصيره بيده، لا بيد السلطة، وغيرتها ملائكية نيلسن مانديلا وصبره سبعة وعشرين عاما في زنازين الدكتاتورية في جنوب افريقيا. غيرها الثائر العراقي شعلان ابو الجون الذي قاد ثورة شعبية ضد الاحتلال الانكليزي في عشرينات القرن الماضي . وهناك الكثير من الاثباتات على ذلك في معظم بلدان العالم. لكن تبقى الثورات والحروب مُصدّرا للافكار الثورية والتنويرية، التي يسعى الادب والمسرح لإعادة كتابتها بشكل جمالي. ويجتر منها المسرح طرائق جديدة للاشتغال، مناهج وفق تداعيات الخراب.
وماذا بعد الثورة؟ ماذا بعد الحرية ورحيل الدكتاتوريات؟ ماذا سنقدم نحن المسرحيين المهووسين بمشاكسة السلطات؟ هل سنجتر علامات جديدة لأعمالنا المسرحية؟ كيف سنحتال على الرقيب السلطوي الذي غادر بلا رجعة؟ إنها جدلية صعبة الفهم، على الاقل بالنسبة لي، لكني أفهم خوفي على المسرح من الدين والاحزاب بشكل جيد.

 

أحمد شرجي

http://www.almadapaper.net/

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.