أخبار عاجلة

عبدالحق الزروالي: المسرحيون العرب يعيشون عقدة الشعور بالانبهار أمام كل ما هو غربي

هو ممثل مسرحي و مؤلف و مخرج وسينمائي وشاعر مغربي يسكنه الإبداع فيتمثله منذ أكثر من نصف قرن. ينحدر من مدينة فاس المغربية ليصول و يجول، مستمدا شخوص مسرحياته من واقع مغربي محلي ليمتدّ إلى عالم عربي مثقل بالمآسي و الإستبداد و تكميم الأفواه و تجفيف منابع الإبداع، لتجد أعماله نجاحا كبيرا أينما حلّ و صعد على خشبة المسرح، يسرق أضواء التظاهرات، فتحوّل إلى ظاهرة مسرحية فريدة: إنه عبد الحق الزروالي.

 

 

الزروالي، واثق من قدرته على التغيير من خلال تجربة مليئة بالإبداعات، رجل خبر المسرح فخبره، شخصية فريدة فعلا من خلال نرجسية عالية، فهو لا يعترف إلا بنفسه، يصعد على الركح فيمثل و يرقص و يغني، ويبكي فيبكي. لا يعترف بمخرج أو ممثل أو مصمم للأزياء، إنه كل هذا، وقد نجح فعلا في تجسيد كل هذا خلال مسيرة فريدة. إنه المسرح كله.

تفاعل مع الأحداث و المتغيرات على الساحة العربية، فكانت مسرحيته الأخيرة “انقب و اهرب” امتدادا لآختيار العروض المسرحية الفردية، رجل فاته القطار في المحطة فراح يسرد مواقف و ووقائع في قالب يمزج بين الكوميديا و النوستالجيا.

“إيلاف” التقت أخيرا المبدع المسرحي المغربي عبدالحق الزروالي وحاورته فكان هذا الحوار:

المسرحي عبد الحق الزروالي غني عن التعريف، ولكن حدثنا عن تجربتك الطويلة، وموقعك بين التجارب المسرحية العربية و العالمية؟

أن تتحدث عن نفسك فهذا غرور و هذه نرجسية فأنا لم أختر المسرح ففي عام 1961 وعمري تسع سنوات، كان أحد أصدقاء العائلة في مدينة فاس اختارني لتأدية دور في مسرحيته.. سألته بعد ذلك عن السبب، فقال إنه رأى في شكلي و نظراتي و طريقة لعبي مع أطفال الحي..وبالتالي فالمسرح هو الذي اختارني و العلاقة مع المسرح لا يمكن أن تبنى على عشق من طرف واحد.. كنت أحبذ أن أكون ملاكما لكن هل أصلح لذلك.. ( طبعا لا ).. كنت أحبذ أن أكون.. لكن كل مخلوق لما خلق له، فالمسرح التقطني على فطرتي.. ومنذ 1961 تراكمت في تجربتي أكثر من 15 عملا جماعيا، في شكل ملاحم و أعمال تلفزية وأغان و أكثر من 26 عملا فرديا، فالتجارب الإبداعية الكبيرة يمكن أن تتغير مع تغير الذوق في هذا العصر، بل يمكن أن تتوقف إذا لم تكن ماسكا بناصية الإبداع.. أجيال وأجيال طيلة أكثر من نصف قرن من الإبداع..

و بعد هذه المسيرة التي تجاوزت نصف قرن، ماذا حقق عبدالحق الزروالي؟

الحمد لله لقد حققت كل شيء..وعندما أراجع لائحة الأسماء التي مرّت خلال مسيرتي أو قبل ذلك من جيل الرواد إلى جيل القنطرة ومنه إلى جيل الأمل الحالي، أسماء عديدة انقرضت بالرغم من أنها كانت أكثر كفاءة مني إلى جانب الظروف المادية والإجتماعية و المهنية التي كانت متوفرة لهم ورغم ذلك لم يتمكنوا من مواصلة الطريق بينما كنت أعزل من كل الأدوات حتى تعرضت إلى حروب من أطراف عديدة.. ففي المهرجان المغربي الأخير للمسرح تحصلت على كل الجوائز، والآن مع شباب المعاهد ومع البحث و التجريب و التطورات الحديثة ورغم ذلك أنا لا أتباهى فأنا الآن داخل الملعب، ولا أحد يمكن أن يزايد عليك و بالتالي فقد أعطاني المسرح كل شيء لكنه في نفس الوقت أخذ مني كل شيء..

عرفنا ماذا منحك المسرح، فماذا أخذ منك؟

أخذ مني الحياة بمفهومها التقليدي العام الذي يعيشه المجتمع، لقد وجدت نفسي مجبرا أن لا أجد دقيقة للتفكير في أي شيء آخر غير المسرح وهذا يضرّ بعلاقاتي بالأسرة و لا يعطيني المجال للإهتمام بنفسي، فقد ابتلعني المسرح حتى أنه أعطاني كل شيء في هذه التجربة،التجربة التي تحولت إلى مضرب للعشق و الكفاءة، فقد عرضت في القدس الشرقية و في الخرطوم و بغداد و دمشق و إيطاليا و جينيف و مدريد.. فأنا أقول أنّ هذا المسرح الذي أرهقني وأخذ مني كل شيء.. القضية هي إثبات وجود حتى قال الناس إنه حالة استثنائية، إنه غير طبيعي في ظل الإكراهات التي يعيشها المسرح في بلادنا، واستطعت أن أواصل في ظل هذه الإكراهات و الصعوبات و العراقيل.. فهذا شيء من الله..

عبدالحق الزروالي جمع بين التمثيل و التأليف و الإخراج، فهل من السهل تحقيق ذلك؟ و كيف تدرجت لتحقيق ما حققته؟.

تجربة فاقت النصف قرن جمعت كل شيء، بدأت كممثل و اشتغلت مع عدة مخرجين، وكنت و أنا كممثل أحاول أن أفهم معنى الإخراج وتعاملت مع نصوص عربية وعالمية كثيرة و عندما كان يسند إلى دور لم أكن أريد أن أكون فوق الخشبة ممثلا ببغاء يردّد ما كتبه الآخر و كنت أتمعن في كل كلمة أحسّ بها و أعطيها جرسيتها و معناها وأبعادها وهو ما جعلني أتفاعل مع الكلمة وبالتالي كان التدرج من الممثل إلى امتلاك أدوات الإخراج ثم مررت بالصحافة بأنواعها و اشتغلت بها تسع سنوات وكانت لي إشراقات ليلية مباشرة في الإذاعة فأنا مهووس بالقراءة وبدأت الكتابة تلحّ عليّ ولست أنا من كان يجري وراءها لأصبح كاتبا و إلى حد الآن أصدرت 12 كتابا و 10 نصوص بالإضافة إلى رواية و ديوان شعر ” نشوة البوح “.. فالعمل المسرحي لا يجزّأ بالنسبة لي لا يمكن أن تكون ممثلا و لا تتبين معنى كتابة النص و لا يمكن أن تكتب نصا و أنت لا تفهم في الإخراج و لا يمكن أن تفهم معنى الإخراج و أنت بعيد عن الكتابة.. و الفصل التقليدي السائد في العمل المسرحي هو لتخفيف الأعباء وتقسيمها بين الممثلين و لكن إذا توفر الظروف للتظهر كل هذه العناصر في شخص واحد فهو الأنسب فأنا أكتب وكأنني أخرج.. والكتابة للركح وليست الكتابة هنا للقراءة فالكتّاب للقراءة كثيرون ولكنك قد لا تجد في إنتاجاتهم عملا للمسرحة..

وهذا ما يحيلنا إلى التالي: النص المغربي و التونسي و العربي عموما يعيش هيمنة النصوص الأجنبية و المقتبسة، فهل يعيش المسرح العربي مرحلة اقتباس؟ وما سبب غياب النص، هل لحالة غياب الحرية و لجم الأفواه الحرّة القادرة على الإبداع؟.

اختيار النص المسرحي يعود إلى الجرأة السياسية التي توجد في مضمون النص الأصلي وهي متوفرة في المغرب على عكس عديد الدول العربية، فاللجوء إلى النصوص العالمية لا ينفي قيمتها كنصوص ذات قيمة عالية ولكن نجد فيها عقدة الإنبهار بالآخر فقد تجد كاتبا جيدا في أقطارنا العربية ولكن الفرق المحلية لا تتعامل معه ولكن ليس هناك أسماء كثيرة قادرة على كتابة النص المسرحي أمام عقدة الشعور بالإنبهار أمام كل ما غربي وليس انتصارا للمسرح وبالتالي يقع التهافت على هذه النصوص و إغفال النصوص المحلية ربما لا تقل قيمة عن النص العالمي.. أنا شخصيا كنت كتبت نص ” عصف الروح ” التي تحصلت بها على جائزة كبرى في التأليف عام 1997 كتبت في المقدمة ما يلي:” شكسبير، برشت، موليير، أسماء شكلت أضلاع مثلث يصعب اختراقه، لكي نحوّل المثلث إلى مربع أهديكم ( عصف الروح ) ” من بين 20 كتابا سال لعابهم على القيمة المادية للجائزة قبل أن يسيل مدادهم أقلامهم، لذلك فأنا كنت واثقا من الفوز بالجائزة لأني كنت أكتب للمسرح فقط.

أما الرقابة، وأقصد المغرب، فهي غير موجودة فعليا، ولكنهم متجسدة ضمنيا، فعندما تفقد المسرح و الأدوات وشروط العمل الإبداعي الحقيقي، أنت معرقل فعلا..

حالة الإقتباس التي يعيشها المسرح العربي، ألا ترى أنها قد تجعل الشعوب العربية تعيش حالة من التبعية والإستيلاب وربما فقدان المسرح لمرتاديه أصلا.؟.

لقد تم تمرير فكرة الإقتباس من خلال المؤسسات الرسمية لتحجيم دور الكفاءات الوطنية ولتناول قضايا لها علاقة بالآخر دون أن تكون نابعة من واقع المجتمع كما أن المراكز الثقافية الغربية في كل أقطارنا العربية لها ميزانيات تفوق ميزانيات وزارات الثقافية العربية وبالتالي فهي تكون و تشجع المثقفين العرب وتغدق عليهم الحوافز من أجل ترويج أعمالهم شريطة التعامل مع أعمال موليير و شكسبير و غيرهما فيتهاتف الشباب المتخرج حديثا من الجامعات على هذه المراكز التي تحتويهم في ظل غياب دور أكيد لوزارات الثقافة العربية..

وكيف يبدو لك راهن المسرح العربي؟

في حالة سيئة جدا لأن هيمنة الفنون الإستعراضية ووسائط الإتصال والقنوات وهيمنة القنوات الرياضية التي تبث مباريات كرة القدم كامل اليوم فتصبح حديث الشارع وداخل الإدارة، فإذا أردنا أن نبرمج عرضا مسرحيا علينا أن نعرف هل ستتزامن مع بث لمباراة في كرة القدم حتى لا تبقى لوحدك على خشبة المسرح.. و المسرح بالتالي لا يمكن أن يساير الذوق السائد وتدني القدرة الشرائية و انعدام الأمن في المدن وهيمنة قيم جديدة تحاول أن تعيدنا على الوراء بشكل كبير على كل المستويات، وكل هذه العوامل تضعف رسالة المسرح في المجال الإجتماعي وهاجر الممثلون إلى المسلسلات المدبلجة و الأفلام و الأعمال التجارية بأقل تعب و أكثر ربح ولم يبق بالتالي في المسرح سوى قلة من العشاق والمهووسين فقط…

على غرار عبدالحق الزروالي..

نعم، ولو أني في السنوات الأخيرة بدأت هذه الأمور تستهويني ولكن للضرورة وليس اختيارا.

في مسرحيتك ” كرسي الإعتراف “، بماذا اعترف الزروالي بعد نصف قرن من الإبداع؟

اعترفت بكل شيء، أحيانا أحسّ بخطإ وجودي في المكان و الزمان، اعترفت بكل مصادر القوة والضعف والإكراهات، اعترفت بغربتي، لأن المبدع الحقيقي في ظل الظروف المحيطة به يصبح نشازا و يقاوم بشكل يومي كأنه محارب لا يستريح للحظة.. إلى جانب الإعتراف برحلة إدانة لكل المعاناة التي واجهتني، فأنا قد ألبست نفسي كل هموم الكون فأحكي عن كل الأسماء التي تركت بصمات و لكنها تعرضت إلى المحن شبيهة بنفس مسار الحياة الإبداعية التي خضتها طوال أكثر من نصف قرن فأجد نفسي أقتات، أتجول مثل النحلة ضمن مجموعة من المحطات و الأزمنة في السياسة و الثقافة والإبداع عموما لكي أشكل قطرة عسل كما النحلة تقطع يوميا 13 كلم في حديقة لا تتعدى مساحتها المئة مترا مربعا.. وهذا هو كرسي الإعتراف.. لأن في المسرح الفردي أو المونودراما لا يمكن أن تبقي الجمهور إلا بالنجاح التام وطوال زمن العمل المسرحي و دون إبداع ستبقى وحيدا على خشبة المسرح فالجمهور لا يرحم..

في ” كرسي الإعتراف ” طرحت قضايا يعيشها العالم العربي من خلال حسرة على الواقع الراهن وتفاعل مع القضايا القومية دون السقوط في المباشرتية، فكيف يبدو لك الوضع العربي الراهن؟.

زرت تونس عام 1984 بمسرحية ” رحلة العطش “، وهي عبارة عن ربيع يبحث عن ربيع ثان من مراكش إلى تونس ومنها إلى دمشق ثم القيروان و تلمسان و.. و تنبأت بكل ما حصل الآن و الكتاب مطبوع وموجود وما على من يريد التحقق من ذلك أن يعود لقراءته.. فالمبدع ليس هو الذي يلاحق الأحداث بل هو الذي يتنبأ و يحقق لهم المكاسب فهو القاطرة التي تجر العربات، فالمبدع الذي ينتظر الأحداث لكي يستثمرها لا يمكن أن يكون كذلك.. أنا الآن في تونس العاصمة أتجول في شارع بورقيبة فأرى تمثال ابن خلدون يحمل مقدمته فأقول له ما هذا الذي بين يديك يا ابن خلدون.. ارحل يا ابن خلدون، ما حاجة الناس إلى مقدمتك في زمن الإهتمام بالمؤخرات.. ستسقط يوما.. الجمال لا يجزأ و الإبداع لا يفسّر..

في مسرحية ” انقب و اهرب “، هل فاتك القطار فعلا، هل هو الحنين إلى الماضي؟

أنا أعتز بالحنين إلى الماضي لأنه مرجعي و يمدّني بإشارات تدلني على المستقبل في ظل هذه الحمولة المرتبطة بالماضي، وفي سن الستين يعتبر الحنين إلى الماضي شيئا طبيعيا وهو الملاذ الأخير ما دام الحاضر لا يرضيني والمستقبل لا يجعلني متفائلا..

يبدو أنه تعيش في غربة بعد أن ” فاتك القطار “؟.

أنا غريب فعلا..

وفيم تتمثل غربتك؟

أنا أشتغل على المسرح الفردي و لكني لا أريد أن أبقى وحيدا

لكنك على الخشبة دائما تكون وحيدا بالرغم من صعوبة المونودراما..

العمل على المونودراما قاس جدا و من اعتمد هذه الطريقة قد يكون انتحر أو ابتعد بينما أنا اشتغلت على أكثر من 26 عملا فرديا.

ولكن لماذا اخترت هذا النوع الصعب من الإشتغال على خشبة المسرح؟

ليس في المسألة نرجسية بقدر ما هو اختيار في ظل وجود مسرح مغربي يعيش العشوائية وتجد صعوبة كبيرة في أن تواصل في النهج الذي سطرته لمسيرتك، فما تريد إيصاله إلى الجمهور يعوزك الطريق السّيّار الذي يوصلك على تحقيق ذلك فإذا أردت أن تسير بسرعة كبيرة لثقتك في مقدرتك بينما الحفر تملأ الطريق و هو ما يؤكد غياب الشروط الموضوعية للبناء المؤسساتي، والسبب بالتالي موضوعيا وهو بعيد عن النرجسية أو الذاتية.

لك أعمال تلفزية على غرار مسلسلي ” كدت أراه “، و” مشموم “. فكيف تقيم هذه التجربة؟

مساهماتي التلفزية كانت قليلة وهي عبارة عن ثلاثة مسلسلات و أربعة أفلام تلفزيونية وأكثر من عشرين مسرحية، ولكن للتلفزيون دورا كبيرا ففيلم ” موش عيب ” بث سبع مرات في ثلاث سنوات وفي أوقات الذروة بإلحاح من عدة جهات فآكتشفت أنه إذا لقي فيلم واحد نجاحا خاصا يمكن أن يعوّض لك نصف قرن من العرض على خشبة المسرح وجمهور قد لا يتجاوز مليون شخص لكن في فيلم خلال ساعة و نصف يمكن أن يشاهدك خمسون مليون مشاهدا وهذا هو الفرق و بالتالي فالتلفزيون هو أخطر سلاح في هذا العصر والإبداع وحده لا يكفي..

روايتك ” الريق الناشف ” ماذا أضافت لك؟.

الكتابة للمسرح الفردي تكاد تقترب إلى حد بعيد مع أسلوب الرواية ففي المسرح أنت تحكي عن شخوص و أحداث وحالات فهناك المحكيّ و هناك المجسد ولذلك لم أجد صعوبة في كتابة الرواية، وفي الواقع لم أكن أحلم في يوم من الأيام بأن أكون روائيا إلا أنّ سنة 1979 كنت في بغداد ومن حسن حظي التقيت من الروائي الراحل عبد الرحمن منيف وهو في تقديري رائد الرواية العربية في القرن الماضي كما إشارات ابراهيم الكوني حاليا كما المرحوم الطيب صالح في مرحلة من المراحل هم ظواهر.. وفي بغداد كنت ألتقي عبد الرحمن منيف يوميا ولمدة ثلاثة أشهر تقريبا وكنت أعمل على إجراء مقابلة معه للملحق الثقافي لصحيفة العلم التي عملت بها حينها، وفي كل مرة كنت أستعد لإلقاء الأسئلة كان عبد الرحمن منيف يأخذ دوري ويسألني عن كل شيء في المغرب وكنت أجيب وأنا مزهوّ بذلك، ولكن قبل أسبوع من عودتي إلى المغرب سألته ما الأمر، فقال ضاحكا:ألم تكن عارفا بما كان لي معك، أنا من خلالك كأنما عشت في المغرب، فمن حقي أن أستفيد منك لأن أسلوبك في الحكي و الوصف رائع، لقد زودتني بمعلومات لم أكن لأعلم بها حتى لو قرأت كتبا و دراسات عن الوضع السياسي في المغرب وعن تاريخه و ثقافته.. وأنا من حقي أن أختبرك لأني لا أجري مقابلات مع أي طالب لها، يهمني أن أجري حديثا مع من يمكن له أن يضيف لي شيئا.. وسألني: ألم تجرب كتابة الرواية؟ فقلت في نفسي بعد ذلك إن هذا السؤال من رائد الرواية العربية ليس اعتباطيا، وبالتالي بدأت أتلمس إمكانية السرد وتجرأت أخيرا على الكتابة.. وبعد ربع قرن من لقائي بعبد الرحمن منيف صدرت روايتي “الريق الناشف”.

كيف تقيم التجربة المسرحية التونسية من خلال مشاركتك في العديد من التظاهرات المسرحية في تونس؟

لقد عرف صراع الريادة على الحركة المسرحية في العالم العربي منافسة شرسة على مستوى التنظير و الممارسة خلال القرن الماضي، وإن كانت مصر تقود الهيمنة على المسرح العربي فبعض الأقطار الأخرى على غرار العراق و سوريا و لبنان، ثم المغرب وتونس في إطار إيجاد توازن بين المغرب و المشرق. وكان لتونس دور كبير في ترسيخ و تطوير الفعل المسرحي بإنجاز أعمال ذات صيت عالمي على غرار تجرية علي بن عياد المسرحية. ومن خلال زياراتي إلى تونس منذ 1974 كانت لي فرصة معاينة التجربة المسرحية التونسية انطلاقا من مسرحية ” ثورة الزنج ” لعز الذين المدني و المنصف السويسي سنة 1983، ثم اطلعت على عديد التجارب التي تجعلني متأكدا من ريادة الحركة المسرحية في تونس و خاصة على مستوى الشكل و المشاركة النسائية نتيجة الحقوق التي تتمتع بها المرأة التونسية مقارنة بغيرها من النساء العربيات..

الأكيد أنك اهتززت كأي عربي لما حصل في عدد من البلدان العربية من تحولات سياسية واجتماعية، فكيف بدت لك هذه التحولات وكيف عبرت عنها في مسرحياتك.؟.

العمل الذي أشارك به الآن في تونس هو ” انقب و اهرب “، وهذه الحركة هي بمثابة البركان لأن للربيع رمزيته.. وهذه التحولات كرد فعل لأننا الآن لا نمارس الإبداع كفعل وحتى السياسة لا نمارسها كفعل، بل تكون التحولات السياسية دائما عندنا كردود فعل و ردّ الفعل دائما يكون مشوبا بالتشنجات و الإنفعالات وأحيانا تكون الخسارة أكبر من جوانب الربح، وتكون ضحايا كما يحدث حاليا في سوريا وبالتالي لا بد من التريث و عدم الإستعجال و العبرة بالنتائج فماذا سيحصل بعد سنتين أو ثلاث.. ولا يمكن الآن الحكم على البديل لأنه يعيش حالة مخاض وبالتالي لا يمكن الحسم في ذلك من موقعنا كمبدعين وما حدث هو خسارة كبيرة للمبدعين لأن المسرح هو الكوميديا والتراجيديا، وما يحدث في مصر و ليبيا و العراق وسوريا وتونس يجعلني أطلب من كل المبدعين التريث لمدة لا تقلّ عن عشر سنوات، لأنني غير قادر على عمل كوميدي لشعب حزين ومغبون ومصدوم.. ولا يمكن أن أقنعه بالتراجيديا لأنه استنفذ دموعه في الخراب الذي يعيشه يوميا فالواقع أصبح أكثر غرابة من الخيال وبالتالي فالإبداع يعيش ورطة الآن.

تحدثت عن البديل، فهل يخيفك البديل في هذه الثورات العربية؟

مهما كان البديل سيئا لن يكون أسوأ مما كنا عليه من سوء، وهل كنا بخير حتى نندم على هذا التغيير، لقد كنا دائما نعيش أزمة تلامس كل شيء في حياتنا، الأزمة كانت ملاصقة لكل أصناف الإبداع، والعربي تعود على المحنة فأصبح يتمتع بمناعة ضد كل الأزمات و القمع و الإستبداد وكل أنواع الإكراهات..فخبراء العطور إن أجمل أنواع الزهور تنبت في المزابل.. وأنا لا أخاف إلا من نفسي حيث أقول في ديوان شعري:” لا أخاف إلا من نفسي، ولا أرتاح إلا أمام المرآة.”.

الزروالي لم يترك مجالا إلا وأبدع فيه، فما أجمل ما كتبت شعرا؟.

كنت في قاعة الإنتظار في مطار روما فجلست بجانبي راهبة جميلة جدا بلباسها الأبيض وقالت: ربي ما جئتك بالقوة وهذا موجود في الإنجيل فقلت لها: من أين؟ فقالت: مسيحية لبنانية (وقد اعتقدت أنها إيطالية)، فقلت: ما معنى هذا الكلام؟ فقالت: إن السيد المسيح يقول ذلك عندما يهمّ بالجلوس ثم سألتني: أنت مسلم فقلت: نعم، فقالت: هل عندكم في القرآن ما يعادل هذا الكلام ” ولا تمشوا في الأرض مرحا “، وفي الحال أخذت أوراقي وكتبت قصيدة قلت فيها:

يا امرأة قال ربي، إني وضعتها أنثى

وقلت ربي، ما جئتك بالقوة فلا تشهد على ضعفي

هو ذا كفي وسط كومة ثلج

فدعيني، يا امرأة ألامسك بالكف الأخرى

لتري كيف يصبح الثلج جمرة

أيتها المرأة المتعبة،

أيتها المرأة المتعبة،

إياك أن تعتقدي ما بيننا مجرد دعابة

إياك أن تكوني في صيف سمائي مجرد سحابة

كوني نارا،

إن شئت اشتعلي،

فأنا طين الله، كلما احترق ازداد صلابة.

 

 

محمد بن رجب

http://www.elaph.com/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.