أخبار عاجلة

سلطة المسرح ومسرح السلطة في العراق

عندما نتحدث عن المسرح والسلطة ، فإننا بلاشك نتحدث عن الثورية في المسرح والتي تسعى للكشف عن المسكوت عنه في المجتمع. وفقا لذلك سعى المسرح لخلق الياته الاشتغالية الخاصة لتلك العلاقة الجدلية فهل مهمة المسرح ان يغير السلطة؟ ام ان مهمته الرئيسة

 

جمالية، محفزة، مشاكسة؟ لماذا نحمل المسرح كل خيباتنا السياسية ، لماذا نريد من المسرح ان يتحول الى منبر للخطب السياسية؟ وهنا اعني العروض المسرحية المنبرية.  وهنا  نسأل : ألم يكن المسرح الاغريقي مع يوربيدس مسرحا ثوريا ضد السلطة الدينية، بعد ان ازال الالوهية من شخصياته الاغريقية ، وجعلها شخصيات حياتية تتحدث بلغة الفلاح والإنسان البسيط، بعد سيطرة الخطاب الديني على مجمل منجز سوفوكلس واسخيلوس.
التطور الذي أصاب الفن والأدب بكل مفاصله بعد الثورة الرمزية التي قادها الفرنسيون أمثال( مالارميه، ريمبود،فرلان، وبودلير) أواخر القرن التاسع عشر، والتي كانت ثورة على المذهبين الواقعي والطبيعي، وحقيقة الأمر هي ثورة ضد الطبيعة والواقع، وان الحقيقة لاتبدو في صورتها الصادقة إلا في عمق الأشياء وليست تحت سطحها.
في المسرح الحديث قتلت السلطة/ الثورة فيسفولد مايرهولد، لأنه نأى بمشروعه المسرحي بعيدا عن الثرثرة والشعارتية ، رغم إنه ابن الثورة، وبهذا تحققت نبؤة ماركس بأن الثورة تأكل أبناءها؟ اراد  مايرهولد لمشروعه ان يكون مشروعا جماليا خالصا، بعيدا عن الخطابية،  وليس تعبويا ، يساهم بصنع دكتاتورية جديدة، فلقى حتفه على يد رفاق الامس. ذهبت السلطة ، وظل مايرهولد واحدا من أهم الانتقالات الجمالية المهمة في المسرح العالمي. السلطة نفت برتولد بريخت فأنتج لنا اهم النصوص المسرحية التي تنتج سنويا على معظم مسارح العالم ، حتى اصبح القاضي في دائرة الطباشير القوقازية ، يمارس عمله وهو سكران. اذا لاعدالة للسلطة مع الثقافة والمثقف.
ثورة انتونان ارتو في بياناته لمسرح القسوة، ثورة ضد تحنيط المسرح ودكتاتورية النص.
وفي وطننا العربي، الم يكن مارون النقاش ثوريا عندما اقدم على تقديم اول عمل مسرحي في بيته عام 1848؟ والممارسات اللاأخلاقية التي مارسها الاسلاميون مع أبو خليل القباني وحرق بيته ومسرحه ، مما أضطره للهروب الى مصر. اليست هذه ثورة؟
انعكس الدمار الذي تخلفه الحروب على المنجز الأدبي والفني، في مختلف بلدان العالم، لأن أغلبها عاشت ويلات الحروب الخارجية، والأهلية. الحرب العالمية الأولى (1914-1918) تركت أثارا بشعة على البنية الاجتماعية للبلدان التي اشتركت بها، تداعيات هذه الحرب ظهرت في المنجز الأدبي والفني لتلك المجتمعات، صب الأدباء والفنانون جم غضبهم على الآلة الدموية التي سحقت الإنسان، خلفت ورائها أشلاء متناثرة، سحقت الإنسان، أكلت نيرانها آلاف البشر، وقد “عكس الأدب النظرة الجديدة إلى الحرب بكل صدق. هذا الأدب قد بدا من الخيال إلى الوهم، لكنه لا يدعو ألبته إلى الاستكانة والانهزامية. لقد صور أدب الخنادق للحرب العظمى “نفوق” الجنود كالأغنام وسحقهم كالحشرات الهائمة بعد تعرضهم لغاز الخردل”. 
استمر هذا الرفض لكل ما هو دموي ويصادر الفعل الإنساني، ويقوضه.
اتخذ الأدب والفن موقفه الرافض لكوارث الحروب، بعيدا عن منابر الساسة والسياسيين، فلقد كتب (إرنست همنغواي) رائعته (لمن تقرع الأجراس) عن تداعيات الحرب الأهلية الاسبانية 1936، وما خلفته من تراكمات هزت المجتمع الاسباني برمته. الحرب العالمية الثانية (1939) كانت المفصل الحقيقي لرفض الأدب والفن للحروب، وما خلفته من تحولات جذرية في بينة المجتمعات، تمثل في استخدام السلاح النووي لأول مرة في هذه الحرب، ظهرت كتابات مناهضة لها ولويلاتها، منها كتابات دراما اللامعقول في أوربا، وخاصة في فرنسا التي تعتبر الحاضنة المهمة للتيارات الحديثة في الأدب والفن، جسدت دراما اللامعقول الفعل الهمجي للآلة الحربية الدموية، وعبثية تلك الحروب والأنظمة الشمولية التي تسحق الإنسان ببرغماتية الساسة. 
المنطقة العربية كان لها حصة كبيرة من تلك الآثار التي خلفتها الحروب، كونها آنذاك بلدان بطور التشكل المدني والحضاري هذا من جهة، ومن جهة ثانية تعاني من الاستعمارات والاحتلالات المتتالية.
لعب المسرح دوراً مهماً في حياة العراق السياسية، في صراعه مع السلطة، كان قريباً من الشارع العراقي، وكان الكثير من رواده هم من بسطاء الناس الذين لا يفقهون شيئاً من المسرح يواظبون على حضور العروض المسرحية، وخاصة عروض فرقة المسرح الفني الحديث. 
اذا نشأ المسرح في العراق وسط اضطرابات سياسية واجتماعية. اتخذ مبدأ الثورية ليكون ضد السلطة. 
قد تكون الكثير من العروض المسرحية انذاك طغت عليها الخطابات السياسية وفي أحيان كثيرة مباشرة مقيتة، وهذا حتما هو نتاج المخاض السياسي الذي يعيشه الشارع العراقي آنذاك، وكذلك نتيجة للأحداث السياسية السريعة التي بدأت تتغير بشكل كبير، منها قتل الملك (فيصل) وافراد العائلة المالكة، استلام العسكر لسلطة العراق، محاولة اغتيال (الزعيم عبد الكريم قاسم 1958) بشارع الرشيد، ومن ثم إعدامه وكان هذا هو المنعطف الأكثر دموية الذي قاد العراق من عام 1963 إلى يوم 9 نيسان 2003، بالتأكيد كل ذلك يترك أثره على مفاصل الحيوات العراقية ومن ضمنها المسرح حتما، اضافة لذلك تعدد الأيديولوجيات في الساحة العراقية، وكان للفكر اليساري حصة الأسد في استقطاب المثقفين والفنانين.
كل هذه المعطيات اسهمت إلى حد ما بتدجين المسرح، وتقويض دوره الاجتماعي داخل المجتمع العراقي، بدأت العروض المسرحية تحمل أفكارا تمليها الأحزاب، وكأنها تقارير حزبية، وبدأت تظهر تقاطعات فنية نتيجة الانتماءات الأيديولوجية الضيقة.
بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1963، وتسلط الحزب الواحد (حزب البعث)، ومن ثم القائد الأوحد، بدا المجتمع العراقي الدخول في بئر الدم نتيجة الدكتاتورية والقمع، بكل مستوياته الاجتماعية والثقافية، بدأ المثقف السلطوي يأخذ دوره الحزبي بإنتاج خطاب سلطوي مؤدلج.
وأيضا هناك مثقفو الأحزاب الأخرى التي كانت تتحرك بهامش بسيط من الحرية على الساحة المسرحية العراقية، ولكن أيضا وفق أيديولوجيا محددة، رغم أنها كانت فنيا أكثر أهمية من الخطاب السلطوي للحزب الواحد، لكن بكلى الحالتين هو خطاب مؤدلج كون معظم السلطات تسعى لتهميش دور الثقافة والمثقف، وعندما ضربت الأحزاب من قبل النظام الشمولي في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، وغادر معظم كوادرها إلى خارج العراق، غادر فنانوها ومثقفوها معها، وبدأت مرحلة التأليه للحاكم، بدأت معها مرحلة جديدة من عمر الثقافة العراقية، ومنها المسرح. وفقا لذلك بدأت هيمنة السلطة الايدولوجية على المسرح.
سعت السلطة في العراق لتسخير كل الأشياء من أجل ديمومتها واستمراريتها والمحافظة على أسوارها التي بنيت بالدم، لان السلطة “تسخر كل الأشياء لخدمه مصالحها الشخصية، تسخر حتى مولود المتعة الجنسية لكي يكون جنديا مخلصا في خدمة مصالحها”  كما يقول (رولان بارت)  . بالتأكيد لا تخلو الساحة المسرحية العراقية من فن مسرحي حقيقي رغم ضغط السلطة ومحاولتها لتسييس وأدلجه الخطاب المسرحي العراقي في أوائل الثمانينات حيث الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) ،وفي التسعينات من القرن الماضي حيث تداعيات غزو العراق للكويت (1990-1991)، لكن بقي الكثير من المسرحيين العراقيين يفضلون الغناء بعيدا عن الخطاب السلطوي، بالرغم من التعتيم الإعلامي السلطوي لهم. 
كانت أغلب عروض مسرح الثمانينات تدور حول ثيمة واحدة وهي الحرب، حتى أن دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة والاعلام آنذاك نظمت مهرجاناً مسرحياً يحمل إسم مسرح الحرب، لكن أغلب هذه العروض كانت فيها إدانة واضحة للحرب رغم إنه كان ضد توجه وغاية المهرجان، حيث تحمل وزر هذه الإدانة في أغلب الأحيان الشباب.
بدأت الماكينة الإعلامية للسلطة تشتغل لتعبئة الجماهير، فأخذت مؤسساتها بتقديم عروض مسرحية، وهي خطة مدروسة، حيث كانت العروض تصب في توجه آخر هو التوجه التعبوي الذي تريده السلطة للحرب، “فاعد واخرج الفنان (عبد المطلب السنيد) مسرحية (الخندق الواحد… بيت المنتصرين)، تناول فيها الجذور التاريخية للأطماع الفارسية في العراق، ومعارك العرب ضد الغزاة في أكثر من مكان و زمان. ثم قدمت، بعد ذلك، الفرقة القومية تجربتها الأولى في العام الثاني للحرب، وهي مسرحية (أم المقاتلين)، تأليف وإخراج فتحي زين العابدين…)  وغيرها العشرات من العروض المسرحية.

 

 

أحمد شرجي

http://www.almadapaper.net

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.