أخبار عاجلة

شجرة الدر.. شارع في القاهرة يتحول إلى مسرح مفتوح

لم يتصور شارع شجرة الدر، بظلاله الهادئة، في حي الزمالك الراقي بالعاصمة المصرية، أنه سيأتي يوم يحل عليه ضيفا جميلا «زوربا اليوناني»، في رقصة باليه فاتنة بالاسم نفسه، أداها شباب الأوبرا بحماس مدهش وسط الجمهور، ردا على دعاوى سلفية بتحريم فن الباليه.

فبعد أيام من اعتصام مثقفين للمطالبة بإقالة وزير الثقافة علاء عبد العزيز، تخلى الشارع عن رومانسيته الناعمة، وتحول إلى مسرح مفتوح، يضج بالغناء والموسيقى والرقص والقصائد الحماسية الثورية، لمغنين مهمشين وفرق موسيقية شبابية، يتوافدون من العاصمة القاهرة والأقاليم، متخذين من الغناء والموسيقى سلاحا لمقاومة «الظلم والطغيان»، والدفاع عن مستقبل الثقافة المصرية بعد الهجمة الشرسة عليها من قبل وزير الثقافة الجديد، الذي يسعى – كما يقول المثقفون – إلى تجريف الثقافة والفن والإبداع لصالح «مخطط جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة للاستيلاء على مفاصل الدولة».

ينفتح الشارع بقوة على زمانين؛ أحدهما مضى، ولم تبق منه سوى استعارة رمزية، تحملها لافتة الشارع الذي يحمل اسم «شجرة الدر» – أشهر جارية حكمت مصر لمدة ثمانين يوما في زمن المماليك، واستطاعت بمبايعتهم، أن توطد حكمها وتقويه بالزواج باثنين من أقوى المماليك. ورغم ما تعرضت له من فتن وانقلابات ومعارضة، يذكر لها التاريخ أنها دحرت الحملة الصليبية السابعة على مصر، وجعلت جنودها يتمنون الموت في شوارع مدينة المنصورة بعد أن ألقوا سلاحهم مستسلمين ومتخاذلين.

لكن شجرة الدر التي لقيت حتفها ضربا بالقباقيب على رأسها، من جراء مؤامرة تواطأت فيها ضد زوجها أيبك، واستغلها الخصوم لعزلها عن الحكم بعد أن اشتد الاحتراب السياسي والانقسام في البلاد – تطل باستحياء على الشارع المنيف، وتتعجب من تناسخ الأزمنة، وكأن لسان حالها يقول: «ما أشبه الليلة بالبارحة!». فمصر التي عاشتها شجرة الدر، مع الفارق الزمني، تعيش حاليا لحظة وصل فيها الاحتراب والانقسام السياسي إلى حد المطالبة بعزل رئيسها المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، بعد عام من توليه الحكم.

في ظلال هذا المشهد، يضحك الشاعر زين العابدين فؤاد، منتشيا بصوت المطربة الشابة مي فاروق، وهي تشدو ببعض الأغنيات الوطنية فوق منصة المسرح المفتوح، وبفرح طفل يوزع على النساء والفتيات قلادة نحاسية، محفور عليها عبارة «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر»، وهي بيت من قصيدة شهيرة له غناها الشيخ إمام.. سألته مداعبا: «أستاذ زين هو ما فيش من القلادة دي للرجالة؟».. وإمعانا في غيظي رد بحدة حانية: «لأ دي للنساء فقط».. همست في أذنيه: «ماذا ستفعلون غدا»، رد بثقة المناضل القديم: «نحن هنا ندافع عن ثقافة مصر، سنواصل الغناء والموسيقى والرقص والعروض الفنية كل ليلة حتى يتم الاستجابة لمطلبنا بإقالة هذا الوزير الإخواني، بل تطهير البلد كلها من حكم (الإخوان) الذين تحولوا إلى طغمة من الفاشسيت».

المسرح المتاخم لباب الوزارة الرئيس بالشارع، رغم أنه عبارة عن منصة صغيرة فإنه تجاوز مساحة عرض الشارع، واتخذ الجمهور من سلالم البنيات المقابلة والأرصفة، وبعض الشوارع الجانبية الفرعية، مكانا للفرجة والمشاركة في طقس فني أصبحوا ينتظرونه كل مساء.

يقول أنور، وهو رجل «خمسيني» انتحى بطاولته ركنا متسعا على الرصيف، ليعد الشاي والقهوة للجمهور لقاء قروش زهيدة: «أنا فرحان.. حاسس إن الثورة هتحقق مطالبنا وأهدافها، أنا كل يوم باشوف مثقفين وكتاب وفنانين، بيجلسوا على الكام كرسي دول، لا تتصور سعادتي وأنا أقدم لهم كوبا من الشاي أو فنجانا من القهوة، أمس عانقني الكاتب الجميل بهاء طاهر، وقال لي: (شايك تمام يا أنور)». وكذلك الأستاذ الرائع صنع الله إبراهيم والفنان سامح الصريطي.. أنا هنا في بيتي مش على الرصيف.. الناس دي أمل مصر والثورة». وتكاد تفر الدمعة من عينيه وهو يقول: «والله، لولا لقمة العيش والحاجة ومطالب أولادي الصغار، كنت أقدم لهم هذه المشروبات بالمجان».

يقطعني صوت حناجر الجمهور الواقف بالشارع وهم يرددون مع المطربة عزة بلبع من أشعار أحمد فؤاد نجم وتلحين الشيخ إمام: «ناح النواح والنواحة.. على بقرة حاحا النطاحة.. والبقرة حلوب.. حاحا.. تحلب قنطار.. حاحا.. لكن مسلوب حاحا.. من أهل الدار.. حاحا».

ويشتد غناء الحناجر والتصفيق، وتواصل بلبع الغناء بحماس: «عملوها الروم.. حاحا.. زقوا الترباس.. حاحا.. هربوا الحراس.. حاحا.. دخلوا الإخوان (الخواجات).. حاحا.. شفطوا اللبنات.. حاحا.. والبقرة تنادي.. حاحا.. وتقول يا ولادي.. حاحا.. البقرة انقهرت.. حاحا. في القهر انصهرت حاحا.. وقعت في البير.. حاحا».

اللافت في تجمع المثقفين، هذا التنوع المبهر، الذي يجمع الكبار والصغار، من رجال ونساء وشباب وشابات، وأطفال علقوا على ملابسهم لافتات عفوية كتبوها بأيديهم الغضة، تقول: «لا لحكم الإخوان»، و«هنحمي ثقافتنا بدمنا»، و«اخرجوا بره ثورتنا مستمرة».

وتحت رزاز الغناء وعلى أرصفة سلالم إحدى البنايات المقابلة للمنصة، طالعني وجه الفنان التشكيلي عز الدين نجيب، وقبل أن أسأله رد بابتسامته الودود: «الليلة جميلة ومتميزة.. قوتنا في ثقافتنا، لو انهزمنا قل على البلد السلام».

ودوت الحناجر حين صعد أحد شباب فرقة باليه الأوبرا موجها كلمة للجمهور، أدان فيها أحد أعضاء مجلس الشورى الي اعتبر «فن الباليه حراما، لأنه عري فاضح». وقال الشاب: «ردا على هذا الكلام سنؤدي باليه زوربا هنا فوق هذا المنصة»، وطلب من الجمهور أن يجلسوا القرفصاء ويوسعوا دائرة في الشارع، وما هي إلا لحظات حتى انطلقت موسيقى زوربا الشهيرة، وبدأ الشباب تشكيل رقصات وتابلوهات استعراضية فاتنة بأجسادهم وكأنهم فراشات تحلق وسط الدائرة وتسبح في الهواء. ومع التصفيق والتهليل، أعيد الباليه مرة ثانية، وانخرط الكثير من الجمهور في الرقص مع الشباب.. ووسط صخب الموسيقى والرقص، تهادى إلى سمعي صوت شابة ممشوقة القوام وهي ترقص باحترافية وتهتف قائلة: «الرقص معجزة الجسد البشري، لن يحرمنا أحد من هذا الفن».

القاهرة: جمال القصاص

http://aawsat.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.