“صولو” وجدي معوض على مسرح مونو: المسلوخ بين هوياته الملتبسة

مونودراما في مونودراما عدة، قدمها وجدي معوض على مسرح مونو مساءي الخميس والجمعة الفائتين. لم يكن وحده على الخشبة. كان مع تواريخه و”شياطينه” وهواجسه، وطفولته، ومنفاه وعائلته… وهوياته الملتبسة. شخص في شخصيات متميزة، منفصمة، هائمة، تبحث عن توازن، أو عن “حقائق” أو ما يشبهها، نابشة في عمق الطفولة، في بداية الحرب في لبنان، والجروح التي أحدثها، والشروخ التي هزّت الكيانات الداخلية، العائلية وغير العائلية. السؤال الذي طرحه معوض “من أنا”؟ من كان يمكن أن أكون لولا بقيت في لبنان؟ وماذا أصبحت عليه في المنافي: من فرنسا الى كندا…

ماذا لو اتخذت وجهة مصر بدلاً من كندا؟ أو أي بلد آخر: كأنما بطاقة السفر حددت المصادفة. والقدر بالفرنسية Destin، كأنه تعلق بالوجهة Destination، والكلمتان الفرنسيتان من جذر لغوي واحد. وهل حيث عشت بعد خروجي من لبنان وعائلتي، أبي وأبي وأختي وأخي، بلور هوية ما… وماذا عن الجذور، وماذا تعني الهوية ملتبسة بعيدة هي الغربة. نعم. أو فلنقل الغربتين: غربة داخل المنفى لالتباس في الانتماء، وغربة في الذاكرة لتشوش هذه الأخيرة، ومحاصرتها بالجنون، والعنف، والدم؛ الصراع بين الانتماءين ليس بين فولكلور لبناني وآخر غربي. وليس فقط بين مكوّن جغرافي وآخر. حتى وليس بين تفاوت ثقافي وآخر. الذاكرة الممسوسة بهذيانها. كل ذاكرة حروب ذاكرة لا تعرف أعراضها، ومرجعياتها. بل بوصلة: ذاكرة إما مقولبة في تاريخ معين أو مكان محدود، أو متفجرة لا طريق لها، ولا أفق، ولا قرار. أهو الانفصام؟ ربما! أهذا ما قدمه وجدي معوض. ربما! الذات المتناكرة. المضروبة بتناقضاتها؟ ربما! الذات المفصومة عن مرابعها وأحداثها؟ ربما! الذات المتعلقة في مسقط الرأس (لبنان) أم الذات المتدافعة تحت سيول الذوات العديدة؟ ربما! أترى الهوية هنا: ماذا أهي ما نتذكر أو ما ننسى؟ أترى هويتنا تشبه جذور الغيوم العابرة، أم تشبه جذوراً بلا فصول. إنه الجرح الكبير المفتوح. إنه القلق “الوجودي” وليس الجغرافي. على مستوى الفن. والأفكار. والمشاعر. والاختيارات. كيف يمكن أن يكون للكائن (كما نستشف من وجدي) منارات وشواطئ ومرجعيات، كان هذا الكائن ملتبساً في تمزقاته… إذا فتاريخ من هذا. هذا الرجل المنقسم على هوياتها، المسلوخ على مشرحة أسئلته، أترى تاريخه من تاريخ الآخرين (العائلة، الوطن، ذكريات الطفولة…)، و(المنفى، كندا، أوروبا… المجتمعات هناك). هل ينسلخ في هويته الأصلية كما يمكن أن ينسلخ مع هوياته المكتسبة…
إنها الأسئلة الكبرى التي يقدمها وجدي معوض في مونودرامة “سولو” بحوار حي، مرن، جدلي، عبثي، حاد، قاسي، لا يخلو من تلك السخرية التي هي وعلى قدر ما تستجلب البسمة، تقلب الجروح، والماضي… والمستقبل. البنية الحوارية هنا يعلب فيها الصمت دوراً كبيراً: الصمت الدلالي. الصمت المفتوح: الذين يشبه أحياناً الهاوية، وأخرى العدم… وأخرى الانقسامات اللغوية نفسها. وهذه الانقسامات “اللغوية” (ثنائية في مجازها)، جزء من هذه الجروح على مستوى الجسد، والكلام، والخطاب. ولهذا، فالحوار هنا مفتوح على ما يكمن وراءه. على ميتافيزيقيته. أو على ما يظلله أحياناً من عتمة داخل الأعماق. والحوار المرن، الرشيق، الطازج، هنا هو جزء من متصل أولاً بهوية الممثل على تنوعها، ومن ثم بالسينوغرافيا. فالسينوغرافيا المتقشفة هنا، والفائضة في النهاية، هي التعبير عن هذه الشخصية التي تبحث عن شخصياتها (على قول بيراندلو)، في مفردات حيوية، دلالية، ذات وظيفة درامية وجمالية في عمقها لا سيما في المشهد الأخير. ووجدي استخدم الستار لقول الانفصام. التكسرات. الهويتين (أو أكثر): تلك التي كان يمكن أن يكون عليها، أي الطفولة واحتمالاتها، وتلك التي أدركها، معتمداً الشاشة، وخيال الظل، على منحى احتمالي؛ وإذا كان الجدار الواحد المفتوح على خلفية نستشفها من وراء الشاشة، لتوحي الماضي ظلالاً افتراضية لكن بارتدادات نفسية قاسية يطغى على ما عداه ككتلة ثابتة، ثم متحركة، فإن الأدوات الأخرى على هشاشتها، وبإشاراتها، وبوظفائها لا تقل حضوراً، خصوصاً عندما تكون وسائل متنوعة للتواصل والتعبير: من التلفون الأرضي، الى الخلوي، فإلى الإنترنت… فإلى الملابس، (كجزء من السينوغرافيا) وحتى الإضاءة المقتصدة، والمتفجرة أحياناً، بمؤثرات صوتية، تلعب دوراً أساسياً في شد البنية العامة للمسرحية، واستنباط الحلول الشكلية من النص نفسه، فهي مسرحية نصية. أي مسرحية الممثل. فالسينوغرافيا (اتساع المسرح)، والمفردات، لم تأكل الممثل. بل استوعبها كلها: داخلياً، وخارجياً. بالصوت والحركة. والصمت. واللغة. ونظن أن وجدي، لم يظهر لنا فقط أنه كاتب مسرحي مهم، أو مخرج طلائعي متجدد (المسرحية على الرغم من جدتها، لا تخرج على الكلاسيكية لكن من دون نمطية هذه الأخيرة)، بل أنه ممثل من الدرجة الأولى، يضاهي الكبار: بساطة مركبة. وصوت مطواع. وجسد خصب… جعله يستوعب خشبة المسرح بدلاً من أن تلتهمه. عبأ الخشبة على امتداد قرابة ساعتين، بعيداً عن الكليشيات الرتيبة، والسهولة، والإغراق في الثرثرة الجسدية. فكل حركة مدروسة (ولو مرتجلة أحياناً؟). بمعنى آخر وجدي معوض، ممثلاً، تمكن من صهر كل العناصر المسرحية من سينوغرافية، وجمالية، في حضوره كممثل… وما كان أقسى وأجمل اللحظات الأخيرة أو لحظة الانفجارات البدنية التي خرج بها كل شيء: من جسمه الى الجدران، الى الأرض… في جدارية لونية جمالية بدائية… شكلت ختاماً “مفاجئاً” في جنوحه… وجنونه… ونهاياته. بل كأن الانفجار النهائي في النهاية منح العمل بعداً درامياً عنيفاً… وملحمياً يضيء بكل الشموس… والهويات الآتية.

 

بول شاوول

http://www.almustaqbal.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.