يعقوب الشدراوي رائد المسرح التجريبي العربي

قد يكون لقائي معه قبل أشهر في بيته في منطقة الحمراء، من آخر اللقاءات الصحافيّة التي أجراها المسرحي المتميّز يعقوب الشدراوي. كان ساخطاً على وضع المسرح في لبنان، وعلى إهمال وزارة الثقافة، ومن خلفها الدولة اللبنانية، لفنّ المسرح وللقضايا الثقافية بشكل عام. لمست في حواري معه نعياً لعهد مسرحي ناضل هو وزملاؤه ليرسموا له هوية خاصة، هو المسرح اللبناني، مسرح الستينات والسبعينات.

 

 

رحلَ رجل المسرح عن 79 عاماً، بعد صراع مع المرض، ومع غصّة في القلب لم تجد لها متنفّساً حتى طلوع الروح. وربما أدى تدهور حال المسرح، إلى مزيد من تدهور صحّة صاحِب «أعرب ما يلي»، المخرج المسرحي وأحد أبرز مؤسّسي المسرح اللبناني الحديث: يعقوب الشدراوي.

أولى التجارب المسرحية التي كتبها يعقوب الشدراوي كانت عبارة عن فصول هزليّة تحت عنوان «رح تفقع». أما الثانية فكانت مسرحية ميلودرامية، أخرجها باسم نصر وأطلق عليها اسم «الثأر في لبنان». وكان لا بد من التخصص في مجالَي التمثيل والإخراج، وليس في الكتابة. حصل الشدراوي على منحة من الاتحاد السوفياتي، فسافر بحراً إلى روسيا، ونالَ شهادة الماجستير عام 1969، ثم عاد إلى لبنان لينال شهادة الدكتوراه في ما بعد، من الجامعة اللبنانية، عام 1986 عن أطروحته «التراث في مسائل الإخراج المعاصر».

ومن هنا، بدأ رحلته المسرحية مخرِجاً، هو الذي يرى أن «الحياة على المسرح تنتصر على الموت»، فلا يموت الإنسان ولا تختفي الحضارة، بل على العكس من ذلك: لا خوف «من استحضار الماضي، لأن التغيير سينسحب عليه، ولن يكون العرض متحفاً. والتغيير ليس ببناء المسرحية ولا بشخصياتها ولا بحوارها، بل بوجهة النظر الإخراجية المعاصِرة»، وهذا ما عمل عليه الشدراوي طوال مسيرته مخرجاً مسرحياً.

«لكي تقول الحقيقة، يجب أن تبتكر لا أن تنقل، والابتكار جرأة»، هذا ما كان يردده الشدراوي… كانت مسرحية «أعرب ما يلي» في الشهر الأول من عام 1970، على مسرح مهرجانات بعلبك، أول أعمال يعقوب الشدراوي المسرحية الإخراجية. واشتغل لهذا الاحتفال على خمسة نصوص، هي: قصيدة «الورد والقاموس» لمحمود درويش، قصيدة «العاصفة» لأنسي الحاج من مجموعة «ماضي الآيام الآتية»، وقصيدة «حزمة القصب» لأدونيس من مجموعة «المسرح والمرايا»، والنصف الأول من اللوحة الخامسة من مسرحية «حكاية فاسكو» لجورج شحادة، ومشهد من مسرحية «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» لسعدالله ونوس، ثم «الأعماق» لمكسيم غوركي في العام ذاته. وقدّم عام 1971 «مذكرات مجنون» للروائي الروسي نيقولاي غوغول، وكذلك «سمكة السلّور» لإدوارد البستاني، و «المهرّج» لمحمد الماغوط عام 1971 أيضاً.

كتب الشدراوي معظم نصوص الأعمال المسرحية التي أخرجها، بدءاً برواية «الأمير الأحمر» لمارون عبود، حوّلها إلى عمل مسرحي عام 1972، وكذلك فعل عام 1973 مع رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للراوئي السوداني الطيّب صالح. وقد حوّل مسرحية يوسف إدريس «الفرافير» إلى مسرحية تتوافق والوضع اللبناني، تحت عنوان «الطرطور» في العام نفسه 1973، ثم عرض مسرحية بعنوان «ميخائيل نعيمة» عام 1978، وهي تأليف مسرحي حقيقي للشدراوي، مستَمَدّة من وقائع حياة «نعيمة» وعدد من مؤلفاته وعدد من شخصياته الروائية. ثم قدّم مسرحية «جبران والقاعدة» عام 1981، كما ألّف عام 1984 مسرحية «نزهة ريفية غير مرخّص لها». وفي مطلع التسعينات قدّم مسرحية «بلا لعب يا ولاد»، وهي كذلك من تأليفه وإخراجه، وقدّم عام 1986 مسرحية «العتب عَ البصر».

وكــان الشـدراوي في كـــل مسرحياته، يخلق توازناً بين السخرية والإضحاك من جهة، وبين الإيلام ووضع الإصبع على الجرح من جهة أخرى، فمِن طبيعته أن «يخربط» النص الذي يقع بين يديه، ويعيد تركيبه، وأحياناً تكوينه بما يتوافق مع رؤيته التشكيلية، ومع موقفه الفكري/ الحياتي من الأشياء والعلاقات. وكذلك مع تساؤلاته التي يطرحها على نفسه، وعلى النصوص كلها، وخصوصاً على الجمهور، لذلك تميّزت مسرحياته من حيث علاقتها بالجمهور، فهي لا تدعو هذا الأخير إلى تبنّي فكرة محددة، بل هي تحثه على التفكير في ما يُقدَّم أمامه من عروض.

هنا شهادات عن يعقوب الشدراوي من بعض أهل المسرح والنقد في لبنان، كانوا عرفوه عن كثب وتابعوا اعماله:

 

محمد دكروب

يعقوب الشدراوي من أهم المخرجين المسرحيين اللبنانيين، إن لم يكن «الأهم». لماذا أقول ذلك؟ لأن يعقوب هو مخرج متميّز، مؤلف مسرحي. كان يقرأ روايات الأدباء ويحوّلها إلى مسرحية تضم إلى جانب نص الكاتب، رؤيا يعقوب الشدراوي الفكرية وفنه. يتميّز إخراجه بكونه «أستاذ الفن المشهدي».

عندما تحضر مسرحه تؤخَذ بسحر المشهد، بدءاً من الديكور إلى وقفات الممثلين وحركاتهم… لذلك ينجذب المشاهد إلى مسرحه، إن لناحية المشهد أو لناحية حركة التمثيل وحركة الرواية نفسها التي تمّ تحويلها. كما يهتم يعقوب الشدراوي بالممثل. وهو إلى ذلك ممثل هائل ومهم، له حضور قوي على المسرح، وهو في تمثيله وطبيعة كلامه يشعرك أنه إنسان يتحدث إليك، إنسان فنان، يؤدّي دوره بطبيعية مطلقة. نقل الشدراوي المسرح اللبناني من حالة شبه تقليدية في التمثيل، إلى نوع من اللعب المسرحي الفانتازي، أعادَت تكوين الرواية ونقلت المسرح إلى طور الحداثة والمساهمة في استمرار الخلق. يعقوب الشدراوي ترك بصمة متميّزة في المسرح اللبناني الحداثي، والتي تدعو المشاهد إلى اتخاذ موقف من القضايا المطروحة أمامه.

 

نضال الأشقر

وداعاً أيها الصديق العزيز يعقوب الشدراوي. بالأمس القريب وأنا أشاهدك تصعد ببطء على خشبة مسرح المدينة، وأنا أكرّمك باسم المسرح، وباسمي، وباسم المسرحيين كافة. كنت أعرف أنك لن تعيش لترى تكريماً آخَر من دولة أهملتك العمر كلّه، فلو كانت تعرف قيمتك لأغنيتَ مسرحَنا بعشرات المسرحيات. لو دعَمَتكَ لكُنّا شاهدنا البديع والجميل والرائع من مسرحياتك. إنك يا يعقوب ساحر المسرح وحامل مفاتيحه وأسراره، أنتَ المسرحيّ الحديث والشعبي الأصيل المتجذّر بعمق في كل تقنيات المسرح القديم والحديث، وأنت مَن يستطيع أن يأخذَ أي نصّ ويحوّله إلى درّة تشعّ على أي مسرح. أنتَ الذي حملتنا بقلبك بمحبّة ورعاية، فكانت زياراتك المتكررة إلى مسرح «المدينة» بمثابة خرزة زرقاء تحرسنا من العين. وداعاً أيها الكبير.

 

بول شاوول

خسِر لبنان أحد أكبر رواد المسرح الطليعيين، هو الصديق الكبير يعقوب الشدراوي. هذا الذي صمَدَ بكلّ قناعاته الفكرية متمرّداً ومجافياً كل الاتجاهات الطائفية والفئوية والمذهبية، وهو يكاد يكون الوحيد الذي لم يغادر لبنان، ولم يغادر منزله، ولم يغادر مسرحياته، التي بدأت بـ «أعرِب ما يلي»، قدّم بعدها حوالى 15 مسرحيّة. يعقوب الشدراوي هو من أكبر التجريبيين في لبنان والعالم العربي. ولا أقصد التجريبية الشكلانية، ولا التجريبية المجانية، ولا التجريبية في السينوغرافيا أو الكوريغرافيا أو في العناصر الأخرى فقط. وإنما تبدأ التجريبية عنده من حيث هي تطاول الأفكار، فيعقوب الشدراوي مسرحيّ كبير، سواء اقتبس أم لم يقتبس. إنسان تغييري، يساري، مفتوح، وغير متزمّت، وطني، رحِب.

يعقوب الشدراوي هو مسرح النص والممثل، لأنه يعتبر أنّ النص هو «الينبوع»، كما أنّه من أكثر المخرجين الذين اشتغلوا على أداء الممثل، وهو أيضاً أكثر مَن تعامَل مع الكتّاب اللبنانيين والعرب، فقد تعامل مع الطيب صالح، محمد الماغوط، جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة. وأعتقد أنه كان يرغب في إخراج مسرحية «البخيل» (القرن التاسع عشر) لمارون النقاش، و «الأم» لبريخت، لكنّهما بقيتا في الأدراج.

يعقوب الشدراوي هو آخِر الطليعيين الكبار. أنا خسرت صديقاً كبيراً ومعلماً كبيراً، وخسرت بيروت أحد أعلامها الكبار.

 

رفيق علي أحمد

ليعقوب الشدراوي دور كبير في المسرح، في الحياة الثقافية، في الإبداع الفني. هو موسوعة في الفنون، صَهَرَها جميعاً وقدّمها عبر هذا الفن، الفن المسرحي «أبي الفنون». وأنا أنظر إليه فنياً، عدا عن كونه كان وما زال أستاذي، فهو أبي، أبي الروحي، وهو معلّمي ومرشدي، بالإضافة إلى ما تعلّمته منه في التقنيات المسرحية، كان ينير لي ظلمات الحياة. عرفته عندما كنت شاباً، منذ السنة الجامعية الأولى. وهو الذي أمسك بيدي، وعملت معه أوّل عمل مسرحي، حيث كنت في السنة التحضيرية في معهد الفنون. وبعد نهاية العرض قال لي: «يا رفيق، علّموا إجريك بالمسرح». علّمَني في المسرح، وتعلّمت منه مُثُلاً عليا في الحياة، أكثر بكثير مما تعلمت منه في المسرح. في داخلي غصّة أن يعقوب الشدراوي رحل وفي قلبه غصّة. كان غريباً في الحياة. كان غريباً في دولة لا تحترم مبدعيها ولا تقدّرهم. لا عَتَبَ عليها، فهي لا تقدّر الإنسان من مواطنيها. يعقوب الشدراوي، تعلّمت منك كثيراً في الحياة، وستبقى رائدي ومنير ظلمات حياتي. أقول إن أبي علّمَني حتى عمر 25 سنة، ويعقوب الشدراوي علّمني حتى الآن. إلى اللقاء يا يعقوب.

 

عايدة صبرا

أحب أن أتحدث عن آخِر مرة قابلته فيها، في منطقة «الحمراء». فرِحتُ جداً عندما رأيته، وشعرت أنه عاد إلينا، إلى الحياة، فهو منذ مدة لم يخرج من البيت. سألته عن صحته، فأجاب بأنه ليس بحالٍ جيدة. كانت أحلامه كبيرة، كما كان في حوزته الكثير من المسرحيات. لكنه كان يبحث عن إنتاج. أنا لا ألوم الدولة فقط، أو وزارة الثقافة، نحن جميعاً قصّرنا بحقه. درّسني يعقوب الشدراوي في الجامعة، وهو من الأساتذة الذين آمنوا بموهبتي وفسح أمامي المجال لتأدية عدة أدوار. أعتبره معلّماً وليس فقط أستاذاً. أتى إلى الحمراء ليودّعنا، وكان يبتسم.

 

شكيب خوري

رحل الطفل على إيقاع التمزّق. ساحة وطنه تتشظى. اليعقوب الذي أنشد تراتيل المسرح–الحياة، وهو شاب زغرتاوي انكبّ في حقبة ما بعد ثورة 1958 على التمثيل، كي يتصالح مع حقيقة الإنسان. جمع رفاقه في نادٍ في زغرتا، وكنتُ أدرّبهم على مسرحية «هاملت». كان يعقوب يقوم بدور «هاملت». هاملت الشدراوي سافر اليوم على صواعق الصورايخ. وتلاشَت آماله مع قذائف «جبل محسن» و «باب التبانة». يعقوب أحد رواد المسرح الحديث، سرّع غيابه إرادياً لينجو مما هو أفظع، وهو يصرخ: عيبٌ عليكم، يا لبنانيون. أهكذا تريدون، يا سفّاحون، دَفْنَ ما صنع مسرح الشدراوي؟ هاملت الذي أراد أن يُعيدَ للعدالة سلطانها، غلبته إرادة التعصّب والتشرذم. حمل حضارة التسامح إلى منفاه السرمدي. هناك سينعتِق من التشنجات العِرقية وينطلِق إلى التآخي مع المختلف والخلود. وصيّته لمبدعي الغد: لا تغفروا لأشباح الظلام. اجعلوا مسارحكم ساحةً للمحبّة.

 

ميشال جبر

تميز يعقوب الشدراوي بأعماله الملتزمة إنسانياً ووطنياً. والبحث المتواصل عن الشكل، في مسرحته لأعمال أدبية لبنانية وعربية. كان مخرجاً حِرَفِيّاً بامتياز، يعرف كيف يعالج النص وينقل لنا عالم المؤلف.

 

بيروت – سارة ضاهر

http://alhayat.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *