المسرح البصري يجعلنا نحلم ونحن في اليقظة

أنجز  العقل والخيال البشري المتنور الكثيرمن مراحل التطور مما منحنا الآن القدرة  على الشك في كل شيء، بما فيه الشك في التاريخ و الفكر ومرتكزات الإبداع

 

والوعي الجمالي  وجميع النظريات والمذاهب، أي  الشك في المفاهيم  جميعها سواء  الكونية  اوالبيولوجية او الشك حتى في علاقة الذات   بالأنا الأخرى… الخ فركز كل هذا مفهوماً جديداً هو أن الإنسان يعني الحرية وهو سيد عالمه وذاته . 
لكن الشيء المهم هوأن الخطوات الأولى  لمراحل الشك في الوعي الإنساني ذاته  الذي لا يتناسب العقل العصري المتنور قد أنجزت  أيضا وذلك عندما بدأ كل من ماركس ونيتشه وفرويد  ، الشك  في المفاهيم السابقة ووضعوا تأويلهم  الجديد لها وصاغوا مفاهيم جديدة ،  وبهذا فإنهم اعتبروا  تاريخيا  فلاسفة للشك الذي من خلاله  فرضوا  الحداثة في الفلسفة والفكر ومقدسات الإنسان المعاصر ، ووضعوا  البذور الأولى لما بعد الحداثة .
فالثقافة التنويرية والفن الحداثي والمسرح بالذات نشأت أيضا نتيجة للشك في مفاهيم فاجنر التراجيدية وفكرته حول الفن المركب والتي سبقت ستانسلافسكي (ونظريته في  واقعية الفعل وإعادة خلق الشخصية) على اعتباره أول من وضع النظرية الجديدة في عمل الممثل وكذلك  انتونين آرتو (ومسرح القسوة  الذي طالب من خلال مفاهيمه ذات الطابع الفلسفي  لتطوير نظرية العرض ورفض الواقع على المسرح وفرض الواقع الإبداعي  البصري  في العرض  كبديل  ورَبط المسرح بالحلم عندما أكد بأن المسرح : هو الذي يجعلنا نحلم ونحن مستيقظين، ويكفي أن يكون مسرحا، إذا تخلى عن هذه المهمة). ومفاهيم برشت  (والتغريب المسرحي ) وصموئيل بيكيت  (ونصوصه البصرية التي أكد  فيها نظرية بصرية لكتابة النص المسرحي  الذي  يعتبر أساساً  لمرتكزات النص البصري الذي نفكر به ، بالرغم من أن بيكت  يكتب نصا بصريا  يبحث من خلاله  في الوجود  المطلق للأشياء، ووضَع الإنسان المتورط بوجوده  في دائرة العدم، ومن هنا ينشا جحيم العلاقة بينه والآخر، وعدم فهم للعالم وأشياءه المحيطة. وما رواياته  أيضا إلا نصوص درامية بصرية عن الوجود والعدم) . ومع غروتوفسكي (بدأ تأويل الجسد وعلاقته بالفضاء الديناميكي) . وبهذا فأنهم  جميعا فرضوا وعياً حداثياً لأنهم قاموا  بتأويل جديد للمفاهيم السابقة واكتشفوا طرائق وأساليب جديدة ، وهنا يكون من الضروري في المسرح البصري الذي ندعو له أو مسرح مابعد الحداثة قراءة مفاهيمهم ونصوصهم ونظرياتهم بتأويل جديد يعتمد منطق تأويل التأويل أو التأويل المضاعف (حسب إمبرتو إيكو) من خلال التزام نزعتي الشك وتطوير النزعة النقدية لجميع القيم والقوانين الفنية التي أصبحت الان ثابتة مما عمق سكونيتنا الإبداعية في المسرح  وبالذات النص الأدبي المغلق  الذي ما زال يكتب بالرغم من أن ثقافتنا وعالمنا أصبحا في جوهرهما كحلم للفنان الرائي. فكل كتابة أدبية تكتب للمسرح بأساليب الأدب وليس بأساليب مسرحية بصرية هي نفاية ومكانها مزبلة الثقافة البصرية. فالنص البصري الذي يكتبه مؤلف بصري ويخرجه مخرج  بصري أيضا  هو فقط  الذي يحقق ما ندعو بالبعد الرابع للفضاء المسرحي وهو بالذات يدخلنا جميعا الى زمن  ومسرح ما بعد الحداثة.

د. فاضل سوداني

http://www.almadapaper.net

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.