الناقد المسرحي حميد مال الله.. وداعاً

منذ أواخر الستينات تأسست  في البصرة  جماعة “كتابات مسرحية” و تألفت من الناقد والكاتب المسرحي الرائد بنيان صالح و ياسين النصير والناقد المسرحي حميد عبد المجيد مال الله و كاظم عيدان لازم وعزيز الساعدي والكاتب المسرحي عبد الصاحب إبراهيم ، الذي هجر من وطنه العراق بحجة التبعية، والكاتب المسرحي عبد الوهاب النعمة وانظم إليها ، فيما بعد،

الكاتب والمخرج الراحل المسرحي جبار صبري العطية والتف حولها بعض الشباب والشابات في المدينة، وكانت الجماعة تعقد ندوات ثقافية حوارية وتطبيقية في البيوت معتمدة التوجه( الأسري) لزرع حب واهمة العمل المسرحي(عائلياً) واجتماعياً . ثم اتخذت مقرا لها في نادي الفنون وقدمت عروضها المتواصلة على حدائق النادي وكانت لها مشاركات فاعلة في الاحتفال بيوم المسرح العالمي، والمناسبات الوطنية التاريخية العراقية، وأصدرت بيانها المعنون من (اجل مسرح عراقي متطور) ثم عاودت الاحتجاج على غلق الفرق المسرحية للهواة متحدية ومنددة بقرار السلطة بغلق كل فرق مسرح الهواة في المدينة، واقتصار العمل المسرحي على الفرق الرسمية فقط ، وعمد جماعة كتابات مسرحية على المشاركة المسرحي بما يكتبونه من مسرحيات والتناوب على إخراجه على وفق رؤى كل منهم وتقديم تلك بعض عروضها المسرحية، أحياناً، في الشارع المجاور لنادي الفنون. تميز الراحل الناقد المسرحي حميد عبد المجيد مال الله  بكتاباته التطبيقية عن العروض المسرحية ويقدم رؤى نقدية تطبيقية لها.وكان يشد الرحال في منتصف السبعينات ، مساء الخميس أو صباح الجمعة، من البصرة إلى بغداد ليشاهد العروض المسرحية المهمة،ويعود ليلا متوجهاً إلى عمله في التعليم صباحاً، ويكتب في تلك العروض بتأن ودقة وحرص . وكذلك يتابع العروض المسرحية في البصرة مهما كان مستواها والجهات التي تقدمها و يعمد إلى الكتابة عنها بروح المسؤولية الثقافية-الفنية وهو عضو مؤسس لـ( نادي الفنون) في البصرة وانتخب ضمن الهيئة الإدارية ، قبل أن يتم ختم (نادي الفنون) بالشمع الأسود من قبل “سراكيل” الثقافة الفاشية البعثية التي بدأت بتسويق خطابها الرث عبر ثقافة السلطة القامعة في وسائل إعلامها ومهيمناتها الحزبية الواحدة و دائمة النزوع لتبرير فظاظة الواقع المعيش والدفاع عن  الزعامة الفردية المتوحشة التي تجبرت حتى أخضعت العراق لسيطرة سلطة غاشمة وتكريس وتوجهات قادتها القروية المتخلفة وسلوكياتها الفظة بطريقة وثنية. وحميد مال لله عضو اتحاد الفنانين ونقابة الفنانين ورابطة نقاد المسرح العراقيين والعرب وعضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين والعرب، كما كان عضواً في المكتب الصحفي لجريدة “طريق الشعب” في البصرة ومسؤولاً فيه عن النشاطات الفنية المتعددة والمسرحية بالذات. كتب واعد واخرج بعض الأعمال المسرحية . منذ عقد الثمانينات مساهم في اغلب لجان تحكيم المهرجانات المسرحية التي أقيمت في البصرة أو المحافظات العراقية، ولم يعرف عنه أي تواطؤ ما مع النظام المنهار أو توجهاته الثقافية. ومن الجدير بالذكر إن الراحل تخصص بالنقد التطبيقي المسرحي، وصدر كتابه المعنون ( التدوير الدرامي) عن دار الينابيع/ دمشق-2011 . وكان دائم الكتابة عن عروض شباب المسرح و والاشتغال على (المسرح العراقي) في محاولات تطبيقية ضمن بحوث ومتابعات نشرها في صفحات ثقافية مسرحية منها ” المدى وطريق الشعب والصباح والاتحاد والمنارة والأخبار والتآخي”. كما نشر بعض الدراسات المسرحية في المجلات العربية و منها ما يتعلق بمسرح الصورة والكيروغراف والعلامات الإخراجية ومسرح الطفل والأداء ونص النقد المسرحي. وكان يرى أن التخصص في النقد المسرحي هدف إشكالي، السعي إليه يتطلب منهجية نقدية محددة كونه المنهج الأكثر حداثة، في متغيرات منهجيات البحث وما يكتب قد يصبح في عداد الماضي في حقبة نقد ما بعد البنيوية.  ونص النقد الذي كتبه  يتحدد ما بين (العرض النقدي والمسرحي) و (النقد المسرحي الصحفي) وتخطي النوعين ربما يتحقق بسبب محددات (نص النقد المسرحي) ومنها التخصص الأكاديمي وإنتاج البحوث النقدية بتواصل واستيعاب الحديث في طرفي الإنتاج (الراسل) و(المتلقي) مع الإقرار بتوافر التقنيات المعلوماتية في قريتنا الكونية الراهنة بسب عولمة الاتصالات الحديثة. بدأ الراحل بالعرض النقدي الصحفي وهو من تفرعات نص النقد.  وكان لابد له من إرسائه على أرضية ما، فكانت السسيولوجيا.وعدم إهمال فضاءات المسرح الأخرى وإعارتها أهمية متدرجة بعد (الفكرة) وبات النقد  الذي يكتبه يحلل فضاءات العرض المسرحي الثلاثة ، وفقاً للنظريات القديمة والحديثة وهي تستكشف المعنى والمبنى ويرى ان تجاهل فضاء مسرحي متعدد التوجهات والتركيز على واحد منها فقط  يشكل خللاً رؤيوياً. وقد أخضع كتاباته السابقة واللاحقة إلى نقد ذاتي صارم، شَخّصت فيه قصورها،بعض الأطاريح الأكاديمية في هذا السياق، والتي درست نصوصاً نقدية مما نشره ومنها أطروحة في (نقد النقد المسرحي) للدكتور (محمد أبو خضير) وأطروحة (النقد المسرحي في العراق) للدكتور(ضياء الثامري) وكذلك في تحليل أكاديمي للدكتور(عبد الفتاح عبد الأمير) تناول فيه دراسة مقارنة بين نصوص النقد لناقدين هما الأستاذة (نازك الاعرجي) والناقد(حميد مجيد مال لله). ورأى أنه مخير بين الخوض والتجاهل لعروض ما بعد التغيير في 9 نيسان 2003 ، فالنتاج المسرحي كما يؤكد جزرات ضئيلة وسط فضاء محدب، والكلام عن المسرح في البصرة تشكيلات تنتج مرة ومرتين ثم تصمت!؟. العاملون فيها من خريجي معاهد وكليات الفن ومن الهواة، عاطلون عن العمل غالباً وعن التدريب. وفي حالة انقطاع تام عن مستجدات التحديث المسرحي مع نقص مريع في الثقافة العامة والفنية والمنهج، إلا أن فضيلتهم الكبرى أنهم يجاهدون لإثبات وجود مسرحي مغيّب في فوضى حياتنا. وهو يرى في حوارته وكتاباته إن رصد حركة المسرح الآن ومستقبله أشبه باستكشاف قارة (تثرم) أناسها، وتبتلعهم أرضها فالمسرحي يقف في طابور الفناء بسبب  فضاء الحياة اليومية . ويرى ان ” ورشة المسرح” في مؤتمر المثقفين لوزارة الثقافة الذي عقد زمن استيزار الأستاذ مفيد الجزائري، الذي جمع كلمتهم عبر ورقة عمل ومقترحات عدة مكثوا إلى اليوم في انتظار ان يتحقق ذلك ولا ثمة اي أمل في تجسيه واقعاً، وكذلك مصير مقررات “ندوة الحوار المفتوح.. لمناقشة واقع الحركة المسرحية” التي عقدت في البصرة. واختراقاً لقوقعة اليأس والتشاؤم التي تطوينا بعنف يؤكد “حميد” ان ثمة كليات ومعاهد فن تستقطب وتؤهل الطاقات المسرحية الفنية، فيها مسرحيون إعلام. كما وتوجد فرق في منظمات المجتمع المدني، وبضعة فرق رسمية ومنها المتخصصة بمسرح الطفل، وعروض ومهرجانات مسرحية، وندوات و” ورش – مشاغل مسرحية” وعلى قلتها تشكل رصيداً ثابتا لحراك اتٍ. فالمسرحي العراقي واعي يتحدى الصعاب دائماً، وقد قدم عرضاً على مسرح الرشيد المدمر بالات الحرب والحرائق والنهب ، والمسرحي العراقي قدم عروضاً في الشارع  المفخخ المدمج بالقتلة. عانى الكاتب والناقد والمخرج والمؤلف المسرحي ” حميد عبد المجيد مال” من المرض سنوات عدة، حتى رحل بعد ظهر الثاني من أيار هذا العام، ولم يحدث ان قدمت له تعهدات، في تجاوز حالته الصحية المتردية بتواصلٍ يومي، من قبل السلطات الرسمية أو الجهات المدنية في المدينة أو حتى السؤال ،مجرد السؤال عنه، ناهيك عن تفقده، كونه لم يكن من الطبالين والنفعيين والمتزلفين الذين يغيروا  قناعاتهم مواقفهم بسرعة لا تدانيها حتى سرعة البرق. رحل الناقد  المسرحي” حميد عبد المجيد مال الله”  تاركا خلفه أرثاً مسرحياً متعدداً وأرشيفاً يمكن التنقيب فيه للحصول على وثائق نادرة تخص المسرح العراقي عموماً والبصري خصوصاً.

 

 

جاسم العايف

http://www.almadapaper.net

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.