زنزانه لكل مواطن واعاده تشكيل المواطن المصرى

 


كانت صرخه (عزيز) الشخصيه الرئيسيه فى العرض المسرحى زنزانه لكل مواطن تأليف ابرهيم الحسينى واخراج محمود النقلى والدى قدم على خشبه مسرح الغد صرخه مدويه تعلن بكل قوه وعزه نفس (لسه عندنا امل … لسه عندنا حلم … ماتضلموش علينا … احنا هنا … لا ماتضلموهاش ) فقد تغير المواطن المغلوب على امره واكتسب القوه الملائمه للدفاع عن حلمه البسيط فى العيش والحريه والعداله الاجتماعيه , بعد تلك الصرخه انتهى العرض المسرحى وانتهت الحكايات المتشابكه التى ادمجها ابراهيم الحسينى ضمن ثنايا دواماته التى تبدو بسيطه وعاديه ولكنها عميقه تبدأ بالحدث العادى ثم ماتلبس ان تلحق به حيوات ومواقف تعرى الحدث الاجتماعى وتناقش الان وهنا بكل جديه وفهم مصحوب بالحلم الاجتماعى الكبير
لقد بدت النهايه قلقه على مصير المواطن ولكنها تجزم بأنه قد تغير ولم يعد يقبل بالحلول التى تقلل من شأنه أو تلك التى لاتعتبر انه موجود بلآساس ان دلك المواطن غير متاكد من غده ولكنه متمسك بلآمل , ولقد بين المؤلف ان اسره دلك المسكين الدى تبدل حاله لن تعود للخلف ولن ترضى بالتقسيمه القديمه كما ان المكتسبات السلبيه ايضا اصبحت سمه تلك الاسره فقد غيرتها الظروف وتكيفت بشكل أو بأخر مع الموقف الجديد كل حسب رؤيته وفهمه أن اسره دلك المواطن لن تعود أبدا لسلامها القديم واستكانتها المعهوده المشربه بالوعى الفطرى بلآمان والحب والانتصار للخير حتى لو ادى دلك لتاخر تحقيق الاحلام العادله فى المعيشه وتربيه الاسره بالطريقه التى تسمح لكل واحد منهم ان يحصل على حقوقه العاديه والعادله
لقد غلف ابراهيم الحسينى موضوعه بأطر عامه تبدو تقليديه (الزوج والزوجه والعشيق )وغزل دلك العنوان الكبير ببعض التفاصيل غير المعقده فالزوج يعمل حاجب محكمه عنده ثلاثه ابناء ولدان وبنت وهو رجل مستكين يعيش كما يقول بجانب الحائط ومشكلته الاساسيه كانت فى شيئين اولهما انه يكره الحيوانات الاليفه التى يجلبها ابنه للبيت واخرهم كانت قطه صغيره كان كلما ابعدها بطريقه ما وجدها مره ثانيه امامه , اما المشكله الاخرى فتتعلق بزميل دراسته ( مجدى ) والدى يرى فيه النمودج البشع لحال البلد ف (مجدى ) رجل سلطه مرتش ومتسلق ولا يجيد اى عمل حقيقى هو فقط يصلح للاعمال الملتويه التى يلجأ اليها بعض المسئولين للوصول لاغراضهم الدنيئه وبينما عزيز يزيد فقرا والما وتعاسه تتسع دائره معارف مجدى ويزداد وجوده المطمئن فى الحكومات المتتاليه فهما طرفى نقيض (خير وشر ) من هدا المنطلق طور الحسينى موضوعه الدرامى وعرض عزيز لآختبار قاسى بأن ادخله فى حادث معقد دمر حياته الاسريه وقلبها رأسا على عقب فقد تم الامساك به والزج به فى السجن لآن القطه المشئومه التى اراد ان يتخلص منها قد قفزت من شباك سياره رئيس الوزراء الجديد وشوهت له وجهه ومن ثم تم اقتياد عزيز للسجن وحقق معه بعنايه لكى يكشف للبوليس والنيابه لآى الخلايا ينتمى ولمادا كان مصرا على الانتقام من رئيس وزراء لم يمضى فى منصبه سوى ساعه واحده , وعليه حكم على المدعو عزيز الملقب ب (عزيز قطه ) بالسجن لمده ثلاثه سنوات ومن هنا بدأت خيوط اللعبه تتعقد وتتحول من الموقف التقليدى البسيط لدراما عبثيه تكشف الاعيب السلطه وتحولات المجتمع قبل واثناء وبعد ثوره الخامس والعشرين من يناير فقد ازدادت حده الموقف فى الاسره الصغيره بعد تخلى العائله الكبيره عن صابره زوجه عزيز واعطتها ظهرها فلم يعد هناك من يساعد لكونه انسان حقيقى يشعر بمأساه تلك الاسره وكل مساعده تعنى الحصول على مقابل ومن ثم اصبحت الام وابنائها الثلاثه معرضين لغزوات قاتله وموحشه وبالفعل راعى المؤلف خلط حيوات ابناء عزيز وامهم بتلك الاحداث المؤلمه كما انه ادمج التغيرات بمايحدث فى الوطن من تشوهات غريبه وقاسيه فقد تحول الابن (سيد ) ليبدو كقاطع طريق متمرس أو كشخص يمكن تأجيره لكى يقتل أو يسطو ويشرد طالما المقابل المادى جاهز فقد فهم سيد مغزى اللعبه على دلك النحو فمن يتعامل بشرف وامانه ويرتبط بالصدق النفسى والاجتماعى ليس له مكان فى المجتمع الجديد الشرس , ولكن الابن الاخر (عصام ) كان مرتبكا يقف فى وسط المسافه بين ابيه واخيه فلا هو تحول لبلطجى مأجور ولا هو استطاع ان يعيد نمودج الاب المغلوب على امره وقد لعب الدور (عصام مصطفى ) بفهم جيد ورومانسيه قلقه تعى حدود الشخصيه الدراميه وتلعب على طريقتها
وعلى جانب اخر قدم المؤلف شخصيه صابره كأمرأه طيبه وحنونه عندها مبادئها الخاصه فهى حنونه وشرسه لاتحب تشرد ابنائها ولكنها تتركهم كى يعيشوا التجربه وحتى حينما وقعت فى الخطأمع مجدى صديق عزيز كانت تصر على اتمام العلاقه بالزواج كى لا يفتضح امرها وكى تكتسب وجودها الامن لدى اولادها وخاصه ابنتها احلام والتى كانت تشك فى طبيعه العلاقه بين امها ومجدى رجل السلطه مند البدايه وحينما توصلت صابره الى حقيقه لعب مجدى على ابنتها ليجرها لنفس الشبكه التى حاكها من قبل اتخدت قرار قتله دون خوف أو تردد فهى شخصيه واضحه وجريئه ومواجهه وقد لعبت الدور الممثله الرائعه (وفاء الحكيم )بفهم متميز غير مقلد وقد خلطت بدلك الاداء بين روح المراه التى تحتاج لوجود الرجل فى حياتها وحدود الطبيعه الاجتماعيه
لآم ربت ابنائها على العفه والطهر
ورغم ان طبيعه النص الدى كتبه ابراهيم الحسينى تميل لعدم الاقتراب من التشتت السياسى الدى جر المجتمع المصرى لمنعطف خطير الاانه المح بطريقته لدلك التنويع الخطير فى الكيانات السياسيه وانتمائاتها وقد احتفظ بعدم اظهار المجموعات السياسيه التى انتمى اليها ابنى عزيز (سيد وعصام ) كما انه على جانب اخر لم يكشف أو يعطى معلومات كافيه عن الجهات التى تؤمن مستقبل مجدى وتعطيه الحق فى انتهاك تلك الاسره البسيطه بكل جبروت , كما انه لم يبين اى اثر حقيقى الم بشخصيات العرض من جراء الثوره فقط بدت العلامات واضحه فى كل من عزيز قطه وابنه سيد وبرغم دلك فقد بدا المؤلف واعيا بتضمين المعانى العامه والتى تحض على الحريه ونبد الظلم وتحرر المجتمع من المفاسد التقليديه التى علقت به عبر سنوات طويله من الفساد والانحلال
ولم يهمل ابراهيم الحسينى كعادته اثر الصوت الداخلى على الحدث الرئيسى او مسار الشخصيات فهو الصوت الدى تبديه الشخصيه لداتها ويراقبه المتلقى فتنكشف له حقيقه الاحداث وحقائق الشخصيات من بوحها فعبر عزيز قطه وصوته الداخلى تكشفت لنما الحقائق الجليه حول الشخصيه الدراميه فى حلمها وهزيمتها وتطلعها للنجاه أو الهروب فقد بدا لنا ان روح دلك المسكين خرجت ولم تعد لسلامها القديم ورضاها المعروف عنها
فى هدا النص لم يتخل ابراهيم الحسينى عن تقنيته المعروفه سلفا فقد عنون المشاهد ووضعها فى اطار القصص القصيره المتشابكه وقد جنح للواقعيه على غير عادته فقط لكى يعرى شريحه اجتماعيه سميت بأسماء شتى فى الفتره الاخيره فيمكن بكل سهوله ان نعتبر عزيز قطه احد افراد حزب الكنبه أو من الغالبيه الصامته
وبرغم كونها المره الاولى لمحمود النقلى كمخرج الا انه بدل مجهودا ضخما كى يخرج العرض بهده الصوره المرضيه للمتلقى التقليدى الدى قد يحزن لمصير تلك الاسره المنكوبه ويتعاطف معها , ولكنه كمخرج اراد تجاوز تلك البدايه لآدراكه لطبيعه النص المركبه فحاو ان يخلط بين عده مناهج اخراجيه يضع بها نفسه فى مستوى ارقى ولكنه فقط اكتفى بالوقوف عند بدايه دلك المشوار الطويل المشوب بالمخاطر والدى يحتاج لخبره متنوعه وفهم عميق لطبيعه كل منهج وكيفيه الدمج القائم على التطوير والتنويع , فمثلا غلب على العرض تفوق شريط الصوت على الصوره المعروضه فبناء الحدث اهتم اكثر بوعى الممثلين بأدوارهم على حساب الصور الجماليه التى تتكون عبر المشاهد المتتاليه أو عبر الانتقالات السريعه التى عاده ما يلعب بها المؤلف لآثراء الحدث الدائر , وفى هدا الاتجاه لاحظت ان المخرج قد وعى بتلك التركيبه الدراميه شبه المعقده وحاول ان يضمن بعض لحظات الاضاءه غير التقليديه كأن تبدو بعض لحظات السجن محاطه بأضاءه خافته مدعمه بشرائط ظلاليه تحول المكان كلهلسجن كبير , كما انه فى مشهد البوح بين الزوج والزوجه بعد سجنه خلط بين صابره الموجوده فى منزلها وزوجها الموجود فى السجن ووزع الصوره بحريه بينهم بأضاءه شبه كامله , وقد فلتت منه بعض اللحظات الدراميه فبدت بعض المشاهد تميل للميلودراميه الفاقعه ولولا انه فطن وممثليه لتلك التفصيله لوقعنا طواعيه فى تلك الهوه غير المحببه
اما عن ديكور صبحى عبدالجواد فقد بدا متنوعا بين اكثر من منظر فالمشهد المسرحى يجمع فى دات اللحظه بين بيت الاسره وبيت مجدى وغرفه التحقيق والشارع والسجن ومعنى وجود كل تلك المناظر فى كل اللحظات الدراميه ان مهندس الديكور قد حصل على تعليمات تفيد تنوع اليات تقديم الحدث الدرامى وان ثمه وعى مركب لدى صانعى العرض ينبغى ان تكافئه مناظر مسرحيه تصر على التمازج فى التكوين , ولكننى للحق لم المح منظرا واحدا من تلك المناظر التى يعج بها المسرح يشد انتباهى أو ياخد عينى لآتأمله واربط بين وبين المعنى البارز او الضمنى للحدث الدرامى ؟ فالزحمه والخلط كانوا يدفعونى للتوهه وعدم التأمل فقط كانت هناك بعض رسوم الطباشير الموجوده على منظر حائط السجن حاول بها المصمم ان يقدم فهمه لطبيعه تلك الشخصيات المظلومه والتى تتوق للهرب من المصير المشئوم , اما بيت عزيز قطه وبيت مجدى فكان بنائهم تقليدى وجاء الشارع مطعما ببعض الرسوم الهلاميه التى لاتعكس شيئا محددا
وجائت موسيقى والحان وغناء احمد حجازى جيده ومتوافقه مع طبيعه الاحداث الموجوعه بالوطن فقد استلهم الملحن روح الملحنين الشعبيين ووضعها كأطار للاشعار التى كتبها ابراهيم الحسينى لكى تبقى فى الداكره كأحد العناصر الهامه فى العرض المسرحى
وبدا الاداء التمثيلى كأفضل عناصر العرضفقد قدم (عبدالرحيم حسن ) واحد من افضل الادوار استطاع به ان ينتقل بين عده مواقف انسانيه فى شخصيه عزيز قطه دلك المسكين المغلوب على امره والدى تحول من فرط الضغط والظلم لنمر شرس يجابه العتاه والظلمه بكل قوه وايمان , وقد اسرتنى تلك الصوره المعبره عن الشخصيه والتى وضعت فى خلفيه بيته فقد جمعت بين انسان يضحك ويبكى فى دات اللحظه
اما جلال عثمان فقد لعب دور مجدى بفهم كبير قربه من الشخصيات السينمائيه العظيمه فى تاريخ السينما المصريه فقد اقترب كثيرا فى ادائه من من شخصيه الممثل الكبير المرحوم عادل ادهم دلك الشرير الكوميدى الدى يلعب بالمصائر دون تردد ولا يمكنك تصور انه انسان عادى (يخاف او يبكى او يحن ) فهو يحسب كل خطوه ويضحى بأى شئ
وكدا بدا نائل على فى دور صوت الضمير واعيا باهميه تحويل الكلمه لحلم واستطاع من خلال ادائه ان يمرر تلك المراهنه بوعى وفهم طيب
اما محمود الزيات فقد لعب دورا صعبا بفهم ممتاز فطبيعه الشخصيه تقول بأنه الابن الدى وعى طبيعه المجتمع فتخلى عن ضميره واستجاب طواعيه لطبيعه المرحله كى لايخسر الرهان مثل ابوه والزيات يطرح نفسه بقوه الواعى والمدرك لدلك الفهم الهام
اما محمد دياب فقد حاول ان يخلط بين المحقق والانسان المدرك لكون (عزيز ) مظلوم فبدا ادائه مطعما بالمعنيين فهو متعاطف ولكن لا يمكن ان يخرج عن الاطار التقليدى لطبيعه الوظيفه
وبدا احمد الشريف فى دور المسجون (زهران ) موجوعا بمراره السجن والمه ولم يعطه الدور المرسوم مساحه كبيره لكى يظهر جوانب انسانيه اخرى من الشخصيه الدراميه
وبدت( مى دياب ) فى دور الفتاه احلام رقيقه ورومانتيكيه كما الشخصيه تماما , لقد قدمت فهما جيدا للبنت المتمسكه بكيان الاسره المغلوبه على امرها والتىتتوق للحريه والنجاه

 

 

المصدر من صحفة أحمد خميس الشخصية

على الفيسبوك

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *