مسرحيات شكسبير في ضيافتهم عام 1914..فنانو ميسان يستذكرون ماضيهم المترف في حاضر مقرف!

إنها العمارة اُهزوجة الجنوب  بقصب أهوارها ويمشاحيف دجلتها وهي تنساب كالفراشات بين قراها ومزارعها وبساتينها ،حين أدخلها تصفق الضلوع من شدة الفرح وتغني

 

شهوة الحب بأبهى أناشيدها،انها مدينة جدي وأبي ،انها أُمي التي أنشدتني أجمل اغاني الوفاء وأرضعتني حليب الارض الذي لا يعدله أي حليب في العالم ،قلبي  يصيح مَن يُعيرني  عيوناً اخرى لأملأ لذتي من كل هذا الحُسن ومن هذا الحب الذي يذهلني بمشاعره وحنينه الصادق ،فيها صدحت مواويل سيد محمد(ياصاح أنا أخوك لوجار الوكت صاحبك)،ومن يلوم مسعود العمارتلي وهو يغني لها يكل شجن الهور(كصة المودة شعري أرد أكصه عليج كصة المودة)،واحسد طيور ولدها سعدون جابر وهو يغني لها(ياطيور الطايرة مري بهلي)،هذه المملكة التي تغنى بطيب حندقوقها شاعرها الكبير حسب الشيخ  جعفر وبسحرها صاغ اجمل القلائد عيسى الياسري،ورسم من فتنتها العديد من الفنانيين التشكليين اجمل لوحاتهم ،وخرَّجت العديد من المواهب للفن الغنائي والمسرحي،تلك التي كانت في ستينيات القرن الماضي تملأها دور السينما والمسارح، أين هي اليوم من كل ذلك الترف والزهو؟

بداية المسرح عام 1914

جلسنا أنا ومجموعة من الادباء والفنانين والمثقفين في مقر البيت العراقي الذي يترأسه الزميل صباح السيلاوي لنعرف ما تبقى من ذلك الإرث الثري الذي يعكس قيمة رقي كل مجتمع.

يقول نائب رئيس نقابة الفنانين في ميسان والمخر ج المسرحي جميل جبار التميميي:

إن تاريخ ميسان المسرحي وعلاقتها بهذا الفن انطلق مع بداية القرن الماضي وتحديداً عام 1914مسرحية انكليزية على متن باخرتهم الشيطان وبحضور قائدهم طاوزند،ويبين المخرج نقلا عن الاديب ابي جعفر القزويني لوالدي وجدي بأن هناك مسرحية لشكسبير عرضت على متن الباخرة على ضفاف دجلة في كورنيش العمارة،فلم استغرب من ذلك لكون المسرح انطلاقته من محافظة نينوى كان في القرن الثامن عشر،ونحن نذكر هنا والكلام للمخرج المسرحي اللبناني مارون النقاش الذي عاش في القاهرة هو مَن أدخل المسرح اليها بعد عودته من فرنسا ونقل لها تجربة المسارح الأوروبية بعد ان تأثر بثورة المسرح فيها ليُحييها في مسارحها وحتى نواديها الاجتماعية،ونحن كعراقيين ندين بالفخر لأستاذنا الكبير الراحل حقي الشبلي،فهو رائد المسرح الجاد ومؤسسه في العراق.

خمس صالات سينما وملهى

العمارة كما يوضِّح التميمي، بدأ ينشط المسرح فيها في نهاية أربعينيات القرن الماضي بجهود نخبة طيبة من مثقفيها ومبدعيها وخاصة الذين ينتمون للتيارات الديمقراطية والليبرالية في ذلك الزمن،وأذكر منهم المرحوم عيسى عبد الكريم ،عبدالله فليح الراشد،سلمان الجوهر،محمد سليم حسون،خزعل الهاشمي،وأولاد الملا خصاف،ومن اخوتنا الصابئة المندائيين الممثل زهرون عمارة ولاننسى وجود بدري حسون فريد قضى فترة في العمارة وكذلك الفنان الكبير حقي الشبلي الذي زار العمارة فكان لهم تأثيرهم،وتلك الشخصيات أسست نواة للمسرح العماري،وكان مقرهم كلجنة مسرح في شارع بغداد وسط العمارة،وتلك الجمعية تسمى (أصدقاء الفن)،وأتذكر والكلام للمخرج المسرحي انه في عام 1956 كنت حينها في الصف الرابع الإبتدائي، وكان لي أحد الأقرباء وهو المرحوم جبار حسون وكانت له مسرحية اسمها (فاشية الاسبان )وكان ذلك اول دخولي للمسرح واشتركت فيها ككومبارس، وقدمت تلك المسرحية على كورنيش العمارة وتحديداً على حدائق شارع دجلة وكانت من اخراج المرحوم عيسى عبد الكريم وقد حضرها العديد من عوائل العمارة المعروفة ولاقت استحساناً كبيراً من الحضور، والجيل الذي مثلته انا وباسم مشكل والفنانون الراحلون رياض خضر وباسم علوان ومهدي حمدان، قدمنا الكثير من الاعمال الرائعة وكانت الجمعية تتقدم من نجاح الى نحاح اكبر.

بهنام وديع أوغسطين

يوضح التميمي أنه في ستينيات القرن الماضي كان موجوداً كمدرس للغة الانكليزية  في اعدادية العمارةاستاذ بهنام وديع اوغسطين الذي قدم اروع المسرحيات العالمية على مسارح العمارة كمسرحية هوراس للشاعر الفرنسي كورنييه،ومسرحية مولير ومعظم مسرحيات شكسبير ،ولأستاذ بهنام الذي جاء من محافظة الموصل بصمته وفضله الذي لا يُنسى على المسرح والمسرحيين في محافظتنا،وهو يحدثني الرجل مستذكراً تلك الاسماء العراقية الشبلي والسامرائي والهاشمي والموصلي والصابئي والمسيحي والربيعي والياسري في هذه المدينة متكاتفين من اجل نشر الوعي والثقافة والفن في مدينتهم، هل من لائم يلومني وخاصة من أولياء أمور خراب البلد ،إذ تبَّاً لزمنك هذا وتبَّاً لكل مَن ينشد تمزيق الوطن، ويأخذ اطفالي عنوة صوب عصور الظلام ،ومَن ذا الذي يُعيرني ليالياً وليست سنين من ذلك الزمن لا نزفُّ فيه عِللَي وأخيط جرحي الذي باتت شيمته الاتساع ولا ألومَه على ذلك.

ويرى التميمي أن عوائل العمارة في ذلك الوقت فيها من العوائل المتخصصة بعشق المسرح ومتابعته،والعمارة سابقا ميسان حاليا في ذلك الوقت كانت بها خمس صالات سينما،وهي: سينما القاهرة الموجودة على شارع دجلة، سينما الامير، وكذلك سينما الخيام ،وسينما النصر،وسينما الحمراء وكذلك ملهى الحمراء،والموسيقى منتشرة في كل مكان والسبب يعود للوضع السياسي القائم لانه في ذلك الوقت الشخصيات الحاكمة مثل جميل المدفعي او نوري سعيد كانوا يعطون لحرية المواطن مساحة اوسع ويكفلون ويحترمون حريته الشخصية،وحتى أوامرهم تشير الى ضرورة نشر المسرح والثقافة والفن حتى بالمجتمع الريفي الموجود في العمارة.

الاقطاعيون والفــن

مضيفاً إن الاقطاعيين الموجودين في العمارة سواء على مستوى شيوخ عشائر البو محمد او آل ازيرج او بني لام وكعب والبهادل والسواعد توجد لهم قصور خاصة في مركز العمارة،وهم في الصيف تجدهم رواد المسرح والسينما وحتى الملهى ويعدُّون ذلك نوعاً من الترفيه والسياحة بعيداً عن مناطقهم الزراعية.

ويوضح التميمي دوره في المسرح العراقي بأنه دخل دورة اخراج مسرحي في صوفيا عام 1974 واضاف لي المسرح الاشتراكي خبرة استثمرتها في المسرح العراقي من خلال اخراجه لـ40 مسرحية تقريباً،فقد قدم مسرحيات عـدة منها أين الحقيقة، ومسرحية الكرسي ،ومسرحية (ثرثرة على أطراف العشار)وغيرها،وشاركت فيها نخبة من الفنانيين العراقيين،وهناك مسرحية اخرجها ويعتز بها كمايقول وساعده في الاخراج الدكتور فاضل خليل وهي مسرحية(انتظار) وقمنا بتقديمها في عمق الهور في ناحية السلام،وكُرِّمت عام 2010 من ضمن عشرة فنانين على مستوى العراق،وقال معاتبا صباح المندلاوي نقيب الفنانين العراقيين والفنان قاسم اسماعيل أني بعد 45عاما من خدمة الفن العراقي لم أحظَ بأي احتفاء أو تكريم من قبلكم تبين لي بان الفن لا يعنيكم لا من قريب ولا من بعيد بحسب قوله.

تعدد الفرق المسرحية

فيما يُبيِّن الصديق نصير جاسم الخفي نائب رئيس جمعية السلم والتضامن أن جمعية اصدقاء الفن استمرت في العمل وتقديم المسرحيات تلو الاخرى وكان سعر بطاقة الدخول (25)فلسا ، ويطلق عليها معونة الشتاء وهي بموافقة من متصرفية العمارة،تركت محدثي مع جهاز التسجيل والتفت صوب بغداد المنهوبة والمنكوبة والمتعوبة بكل شيء متسائلا :ايها الساسة الجدد في ذلك الزمن والدولة تتابع الـ(25)فلسا ،واليوم مليارات الدولار تذهب و تنهب وتهرَّب الى خارج البلاد  من غير محاسبة ومن دون متابعة،وموازنات خيالية من غير حسابات ختامية،ومن يكشف الفساد ليس من البلاد،المهم لا يهم مادام الضمير أبكم!!

ويضيف الخفي ان المبالغ التي يحصلون عليها هي لشراء احتياجاتهم المسرحية كالملابس وغيرها من الاحتياجات الفنية،والفائض منها يوزع على العوائل المتعففة داخل المدينة،فكانت رسالتهم جهادية وهمـُّهم أولا وأخيرا إسعاد الناس واشاعة الوعي الثقافي والفني داخل المجتمع العماري.

ونتيجة لشغف شريحة واعية من الشباب وكثرة الراغبين منهم للانتماء الى تلك الجمعية انشقت اصدقاء الفن الى قسمين، اصدقاء الفن وفرقة الطليعة،ومن ثم انقسمت الطليعة الى قسمين احدهما برئاسة علي الهاشمي والفنان صلاح حجازي، والآخر بمسؤولية المرحوم شاكر عبد اللطيف السامرائي ومن ضمنهم اولاد ملا خصاف،والمرحوم زهرون عمارة وغيرهم من فناني العمارة،وازدهرت الحركة الفنية بصورة كبيرة في ستينيات القرن الماضي،وتعددت الفرق آنذاك فهناك فرقة العمال ،والنساء واتحاد الطلبة ،واصبحت القيادة للطاقات الشابة أي الجيل الثاني الذي بدأ يحصد ثمار ابداعه في سبعينيات القرن الماضي،فمثلا  الفنان حسن حسني الذي قدم اعماله مع مهدي حمدان في المدرسة المركزية وكذلك كان هناك المرحوم قاسم علوان،بعدها توجه الفنان حسني الى اكاديمية الفنون الجميلة واصبح مصدر فخر لأهالي العمارة.

فاضل خليل والقرش الأحمر

وعن  الفنان الكبير الدكتور فاضل خليل يقول الخفي:  بوجوده في ميسان قدم لنا مسرحية (عقدة حمار)للكاتب عادل كاظم واعمال اخرى،وكذلك الاستاذ فاضل السوداني باعماله الرائعة مثل القرش الأحمر وغيرها،بعدها غادرنا الدكتور فاضل خليل الى بلغاريا ليكمل الدكتوراه هناك وكذلك السوداني والعديد من ابناء العمارة.

الكاتب صباح السيلاوي مدير البيت الثقافي في ميسان يتذكر  المخرج السينمائي عبد الجبار ولي  حين جاء الى العمارة في ستينيات القرن الماضي والتقى مع فرقة الطليعة وشرع بالعمل على فلم (انعيمة) حيث كان من الفنانين الذين معه سلمان الجوهر وجليل العرس وأخذ دور المرأة في الفلم المرحوم عبد الجبار عباس وكذلك الفنان محمد علي حسون واغلب فرقة الطليعة،حيث كان الفلم يعالج الكثير من التقاليد العشائرية السائدة آنذاك كحياة المرأة بالاهوار وموضوع المرأة الفصلية وغيرها، لذا لاقى نجاحاً مبهراً في حينها.

وهناك العديد من الفنانين أصولهم من العمارة لكنهم لم يعملوا داخل مدينتهم  منهم مثلا عبد الرحمن المرشدي والقائمة تطول كما يُبيِّن السيلاوي.

مسرح الأوبريت

يقول السيلاوي: إن العمارة انفردت عن غيرها من المحافظات الجنوبية بتقديم مسرح الاوبريت والمرحوم عبد الرضا جابر بدأه بأوبريت (يولدون من جديد )للشاعر نعمة مطر العلاف و(كل ليالينا قمر)  وكانت الموسيقى للموسيقار كاظم فندي ،وايضا قدم كاظم جبر العبودي العديد من الاوبريتات من تأليف الشاعر سعدون قاسم،وكذلك المرحوم مهدي حمدان اشترك في الاوبريتات واغلب فناني العمارة.

الجيل الجديد كما يقول الصديق الشاعر والإعلامي نصير الشيخ ايضا اتبعوا خطى أساتذتهم في حبهم وولعهم بالمسرح مثل الفنان حسين الخفاجي والشهيد الفنان جعفر مزعل وكي حداد وخالد علوان وصلاح مهدي، وهناك فنانون سكنوا المهجر منهم ماجد عاكول الموجود حاليا في السويد ،وماجد درندش والمسرحي عبد الخالق كيطان الذي عمل الكثير لمسرح مدينته،وكذلك  الفنان سعد هادي.

وعن اسماء ابناء المدينة العاملين في المجال الفني ببغداد يقول الشيخ: منهم المرحوم طه الباججي وابراهيم الباججي،والمرحوم زاهر الفهد،والمرحوم علي حسين عباس الذي له الفضل الكبير في انشاء مسرح عراقي خالص،وكذلك لا ننسى الفنانة انعام الربيعي وكذلك عبد الجبار حسن وفناننا مكي البدري، والفنانة الكبيرة سعدية الزيدي والفنان اسماعيل حمادي وهولاء جميعا قدموا اروع نشاطاتهم على خشبة النشاط المدرسي الذي أنجب العديد من الفنانيين الكبار  للعراق ولمدينتهم.

مسرح يُهدم بالشفلات!

وعن نشاط المسرح والمسرحيين في الوقت الحالي نعود الى المخرج المسرحي جميل التميمي ليؤكد لنا انه بعد التغيير بدأ المسرح ينشط نشاطاً قوياً لأننا بدأنا الحديث بحرية ونتكلم عن أية جهة كانت سواء حزبية أو دينية،ولا يوجد أي رقيب على ما يقدمه المسرح العماري،ولكن العلة بأنه لا وجود لمسارح عاملة في العمارة،ولا يوجد أي دعم للفنان العماري ولا وجود لأي مهرجان فني حاليا في محافظة ميسان!

الفنان جبار عبود يقول: إن مسرح نقابة الفنانين الذي كان يؤدي رسالته الفنية بدلا من ان يدام ويرمم من اجل ايصال رسالته ،في ليلة وضحاها حولته (الشفلات) الى ركام تحت ذريعة استثماره كـ(مول)، مضيفاً: أن الطاقات موجودة سواء من العنصر النسوي او الرجالي فلدينا الفنانة فرح جميل والفنانة ايمان قاسم وكذلك احلام العبودي وغيرهن من الفنانات .

فيما علق المخرج جميل التميمي لكن الاجواء غير مشجعة لان المسرح الذي لجأ اليه بعض الفنانين هو لغرض الارتزاق مع احترامي لبقية الفنانين من خلال (التشابيه) أي المسرح الحسيني المدعوم ماديا بصورة كبيرة من الاحزاب الدينية متمنياً على الاوساط الثقافية من اتحادات وروابط اخذ دورها في التوعية والتثقيف ليأخد الفنان والفن دوريهما في بناء المجتمع.

لكن الزميل نصير الخفي قال: إن هناك قاعات حكومية تصلح ان تكون مسارح ،وهناك نشاطات ولكنها وللأسف غير منتظمة وشحيحة  وتحدث في المناسبات احيانا، فالمسرح موجود لكن العمل المسرحي الذي يستمر عرضه جماهيريا لمدة اسابيع كما كان يحدث في فترة السبعينيات او حتى التسعينيات فهذا الامر غير موجود،لأنه نشاط مناسباتي يخص جهة حزبية او منظمة مدنية او جهة حكومية ينتهي مع نهاية الدوام الرسمي ولا أظنه يخدم المواطن الذي هو يعطش لمثل تلك الاعمال.

خرجت من البيت الثقافي لأجد نفسي بمواجهة سينما الخيام سابقا محل النجارة حاليا،فغيرت اتجاهي صوب بغداد مردداً مع زهور حسين(غريبة من بعد عينج ييمه..محتار بزماني)!

nوإلى حكاية أخرى من حكايات هذا وطني

 

 

ميسان/ يوسف المحمّداوي

http://www.almadapaper.net

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.