أخبار عاجلة

احتضن المسرح الوطني الجزائري محي الدين باشطارزي، منتصف جانفي الجاري، مسرحية “ما تبقى من بريد الشهداء” من إنتاج المسرح الجهوي لسكيكدة، وقيادة المخرج القدير عمر معيوف. عرض يستحق العلامة الكاملة، سواء من حيث عدد الجمهور الذي اكتظت به مدرجات القاعة، ومن تجاوبهم مع مجريات المسرحية، بالتصفيقات الحارة أو من الصمت المطبق أثناء اللعب التمثيلي أو حتى من خلال الأصداء عقب الانتهاء من العرض لدرجة أن الكثير ممن التقيت بهم كانوا يتمنون إعادة تقديمها مرة أخرى.

قراءة في مسرحية “ما تبقى من بريد الشهداء”.. الدراما، الركح.. للدفاع عن ذاكرة الثورة

احتضن المسرح الوطني الجزائري محي الدين باشطارزي، منتصف جانفي الجاري، مسرحية “ما تبقى من بريد الشهداء” من إنتاج المسرح الجهوي لسكيكدة، وقيادة المخرج القدير عمر معيوف. عرض يستحق العلامة الكاملة، سواء من حيث عدد الجمهور الذي اكتظت به مدرجات القاعة، ومن تجاوبهم مع مجريات المسرحية، بالتصفيقات الحارة أو من الصمت المطبق أثناء اللعب التمثيلي أو حتى من خلال الأصداء عقب الانتهاء من العرض لدرجة أن الكثير ممن التقيت بهم كانوا يتمنون إعادة تقديمها مرة أخرى.

 

 

بخصوص مقاربتنا النقدية يمكننا القول، إن المسرحية تتسم بالنضج الفكري والفني المطلوبين. من حيث الفكرة فهي تنصب حول موضوع محوري واحد يتمثل في حتمية حمل جيل الاستقلال لمشعل الثورة حتى يكونوا أحسن خلف لأحسن سلف. وفكرة العرض كانت متجاوبة إلى حد بعيد مع وحدة الموضوع، التي اشترطها أرسطو في كتابه “فن الشعر” كوحدة من الوحدات الثلاثة الأساسية لأي عمل درامي. إن تحديد الموضوع بدقة هو الذي أدى طبعا إلى نضجها فنيا، ويمكن إبراز ذلك سواء من خلال رسم الشخصيات أو الحبكة ممثلة في الصراع الدرامي والحوار الدرامي.

بالعودة إلى رسم الشخصيات، فإن تجربة المخرج وحنكته تظهر بجلاء، ذلك أن مختلف شخصيات المسرحية كانت تعبر عن أبعاد نفسية واجتماعية وثقافية وحتى عن عادات الشعب الجزائري وتقاليده وتأثره بثورته المجيدة. فشخصية “عمي قدور” بطل المسرحية، أرادها، معيوف، أن تعكس خصال المجاهد، بصفته أمين سر مراسلات الشهداء إلى ذويهم أيام الثورة. وظل كذلك حينما قرر إبلاغ جيل الاستقلال بمضمون تلك الرسائل.

وقد لبس الممثل المخضرم، سعيد زنير، الشخصية المسرحية بجودة عالية، إذ ظهر عليه جليا انغماسه في الشخصية، حينما كان يذرف الدموع وحشرجة في الصوت لدرجة تحس وكأنك في موقف حقيقي، فحتى التعبير الفيزيولوجي عن ملامح شخصية البطل هو الآخر كان حاضرا وبقوة في هذه الشخصية وفي غيرها من الشخصيات الأخرى. يعد الفنان القدير سعيد زنير المولود بتاريخ 1947 عنصرا أساسيا في اللعبة الدرامية لهذا العمل، فهو اعتمد على معايشته للثورة واكتوى بنيران الاستعمار الفرنسي، لذلك فإن نصائحه للشباب بهذا الخصوص كانت نابعة من القلب وتعبر بصدق عن مشاعر الرجل.

نلاحظ أن المخرج، معيوف، لم يجعل شخصية البطل نابعة من كون صاحبها أراد ذلك، ولكن لأن الحاجة والضرورة هي التي حتمت ذلك وهذه هي متطلبات العمل الفني الناجح. فعمي قدور في المسرحية لم يكن يهدف إلى تقديم نصائحه وتوجيهاته إلى الشباب لغاية شخصية وإنما السبب الذي دفعه إلى ذلك، هو خوفه من ضياع رسالة الشهيد بعد مرور ما يزيد على نصف قرن من الاستقلال، خصوصا وأن البلاد قد مرت في الآونة الأخيرة من عمر استقلالها بعدة أزمات أمنية وسياسية كادت تفقدها حريتها واستقلالها، لدرجة أن البعض كان يطالب بإنزال الثورة ككل إلى الأرشيف، لذلك نرى عمي قدور يحرص على تقديم النصح للشباب بعدم التفريط في رسالة الشهيد.

وحتى يقوي الإحساس أكثر لدى المتفرج بسنين الجمر التي كابد ويلاتها الشعب الجزائري خصوصا إبان ثورته المسلحة، فقد أشرك في ذلك عددا من الممثلين كل حسب الرسالة التي يحملها إلى ذويه، فهذا يتحدث إلى ذويه عن العذاب الذي يكابده من قبل المستعمر الجلاد وذاك يعتصر ألما وشوقا إلى فلذات أكباده الجوعى الضائعين، وتلك أم تغني لرضيعها أغنية الطيارة الصفراء أحبسي ما تضربيش هذاك لخي “الأخ” لميمة “الأم متضنيش”… كما يلاحظ المتفرج لهذه المسرحية أن المخرج أشرك المرأة إلى جانب الرجل في كفاحهم المسلح ضد المستعمر الفرنسي بطريقتها الخاصة، وتلك دلالة أخرى أن المرأة الجزائرية أيضا معنية بالمحافظة على رسالة الشهيد وأن دورها في ذلك لا يقل عن دور الرجل وما تنشئتها للجيل الصاعد على التحلي بروح الوعي والثقافة والعلم لأحسن مثال على ذلك، وهو ما نستشفه في المقطع الحواري الذي تخاطب فيه المرأة المذكورة أعلاه ابنها الرضيع بأن يقرأ ويتعلم…

فيما يتعلق بالحبكة، فيمكن أن نستهلها بالبناء الدرامي لأحداث هذه المسرحية والضرورة الفنية التي اقتضتها وهو ما يمكن التمثيل له بالترابط بين الأحداث المكونة للنص من المقدمة وحتى النهاية، فعنصر التشويق ظل ملازما لمختلف أطوار المسرحية وهذا ما نلمسه من خلال العبث واللامبالاة التي تعامل بها شباب الثورة في بداية الأمر مع عمي قدور، عندما جاء بدراجته إلى البريد ليجد قفل بابه قد كسر وهو ما يمكن التمثيل له بمحاولة أحد الشباب الركوب على دراجة عمي قدور المركونة في إحدى الزوايا كونها ملكا للدولة، لذا فهو ملك سائب يمكن العبث به دون حسيب أو رقيب، باعتبار أنها تتبع لمصلحة البريد التي يعمل بها عمي قدور كساعي بريد، لكن عمي قدور بعد أن منعه من ذلك أقنعه بأن هذه الدراجة ملك لك ولي وللآخر وفي النتيجة هي ملك لكل الشعب الجزائري لذا نحن جميعا مطالبون بالحفاظ عليها وصونها من أي كان، وتلك رسالة موجهة للشباب بضرورة التحلي بروح المسؤولية في مراقبة المال العام في كل مكان وزمان لأن الهدم لا يستقيم مع البناء الذي ننشده جميعا من أجل تشييد الجزائر التي هي أمانة في أعناق شباب اليوم أكثر من غيرهم، باعتبارهم ركيزة الأمة وأملها الموعود، وبالعودة إلى توهم عمي قدور بضياع تلك الرسائل وما نتج عنه من هيجان عصبي، لكن بعد إسعافه من طرف الشباب المحيطين به وبعد تأكده من عدم ضياعها عادت إليه البسمة من جديد وبدأ يحدثهم عن سر ما تحويه هذه الرسائل من ويلات ومآسي كابدها الشعب الجزائري إبان الاستعمار الفرنسي، خصوصا أيام الثورة المسلحة فتجاوبوا معه إلى حد التفاعل. أما طابع الصراع الدرامي في هذه المسرحية فنقطة انطلاقه تبدأ من دخول عمي قدور مسرح الأحداث وكشف رسائل ما تبقى من بريد الشهداء إلى شباب اليوم، وهي رسائل تحمل الكثير من معاناة الشعب الجزائري من قمع المغتصب الفرنسي وما تلك الأخبار المتضمنة في تلك الرسائل على ألسنة كتابها من الشهداء إلا صورة مصغرة مما كابده الشعب في تصديه للمحتل البغيض، والتي يجب أن يختزنها جيل الاستقلال في نفسيته حتى تترسخ في ذاكرته، ذلك أن عربون الحرية لم يتحقق بالمجان وإنما تحقق بفضل شلالات الدم والدموع التي ارتوت بها هذه الأرض الطاهرة، لذا فإن الحفاظ عليها وصونها من الضياع مسؤولية نشئنا الصاعد ولا يكون ذلك إلا من خلال التفاني في خدمة الوطن وإيثار المصلحة العامة على الخاصة ونبذ التشتت والتفرق والاحتكام إلى رسالة الشهيد، والصراع هنا لا يظهر بالشكل المباشر بين المحتل وشهدائنا الأشاوس وإنما يتجلى من خلال الإسقاطات التي روتها رسائل الشهداء عن تلك الصور الملتقطة من واقع ثورتنا المظفرة التي تمتزج فيها أسمى معاني البطولة والنضال مع أبشع أنواع التنكيل والمعاناة التي كابدها الشعب آنذاك بمختلف فئاته، شيبا وشبابا نساء وأطفالا. إن هذه الرسائل التي قرأ سطورها عمي قدور على مسامع شباب اليوم، بعد مرور خمسين سنة من عمر الاستقلال لما تحمله من ذكرى أليمة هي التي أوصلت الأحداث إلى ذروتها مما أدى إلى انقلاب كلي بعد اطلاع شباب اليوم على رسالة الشهيد الحقيقية مما أدى بهم إلى تغيير وجهة نظرهم من متشككين في مبادئ الثورة نتيجة الواقع المتردي الذي يعيشونه في مختلف المجلات إلى التعاطف معها والاستعداد من أجل الدفاع عنها بالكد والعرق والغيرة كل بحسب إمكانياته، وما إصغاؤهم لمحتوى رسائل الشهداء وحماستهم لسماع المزيد منها إلا تأكيد على بلوغ هذه الرسائل إلى هدفها، وهو التواصل بين جيلي الثورة والاستقلال وحتمية أخد المشعل وعدم التفريط فيه لأنه يمثل آمال الأمة في بعث جزائر العزة والكرامة التي سيستظل بظلها الجميع دون إقصاء أو تهميش.

وفيما يتعلق بالحوار، فهو الآخر قد بلغ قمة نضجه، ولم يعد في هذه المسرحية حديث بين أشخاص عاديين في حياتنا اليومية، وإنما حوار درامي بما يحمله هذا المصطلح من معنى كونه اتسم بانتقاء المخرج للكلام المعبر عن الشعور والعاطفة والموقف والهدف المرسوم والأثر الكلي الذي أحدثه في النفوس، إضافة إلى اتسامه بالدقة والوضوح، كونه جاء معبرا عن أبعاد مختلف الشخصيات التي رسمها دون أن يتخذ هذه الشخصيات أبواقا للتعبير عن رآه وأفكاره وهو ما يمكن التمثيل له بالكثير من المشاهد الحوارية فالمقطع الحواري الذي يدور بين عمي قدور والشباب حول رسالة الشهيد، لم يكن محادثة عادية بين الأطراف المتحاورة فيه وإنما جاء حوارا مثقلا بالعاطفة والأحاسيس الجياشة وكيف لا وهو يروي عذاباب بشر مثلنا والأكثر من ذلك أنهم آباءنا وأجدادنا الذي ماتوا من أجل أن تحيا الجزائر.

أ. د العمري بوطابع

http://www.djazairnews.info/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.