أخبار عاجلة

زكي طليمات… عمل في حديقة الحيوان وتعلم أصول التمثيل من “القردة”

فى منتصف الستينيات, انطلقت عبارة الدوق آرثر في الفيلم السينمائي “الناصر صلاح الدين” لتهز قلوب المشاهدين, أداء مؤثر وساحر لعبارة أدبية بليغة, حيث قال الفنان القدير زكي طليمات: “في ليلة أقل جمالاً من ليلتنا هذه ستأتين راكعة إلى خيمتي”, موجها حديثه الى فرجينيا جميلة الجميلات التي جسدتها الفنانة ليلى فوزي.

 

 

العديد من الناس لم يكونوا يعرفون قبل هذا الفيلم إمكانات وقدرات هذا الممثل والمبدع الذي قام بدور كبير وبارز في النهوض بالمسرح المصري والعربي على أساس علمي منهجي, مركزاً بكل طاقاته وملكاته الإبداعية على نقل الفن الجماهيري من مرحلته الارتجالية إلى مرحلة البناء والترسيخ بخطط تستند إلى قواعد وأصول علمية, حتى يقف على قدم المساواة مع أعرق المسارح الأوروبية.
كان طليمات قامة شامخة في التمثيل, الإخراج, التدريس والتدريب لأجيال متعاقبة تعلمت وأبدعت في الدراما والفنون الآدائية المتنوعة.
في حي عابدين وبالقرب من قصر عابدين الذي كان مقراً للحكم زمن الملكية انطلقت “زغاريد” تعلن ميلاد زكي عبد الله طليمات في أحد أيام عام 1894, وبين الشوارع الضيقة والميدان المترامي الأطراف, لعب وجرى الصغير, وتربى وواصل دراسته, حتى حصل على شهادة البكالوريا عام 1916, ليلحقه والده بمدرسة المعلمين العليا. لكن الفتى الطموح المتمرد كان قد وقع في هوى الفن المسرحي, قرر ألا يكمل دراسته بهذه المدرسة, ووجد نفسه في قلب معركة مع أسرته.
تمنى والده ذو النزعة الجادة الرصينة أن يرى ابنه مدرساً للغة العربية بإحدى المدارس الحكومية, وأصر زكي على موقفه وهو ميله للمسرح, وصمد أمام طوفان غضب أبيه وانتقاداته اللاذعة بمساندة أمه ذات الأصل الشركسي التي كانت تعشق الفن بعيداً عن عيون الأب الصارم.
فهو أثناء دراسته البكالوريا, تجول بين فرق العاملين في هذا المجال المثير والمدهش, حتى صار عضواً فاعلاً في العالم المليء بالإبداع والحركة, وصار يمثل مع تلك الفرق ويشارك في بطولة ما يقدمونه من مسرحيات.. وهكذا انضم إلى “جمعية أنصار التمثيل والسينما”.
وحين قرر عبد الرحمن رشدي (المحامي) إنشاء فرقة مسرحية, أسرع طليمات المفتون بالمسرح إلى الانضمام إليها, ليكون أحد أعضائها البارزين, واستمرت الفرقة في تقديم عروضها الفنية إلى عام 1921, حيث توقفت لظروف اقتصادية.

بعثة فرنسية

ولأن مُحب المسرح لم يكن يحصل على مقابل مادي يُذكر لقاء انخراطه فيه, وانشغاله به, اضطر طليمات للعمل في وظيفة كتابية بحديقة الحيوان لكي ينفق على نفسه. 
وكان يقضي وقتاً طويلاً من الفجر أمام قفص القرود يتابع تحركاتها ومشاغباتها ومشاكساتها لزوار الحديقة ويتأمل أيضا تقليدها للمشاغبين, ومن تأمله ذلك العالم المفعم بالحركة ايقن أن القردة تعشق فن التمثيل بما تؤدي من حركات تمثيلية عجيبة كانت تدفعه للضحك والتأمل.
ومن هذا الاستغراق في مشاهدة القرود كان يردد كثيراً: “القردة هي أستاذي الأول في فن التمثيل” .
وبعد انتهاء ساعات عمله البسيط في الحديقة, كان يتوجه في المساء إلى مقاهي الفنانين بشارع عماد الدين يلتقي مع زملائه الهواة وأستاذهم العبقري عزيز عيد ويتفرج متابعاً العروض والأنشطة الفنية بمسارح الشارع الشهير .
واستمرت حياته “الممسوسة” بالفن, إلى أن قرأ ذات يوم إعلانا حكوميا  لهواة فن التمثيل يمنحهم فرصة حكومية لدراسة المسرح في بعثة على نفقة الدولة في مسرح “الأوديون” بباريس, فتقدم مسرعاً بطلبه, وتلقى دعوة من اللجنة للاختبار ليقف أمامها بثقة واقتدار ويفوز بالبعثة, ويسافر لفرنسا حيث تولى أمره بروفيسور مسرحي كبير يدعى داني دنيس, وفي بلد الفن العريق, تجول بين المسارح المتنوعة, والمكتبات العامرة والمتاحف, ودور الفن ليتشبع بكل عروضها ويرتوي من تياراتها واتجاهاتها الفنية والجمالية المختلفة.

معهد التمثيل

انتهت البعثة الدراسية الحافلة بكل الوان المتعة الفنية, وعاد طليمات اكاديميا مؤهلا للتمثيل والإخراج, وقدم للحكومة المصرية تقريرا وافيا حول تنظيم الحركة المسرحية على أسس أكاديمية.
استقبلت الحكومة المصرية بترحاب وحماس تقرير مبعوثها المسرحي, وأوكلت إليه التنفيذ, فقام في عام 1921 بافتتاح معهد التمثيل بفصول دراسية استقبلت مجموعة من الشباب ممن سيصيرون فنانين بارزين ومنهم زوزو حمدي الحكيم وروحية خالد ورفيعة الشال, بالإضافة ليوسف حلمي الذي صار فيما بعد محاميا وكاتب قصة ورئيسا لحركة السلام وصحافياً بجريدة روزاليوسف اليومية.
ولكن قبل أن يكمل المعهد عامه الأول, سقطت الحكومة وجاءت بعدها حكومة جديدة, كان وزير المعارف فيها محمد حلمي عيسى باشا رجل تقليدي محافظ استنكر أن يكون للوزارة معهد يعلم الفتيان والفتيات فن التمثيل بما يحويه من روايات عاطفية فيها حب وغزل, واعتبره خروجاً على العادات والأعراف السائدة, وعليه قرر اغلاق المعهد ليتشتت طلابه وطالباته .
صدم زكي طليمات في حلمه الأول وانصرف اهتمامه إلى مشروع المسرح المدرسي الذي سار في أمان, وتخرج فيه مجموعة كبيرة من مدرسي التمثيل بمدارس الحكومة الرسمية .
ولم يتحقق مشروعه الثالث الذي تبناه ودعا اليه وهو “المسرح الشعبي” إلا بعد سنوات عدة, وتكونت له خمس شعب فنية, وقام بدوره في توظيف المسرح والدراما المسرحية.  وقد تحول اسم المشروع فيما بعد ليصبح مديرية أو هيئة “الثقافة الجماهيرية” وهي قائمة حتى الآن .

أبرز التلاميذ

ومع بدايات العام 1942, وفي عهد الحكومة الوفدية تم دعم ومساندة طليمات ليعيد افتتاح معهد التمثيل الذي بدأ يخرج كل عام مجموعة كبيرة من الممثلين.
وقرر من جانبه أن يستعين بخريجي المعهد في إنشاء “الفرقة النموذجية للتمثيل” التي اندمجت في “الفرقة المصرية” ومنهما تكونت “الفرقة المصرية الحديثة” ممثلة للجيل القديم والجيل الجديد من خريجي المعهد الذي اشتهر باسم معهد زكي طليمات, وكان من أوائل خريجي المعهد: فريد شوقي وعبدالرحيم الزرقاني وسعيد أبوبكر وحمدي غيث ونعيمة وصفي ونبيل الألفي .. وجميعهم أصبحوا علامات بارزة في مجال التمثيل فيما بعد, وإلى جانب هؤلاء ظهرت سميحة أيوب وسناء جميل من اللاتي تخرجن أيضاً وكذلك عمر الحريري الذي كان يعتبره من أنجب تلاميذه. وقد اجمع من عمل معه او تتلمذ على يديه على قسوته في العمل والتدريس لصالح الفن والطيبة والمرح والسخرية اللاذعة بعيدا عن الفن.
قرر طليمات أن يمد اهتمامه إلى المحيط العربي الرحب ولم يقصر مجهوده على بلده مصر فقط, فقد أشرف على إنشاء معهد الفنون المسرحية بدولة تونس, وأيضاً كان أول من تم تكليفه من قبل الحكومة الكويتية لتأهيل الكوادر وتأسيس المسرح وقد اسهم في الكشف عن مواهب أهم نجوم الكويت والخليج حيث نجح في نشر الثقافة المسرحية الجادة في بلدان الخليج العربية, وتخرجت من تحت يديه أجيال كثيرة من الممثلين والمبدعين الذين غطوا جميع جوانب العملية الإبداعية, ولا ننسى أنه عهد لتلميذه النجيب عمر الحريري بتأسيس معهد الفنون المسرحية في ليبيا, وقد تم تكريم طليمات على دوره هذا بإنشاء معاهد ومسارح بالدول العربية الشقيقة, وتخريجه اجيالا من الممثلين البارعين.

عروض مسرحية

وإذا انتقلنا إلى إبداعاته الخاصة, نجد أن طليمات أخرج خلال مسيرته المسرحية 365 عرضاً مسرحياً بخلاف الأوبريتات الغنائية, ومن أشهر أعماله “غادة الكاميليا ” وشاركته بطولتها روزاليوسف قبل أن يتزوج منها, و”أهل الكهف” لتوفيق الحكيم و”تاجر البندقية” لشكسبير, و”الناصر” و”مدرسة الأزواج”  وغيرها .. كما قدم أول عمل متكامل في مجال الفنون الشعبية عام 1956 هو أوبريت “يا ليل يا عين” بطولة نعيمة عاكف ومحمود رضا.
وكان آخر أوبريت قام باخراجه هو “موال من مصر” نهاية السبعينيات, ليعتكف بعده في منزله, منشغلاً بتوثيق وتسجيل تاريخ المسرح المصري والعربي منذ ظهور يعقوب صنوع.

نشيد الأمل
في السينما غلب الشر على أدوار طليمات, وقد لعب بطولة مطلقة في شخصية “د. عاصم” أمام كوكب الشرق أم كلثوم في الفيلم الذي أخرجه أحمد بدرخان بعنوان “نشيد الأمل” سنة 1937.
أما في  فيلم “العامل” مع حسين صدقي وفاطمة رشدي ومديحة يسري إخراج أحمد كمال مرسي سنة 1943, يسعى لتدبير المكائد للشاب البسيط أحمد الذي يدافع عن العمال وحقوقهم, لكن طليمات يحاول الايقاع به وتلويث سمعته عن طريق غانية.
وفي فيلم “ارض النيل” مع عقيلة راتب وزوزو ماضي, وجورج أبيض ومديحة يسري وأنور وجدي عام 1946 يمتص قوت أهل القرية البسيطة التي يعيش فيها.
وفي فيلم “بهية” مع لبنى عبد العزيز ورشدي أباظة وأخرجه رمسيس نجيب برع طليمات في تقمص شخصية الباشا الإقطاعي الذي يقوم بإذلال الفلاحين.
وفي الفيلم التاريخي “خالد بن الوليد” مع حسين صدقي ومريم فخر الدين, جسد شخصية مسيلمة الكذاب.
وفي “يوم من عمري” مع عبدالحليم حافظ وزبيدة ثروت لعب شخصية المليونير أبوعجيلة القاسي المتعجرف.
وفي التحفة السينمائية الملحمية “الناصر صلاح الدين” ليوسف شاهين عام 1963 جسد الدوق آرثر الذي يكن عداء شديدا لريتشارد قلب الأسد ويسعى للخلاص منه ليقود جيوش الفرنجة بدلا منه ويصل به الأمر للتخطيط لقتله بسهم عربي مسموم لإلصاق التهمة بالسلطان صلاح الدين إلا أن أمره ينكشف في النهاية ويتم ترحيله في قفص حديدي وقد تجلت كل قدراته التعبيرية في هذا الدور صوتا وحركة وصمتا وإيماء وقدرة فائقة على التلوين بمساعدة نبرات صوته ذات الرنين المؤثر العذب.

حياته الخاصة

وعلى صعيد حياته الخاصة فقد تزوج طليمات من الفنانة والكاتبة روز اليوسف وأنجب منها ابنته آمال, واستمر زواجهما 20 عاما, وعن سبب انفصالهما, تحدث الفنان الموسوعي في حوار صحافي شهير أن سبب الانفصال الحقيقي يعود لانشغال روز بأعمالها والصراع بينها وبين السلطات, فكل يوم محاكم وبوليس واستدعاء من النيابة, فالرجل يحب دائما أن تبحث عنه المرأة, وروز كانت تريد رجلا يبحث عنها, ولم أكن أنا هذا الرجل ولم تكن هي تلك المرأة فكان لابد أن يحدث الانفصال.
وعن أهم امرأة دخلت حياته وأحبها قال طليمات: أنها الراقصة امتثال فوزي .. فقد أوقعها القدر في طريقي وتوطدت علاقتي بها, وظلت صورتها لاتفارقني محفورة في ذاكرتي تؤنس وحدتي على مر الزمن, لقد وضع موتها مقتولة وهي في عز الشباب حدا لمأساة كان من الممكن أن تستمر طوال الحياة ولم يحن الوقت بعد للكشف عن كل اسرارها وقد رحل الفنان العاشق دون أن يكشف اللغز الدفين.

تكريمات وجوائز

حصل طليمات خلال مسيرته الإبداعية على الكثير من الجوائز وشهادات التكريم, فقد تم منحه جائزة الدولة التشجيعية في الإخراج عام 1961, وجائزة الدولة التقديرية في الفنون والآداب عام 1964, ومنحته حكومة تونس وسام تونس من طبقة (كومندوز) تقديراً لمجهوداته في النهوض بمستوى الفن في تونس, وقام الرئيس الراحل أنور السادات عام 1974 بتكريمه ومنحه الدكتوراه الفخرية مع توفيق الحكيم, يوسف وهبي ومحمد عبدالوهاب في أول عيد للفن.
كما اختير عام 1962 نقيبا للممثلين خلفا للمرحوم أحمد علام .. وفي نفس العام قرر مجلس الوزراء اختياره مندوباً عن الحكومة في اجتماعات جمعية المسارح في باريس .
كما حصل خ¯لال مسيرت¯ه ع¯لى الكثير من الألق¯اب الكب¯ي¯¯رة م¯¯¯ث¯ل أبو المسرح العربى, وصانع الوعي المسرحى في العالم العربي.

 

القاهرة – خالد فؤاد:

http://www.al-seyassah.com/


عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *