أخبار عاجلة

ليس من باب الترف الفكري أن يتفاعل المبدع المسرحي مع القضايا التي تعتمل في واقعه ومحيطه، وأن يجعل منها موضوعاً للتأمل ومادة خاماً للاشتغال الدرامي. تلك حال الفنان المسرحي العربي اليوم، الذي يجد نفسه في خضم حراك اجتماعي وتحولات تثير أسئلة عديدة، وتطالبه بأن يكون فاعلا في الأحداث لا منفعلا بها فقط.

الربيع العربي يلقي بظلاله على الندوات والعروض في مهرجان المسرح العربي

ليس من باب الترف الفكري أن يتفاعل المبدع المسرحي مع القضايا التي تعتمل في واقعه ومحيطه، وأن يجعل منها موضوعاً للتأمل ومادة خاماً للاشتغال الدرامي. تلك حال الفنان المسرحي العربي اليوم، الذي يجد نفسه في خضم حراك اجتماعي وتحولات تثير أسئلة عديدة، وتطالبه بأن يكون فاعلا في الأحداث لا منفعلا بها فقط.


ليس غريبا، إذن، أن تكون قضايا الربيع العربي حاضرة في الدورة الخامسة لمهرجان المسرح العربي الذي احتضنته مدينة الدوحة، خلال الفترة الممتدة من 10 إلى 15 يناير الحالي، تحت شعار ‘من أجل مسرح عربي جديد ومتجدد’. وكانت التظاهرة من تنظيم الهيئة العربية للمسرح بشراكة مع وزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية. وتمثل حضور قضايا الربيع العربي على مستويين: مستوى النقاشات الفكرية والندوات العلمية ومن ضمنها ندوة حملت عنوان ‘أي ربيع للمسرح في الوطن العربي في ظل الربيع العربي’، ومستوى العروض المسرحية التي هيمنت على بعضها مواضيع الحرية ورفض الاستبداد والتسلط؛ فلا عجب أيضاً إن كانت جائزة الشيخ الدكتور سلطان القاسمي لأفضل مسرحي عربي لعام 2013، من نصيب مسرحية ‘الديكتاتور’ التي قامت فرقة ‘بيروت 8:30’ اللبنانية بتحيينها وإعادة الاشتغال عليها من جديد، علماً بأن تاريخ تأليفها من طرف عصام محفوظ يرجع إلى عام 1968.
وقد اعتبر إسماعيل عبد الله (الأمين العام للهيئة العربية للمسرح) مهرجانَ المسرح العربي علامة منيرة في الساحة الثقافية والفنية العربية، وأعرب، في مؤتمر صحفي عقده خلال اليوم الأخير للمهرجان، عن ابتهاجه بما تحقق في هذه الدورة، سواء على مستوى العروض المسرحية أو على مستوى الندوات الفكرية والورشات التطبيقية. وجوابا على أسئلة الحاضرين، أوضح أمين عام الهيئة العربية للمسرح أن هذه الأخيرة لا تتعامل بأجندات مسبقة مع الأعمال المسرحية العربية، وإنما تحتكم إلى قرارات لجان الانتقاء الموجودة في البلدان العربية وفق معايير علمية دقيقة. ونفى بهذا الخصوص وجود أية نية لإقصاء المسرح المصري في هذه الدورة، معبّراً عن اعتزازه بالتجربة المسرحية المصرية الريادية، ومشيراً إلى أن مصر حضرت بعدد من وجوهها المسرحية المعروفة، والشيء نفسه ينطبق على بلدان عربية أخرى.
وأفاد أن الهيئة بصدد تشجيع تطور المسرح المدرسي في بعض البلدان كجزر القمر وموريتانيا والسودان ليشكل رافدا من روافد الحركة المسرحية. كما عبّر عن ترحيبه بجملة من الاقتراحات التي قدمت خلال المؤتمر الصحفي، والتي أكد أنها تندرج ضمن إستراتيجية الهيئة للتنمية المسرحية، واصفاً إياها بـ’خارطة طريق’ لاستنهاض المسرح من كبوته والمساهمة في ضمان مستقبل مسرحي آمن للأجيال القادمة. ومن ضمن تلك الاقتراحات: تخصيص حيز أوفر للورشات المسرحية وتتويجها بعرض مسرحي، وإحداث صندوق لدعم الفنانين، وعقد شراكات عالمية لترويج العروض المسرحية المتفوقة خارج الوطن العربي، وإعادة إنتاج العروض المسرحية الكلاسيكية المتميزة، وإحداث قناة تلفزيونية متخصصة بالمسرح، وإفراد مكانة خاصة لمسرح الشباب، والاهتمام بترجمات النصوص المسرحية وتشجيع الدراسات ونشرها.
وأعلن إسماعيل عبد الله أن الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي ستُعقد في الشارقة خلال العام المقبل، وذلك تزامنا مع اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية (2014)، موضحاً أن برنامج العروض المسرحية سيكون موزعاً على أكثر من قاعة مسرحية، مما سيساعد الفرق على إعداد ديكوراتها ومستلزماته التقنية والقيام بالتدريبات التي تسبق العروض في أحسن الظروف.

أي ربيع للمسرح في ظل الربيع العربي؟

‘أي ربيع للمسرح في الوطن العربي في ظل الربيع العربي؟’ كان هو عنوان الندوة التي ترأسها الندوة فهد عبد المحسن (من الكويت) وشارك فيها نهاد صليحة (من مصر) وزهيرة بن عمار (من تونس) ومحمد الصادق (من ليبيا).
في مستهل الندوة ذكّر الفنان غنام غنام (من الهيئة العربية للمسرح) بأنه خلال دورة بيروت من مهرجان المسرح عام 2011، كان المهرجان يعيش على وقع الشارعيْن التونسي والمصري، إبان سقوط نظام بنعلي، وأنه في دورة عمان كانت العروض تركز على إدانة الطغاة والطموح نحو الحرية، والآن ـ يقول غنام ـ نعيش ذات الوضع بتجليات أخرى.
بدأت الدكتورة نهاد صليحة مداخلتها بملاحظة مفادها أن الربيع العربي أصبح أشبه بولادة متعسرة تسبب آلاما شديدة وقلقا دائما مستمرا وتأرجحا بين اليأس والرجاء، مؤكدة أن المسرح في مصر عكس هذه الحالة: حالة التوقع الفرح الأولى ثم إدراك أن الميلاد لن يكون سهلا، فبخصوص الحالة الأولى أوضحت المتحدثة أنه في بداية الثورة المصرية، أثناء اعتصامات ومظاهرات التحرير وغيره من الميادين، سادت حالة من الانتشاء والفرح التي تجلت في عروض احتفالية، وأخرى يمكن إدراجها ضمن ما تسميه كارول مارتن ‘مسرح الواقع’. وقالت الدكتورة نهاد إن هذا الوصف ينطبق على العديد من العروض التي شاهدتها على مدار السنتين الماضيتين، والتي تهتم بوضع صور من الواقع الحي ومن التجارب الحقيقية التي حدثت أثناء الثورة على المسرح بأشكال فنية مختلفة، واستدلت على ذلك بمسرحيات: ‘حكايات التحرير’ لفرقة ‘سبيل’ و’ببساطة كدة’ لفرقة ‘أنا الحكاية’ و’لا وقت للفن’ و’دروس في الثورة’ لليلى سليمان و’تحت قمر الثورة’ لهاني عبد الناصر و’ورد الجناين’ لمحمد الغيطي و’كوميديا الأحزان’ لإبراهيم الحسيني وغيرها.
ولاحظت المتحدثة أن هذه العروض، بصرف النظر عن مستواها الفني، تشترك جميعها في طرح إشكالية العلاقة بين الوقائع والأحداث من ناحية وبين تفسير الأفراد لها باعتبارها حقيقة أو واقعا حقيقياً. وأوضحت أن هذا النوع من المسرح يختلف عن المسرح الوثائقي الذي عرفه العالم العربي في الستينيات، فهو مسرح يواكب الحدث الذي يتخذه موضوعا ولا يستحضر أحداثا من الماضي بعد مرور سنوات عديدة من خلال الوثائق، كما أن أبطاله يتحدثون بأنفسهم عن تجاربهم أو يتحدثون بألسنة غائبين من أصدقاء عايشوا تجاربهم.
وأشارت الدكتورة نهاد إلى أن الثورة خلّفت تماساً بين الفرد كفنان والفرد كمواطن، فبرز مفهوم ‘المواطن/ الفنان/ المؤدي/ الناشط’، مستدلة على ذلك بمسرحية ‘دروس في الثورة’ التي تصف فيها مخرجتها نفسها وفريقها بأنهم نشطاء فنيون. وسجّلت أن المسرح المستقل في مصر كان سباقاً في مواكبة الأحداث بعروضه، وأنه كان عاملا أساسياً في بروز مفهوم المفهوم السابق ذكره، مؤكدة أن التحام الفنان/ المؤدي/ الناشط بمجموع الشعب إبان الثورة أذاب الفروق بين الأداء الفني والأداء الثوري. واستطردت قائلة: قد تكون معظم العروض الأدائية العديدة التي قدمت على مدار العامين الماضيين ذات قيمة وقتية، قد تزول بزوال الظرف التاريخي، لكن على الجانب الآخر، يمكن القول إن هذا الزخم المسرحي لا بد أن يفرز في المستقبل كتّاباً وفناتين ينتجون أعمالا لا تفقد قيمته بمرور الزمن.
اختارت زهيرة بن عمار أن تعكس صيغة عنوان الندوة على الشكل التالي: ‘أي دور للربيع العربي في صنع ربيع المسرح العربي؟’، وذكرت أن المبدع العربي كان يعيش فترات نضال المسرح قبل الربيع العربي، وحاول أن يخلق لنفسه عالمه وربيعه الخاص، من أجل إيجاد توازنه الطبيعي من ناحية، ومن أجل حقه في التعبير عما يجيش في صدره من ناحية أخرى. وإثر الربيع العربي ـ تضيف المتحدثة ـ تكسرت كل الحواجز النفسية، وتفجرت المواهب الإبداعية، وبفضل هذا الربيع تغير الخطاب وتعددت لغات التخاطب وتباينت مناهجه، وكان من المؤمل ربيع ثقافي وثورة ثقافية، ولكن حصدنا صورة تبنتها أفكار إيديولوجية متخفية خلف أقنعة دينية واجتماعية حاولت بشتى الطرق الركوب على الأحداث وفرض هيمنة معنوية للتأثير من جديد على الفكر والإبداع. وتابعت قولها إنه في تونس ـ مهد الثورات العربية ـ ظل المسرح منذ الشرارة الأولى صامدا أمام جميع أشكال التيارات الفكرية الرافضة لمبدأ الاختلاف، رافضا كل أنواع الرقابة، متحديا المنطق التكفيري لبعض التيارات التي تجرم الفنون ولا تؤمن بالفن كرقي حضاري ورسالة نبيلة.
وختمت مداخلتها بمجموعة من المقترحات، في مقدمتها دعوة دول الربيع العربي إلى استشراف المستقبل الثقافي والمسرحي بما يقتضيه ذلك من بناء وهيكلة على أساس معاصرة، كما دعت القطاع الخاص إلى نشر ثقافة الاستثمار الثقافي، مطالبة أيضا بتكثيف التظاهرات المسرحية العربية وفتح المجال للمشاركات الأجنبية لاستفادة منها.
أشار المخرج والممثل الليبي محمد الصادق إلى أنه بعد حدوث التغيير في بعض الأنظمة العربية، أصبح شارع الربيع العربي مسرحا مفتوحا للمشاهدة، يعبر عن واقعه وحقوقه
دون أي رادع أو رقيب، كما أن مواطن الربيع العربي أصبح يرى واقعه الحياتي مهيأً لمنحه المشاركة في تفعيل حرية التعبير من خط اللقاء وليس من على المنابر ومقاعد المشاهدين. وتساءل المتحدث: ماذا يريد أن يقول المسرحي بعد ذلك؟ هل يردد ما يرفع من مطالب وشعارات في الشارع، ويتحول إلى ببغاء من خلال عروضه المسرحية التي لن ترتقي إلى مستوى الحدث؟ وبما أن المسرح ـ كما لاحظ المتحدث ـ هو فن مدني فبالتأكيد أنه يغيب بعد إسقاط النظام، لأن المدن تفسخت وتريد إعادة هيكلتها اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً.
وأعرب عن خشيته من تراجع المسرح بسبب غرق الإنسان في الهموم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما قد يبعده عن الفن الذي يُنظر إليه في المجتمعات العربية على أنه شيء ثانوي، في حين أنه من الأساسيات ويجب أن تعطى له الأولوية.
وعندما فتح باب النقاش أمام الحاضرين، تحدثت الكاتبة السعودية ملحة عبد الله من موقعها كشاهدة على ما يحدث في مصر، فأبرزت تكاثر الفرق المسرحية المستقلة التي بلغ عددها حوالي 300 فرقة، تناقش موضوعات فطرية وأخرى وجودية. ودعا الفنان القطري موسى زينل إلى حضور أقوى للمثقف العربي للحيلولة دون تحول الربيع العربي إلى خريف. فيما قال الفنان البحريني يوسف حمدان إن المسرح ليس حراكا آنيا بل هو رؤية بعيدة قرينة بالتحول والتحرك. وهو ما أكده محمد سيد (من السودان) حين ذكر أنه مع الثورة لا يمكن توقع تغيير سريع في المسرح حتى وإن امتلك مفاتيح مناسبة للعمل. ودعا الفنان حسين الخطيب (نقيب الفنانين الأردنيين) إلى قراءة متأنية لما يحدث في بلدان الربيع وعدم إنتاج ردود الفعل على المستوى المسرحي. بينما ركز كاظم نصار (من العراق) على أهمية الانفتاح على المسرح العالمي وكذلك الوعي بدور المسرح في المجتمع، ودعا الدكتور علي العنزي (من الكويت) إلى ضرورة دعم المؤسسات الثقافية في الوطن العربي، وطرح الطاهر الطويل (من المغرب) فكرة عدم الانسياق إلى نبل موضوع العمل المسرحي المرتبط بالثورات لتبرير الضعف الفني، كما أشار الدكتور مصطفى رمضاني (من المغرب) إلى أنه لا يمكن أن نجني ثمار الربيع العربي سريعا في جميع المجالات بما فيها المجال الثقافي والمسرحي تحديدا، وسجل صالح كرامة (من الإمارات) غلبة الطابع الثوري على الفني في جل الأعمال المسرحية المرتبطة بالحراك العربي وهو ما اعتبره أمرا طبيعيا، مثلما ذكر الفنان القطري غانم السليطي أن المسرح هو الاستقرار وعدو الارتجاج، وتحدث الفنان المصري نور الشريف عن الحاجة إلى كتاب مسرحيين ذوي تأثير لكن بلا خطابة، وفي السياق نفسه نبهت الباحثة المغربية لطيفة بلخير إلى مسألة العودة إلى تسييس المسرح، فيما اعتبرت الفنانة الأردنية الشابة أسماء الرقابة الذاتية أخطر أنواع الرقابات.

المسرح في قطر.. محطات وذكريات ومطالب أيضا!

خلال ندوة ‘المسرح في قطر: ريادة وتجارب مميزة’، دعا فنانون مسرحيون إلى إعادة إنجاز تأريخ للمسرح القطري، الذي قالوا إنه لم يُكتب بعد، وطالبوا بإعطاء اهتمام أكبر للبيئات الفنية الأساسية التي تشكل رافدا لتطوير المسرح ومده بالكفاءات والأجيال الجديدة، ولاسيما المسرح المدرسي والأندية الشبابية. كما ألحوا على ضرورة وجود تكتل للفنانين المسرحيين في إطار جمعية مختصة، مطالبين أيضاً بضرورة عدم إخضاع التعامل مع النشاط المسرحي للاعتبارات التجارية، سواء على مستوى تأجير أماكن التداريب والعروض المسرحية أو على مستوى الدعاية للأعمال المسرحية في وسائل الأعمال.
عاد الفنان عبد الله أحمد في مداخلته إلى الإرهاصات الأولى لفن المسرح في دولة قطر، والتي قال إنها ترجع إلى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، معتبرا أن السمة الغالبة لعروض تلك الفترة هو الارتجال الذي كانت يقوم به شباب الأندية الثقافية والفنية. وبعدما تحدث عن وجود حيز من التمثيل في العروض الموسيقية التي كانت تقوم به فرقة الأضواء الموسيقية التي تكونت في عام 1966، انتقل للحديث عن تأسيس ‘الفرقة الشعبية للتمثيل’ بمبادرة من رائد المسرح العراقي موسى عبد الرحمن، والتي استمر نشاطها إلى بداية السبعينيات.
ثم تطرق المتحدث إلى تجارب أخرى كقيام دار المعلمين عام 1970 بتقديم مسرحية ‘صقر قريش’، وبعدها مسرحية ‘حلاة الثوب رقعته منه وفيه’، ثم تأسيس فرقة ‘المسرح القطري’ بمبادرة من محمد عبد الله الأنصاري، ففرقة ‘مسرح السد’، ثم فرقة ‘الأضواء المسرحية’، وفرقة ‘المسرح الشعبي’. وقال عبد الله أحمد إن هذه الفرق قدمت ما بين 1972 و1994 مسرحيات للكبار والصغار بلغ عددها 123 مسرحية، ولكن لظروف خاصة تقرر عام 1994 دمج الفرق الأربع في فرقتين اثنتين: فرقة قطر المسرحية وفرقة الدوحة المسرحية.
ولاحظ المتحدث أنه مع تزايد المتخصصين والدارسين لفن المسرح، أخذت الفرق تعتمد على وجهات نظر جديدة في الإخراج والتمثيل وتعتمد على نصوص عربية وعالمية بالإضافة إلى النصوص المحلية، فتولدت فكرة الاحتفال باليوم العالمي للمسرح منذ عام 1981. كما أبرز كثافة مشاركة المسرح القطري في عدد من المهرجانات المسرحية العربية منذ عام 1975، لافتاً الانتباه إلى قلة الحركة النقدية الموازية التي تواكب الأعمال بطريقة موضوعية، مستثنيا من ذلك جهود الدكتور مرزوق بشير والدكتور حسن رشيد وحسن حسين الذي فقدته الساحة الثقافية المحلية.
وخصص عبد الله أحمد الجزء الأخير من مداخلته للكتاب والمخرجين الذين أرسوا بناء المسرح القطري: عبد الرحمن المناعي وغانم السليطي وحمد الرميحي، داعيا هؤلاء إلى تجديد شبابهم المسرحي والاقتراب أكثر من الجمهور. وختم كلمته بالتأكيد على ضرورة أن تلامس الأعمال المسرحية القطرية الواقع المعيش للناس برؤية كوميدية اجتماعية.
خلال تعقيبه على هذه المداخلة، ارتأى الباحث القطري مرزوق بشير توجيه الشكر إلى ‘الهيئة العربية للمسرح’ التي أتت إلى قطر ‘لتحريك المياه الآسنة، ولتكون حافزا للمعنيين بالمسرح على تنشيط الحركة المسرحية القطرية التي كانت وما زالت من أهم الحركات المسرحية في الخليج’ على حد تعبيره. كما أثنى على ورقة عبد الله أحمد التي قال إن كاتبها جزء من تلك الحركة فهو شاهد وموثق وكاتب ومخرج وإداري وممثل. وارتأى صاحب التعقيب تقسيم المسرح القطري إلى مرحلتين مرحلة الفطرة ومسرح النضج، متوقفا عند تجربة ‘نادي الطليعة’، وهي جماعة بنت مسرحا وأسست لتخصصات مسرحية وتناولت مواضيع تستثير الجمال والتحدي والمواجهة، لدرجة أن ذلك المسرحية أغلق بعدما قدم مسرحية جريئة في موضوعها مجسدة ما يطلق عليه ‘الالتزام’.
وتحدث عن بعض العوامل التي اعتبرها أثرت سلبا على الحركة المسرحية القطرية كدمج الفرق المسرحية الأربعة في فرقتين اثنتين، ودور الدراما التلفزيونية في استقطاب الممثلين، وانحسار دور الأندية والمراكز الشبابية، وإلغاء التوجيه المدرسي، وعدم وجود مسرح جامعي، وغياب مقرات للمسارح، وعدم التمكن من تكوين جمعية للفنانين المسرحيين، ودور الرقابة…
بعد ذلك، فتح المجال للنقاش، حيث انتقد الفنان حسين الخطيب (نقيب الفنانين الأردنيين) عملية الرقابة على المسرح القطري، وقال إن شروط الإبداع ينبغي أن تكون هي الأساس والحكم المفصلي. فيما دعا الفنان القطري غانم السليطي إلى عدم التعامل مع المسرح كمنتج تجاري وإلى رفع ما أسماه ‘الاعتقال الاقتصادي’ عن المسرح القطري.
أما كاملة سالم العياد (مديرة إدارة المسرح في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت) فقد عزت هروب الجمهور من مشاهدة بعض العروض المسرحية العربية إلى تحول العديد من الأعمال إلى مجرد كباريه ورقص وجرأة زائدة عن اللزوم. بينما ركزت الباحثة الجزائرية الدكتورة جميلة مصطفى الزكاي على مسألة الفطرة في عدد من التجارب المسرحية العربية والتي تعتمد على الكتابة الجماعية للعمل المسرحي المصحوبة بالارتجال. ولاحظ الباحث المغربي الدكتور مصطفى الرمضاني وجود مفارقة متمثلة في تطور العمران وفقر المسرح، معتبرا أن النقد المسرحي لا يمكن أن يوجد بدون حركة مسرحية متطورة. فيما لفت الفنان البحريني الدكتور عبد الله السعداوي الانتباه إلى وجود توجه نحو الاستثمار في عالم الثقافة والفن من لدن مؤسسات رأسمالية. كما قال الفنان القطري موسى زينل إن المسرح في قطر حديث، وهذه الحداثة هي التحدي الذي يواجهه في عصر التلفزيون والفيديو والإنترنت.
وشكل حاضر العرض المسرحي القطري موضوع ندوة تحدث فيها الناقد سباعي السيد عن اتجاهات المسرح القطري، مقسماً إياها إلى ثلاثة: مسرح الموروث الشعبي، والمسرح الواقعي الاجتماعي، والمسرح الحداثي الذي ينزع نحو التجريب. وركز الصحافي أشرف مصطفى مداخلته على ما أسماه ‘مشكلات وأزمات المسرح القطري’، معتبرا أن هذا الأخير تراجع خلال السنوات الأخيرة قياسا إلى فترة السبعينيات والثمانينيات، وعزا ذلك إلى جملة من العوامل، من ضمنها في رأيه: تسطيح التعامل مع القضايا الاجتماعية والتأرجح بين التراثي والحداثي، وعدم الاعتماد على نصوص مسرحية عالمية، واستعمال العامية المحلية في العروض المسرحية، وغلبة المسرح التجاري الوافد من بعض البلدان العربية، وعدم تحقيق مسرح الشباب للنتائج المرجوة منه.
لم تسلم مداخلة أشرف مصطفى من المقاطعة ولاسيما من لدن الفنانين موسى زينل وحمد الرميحي الذي اعتبراها سطحية وغير دقيقة، بل إن الرميحي وجه لصاحب المداخلة سؤالا مباشرا: كم قرأت من نصوص مسرحية قطرية؟ ليجيب: لم أقرأ، ولكنني شاهدت عروضا مسرحية معاصرة.
وفي مجال التعقيب، قال الفنان سيار الكواري إن العرض المسرحي القطري موجود وذو حضور قوي ويشكل استمرارا لتجارب سابقة. أما الفنان موسى زينل فدعا إلى يقظة قوية لانتشال المسرح من وهدته، وقام الفنان غانم السليطي بتحديد بعض العوامل التي قال إنها قتلت الإبداع منها عدم الاعتماد على البعد التنويري للمسرح في الإطار الديني، وهيمنة الرقابة على العروض المسرحية. أما الفنان سعد بورشيد فقسم المسرح القطري إلى أربعة أجيال: جيل الرواد المؤسسين، جيل الرواد الأوائل، جيل التواصل والاستمرارية، جيل الشباب الواعد. ومن جهته، أكد مصطفى عبد المنعم على ضرورة ربط الماضي بالحاضر، فيما أبرز علي العنيزي أهمية الإلمام بخصوصية كل تجربة مسرحية قبل الحديث عنها.
وكان الفنان غنام غنام (عن الهيئة العربية للمسرح) آخر المتحدثين، فقال إن حضور المسرح القطري يتجلى من خلال رموزه التي ما زالت حاضرة بيننا. وشدد على ضرورة التدقيق أكثر عند الحديث عن حاضر المسرح القطري من خلال جرد لعدد المسارح وعدد المخرجين والممثلين والتقنيين والسينوغرافيين والنقاد وغيرهم. وأعرب عن اعتقاده بأن حاضر العرض المسرحي القطري لم يحضر في تلك الجلسة، كما أن كل الأوراق المقدمة خلال جلسات الندوة الفكرية هي مجرد عناوين بحاجة إلى تعميق وتدقيق وضبط، حتى تكون الدراسات شاملة ووافية. واستشهد في هذا الإطار بما تم في المغرب العام الماضي، حيث أنجزت دراسات في إطار ندوة ‘نقد التجربة: همزة وصل’ بلغ مجموعها 800 صفحة ستنشرها الهيئة العربية للمسرح بين دفتيْ كتاب.

احتفاء بمريم سلطان وأحلام محمد

أثنى عدد من الفنانين العرب على قيام ‘الهيئة العربية للمسرح’ بمبادرة تكريم ثلة من المبدعات العربيات، واعتبروا ذلك التفاتة طيبة تجاه نساء فنانات استطعن أن يشققن مسارات في درب الإبداع، رغم صعوبات السياقات الاجتماعية التي رافقت بداياتهن. ودعا المتحدثون إلى توثيق تجارب الفنانات المسرحيات الخليجيات من خلال كتاب شامل، علاوة على إيلائهن الوضع الاعتباري والمادي اللائق بإسهاماتهن البارزة.
جاء ذلك في إطار فعاليات فقرة التكريم التي تميزت بتكريم الفنانتين مريم سلطان (من الإمارات العربية المتحدة) وأحلام محمد (من مملكة البحرين)؛ اللتين بسطتا للحاضرين أهم معالم تجربتهما الفنية، قبل أن يقدم بعض الفنانين الخليجيين ممن واكبوا تلك التجربة شهادات في حق المحتفى بهما.
أعطى مسير الجلسة الكاتب والصحافي الكويتي عبد الستار ناجي الكلمة ‘للمرأة التي اخترقت حاجز التقاليد وندرت نفسها للمسرح’ على حد تعبيره، الفنانة مريم سلطان التي تحدثت عن صعوبات البداية الفنية، موضحة أنها احتكت بعالم الثقافة والفن والدراما وهي صغيرة، من خلال مشاهدة المسلسلات المدبلجة في وقت لم تكن فيه مشاهدة التلفاز متوفرة لكل الأسر، وكذا من خلال قراءة الكتب والمجلات. وأشارت أنها كانت تسترق لحظات اللعب المسرحي في غفلة من الأسرة، ثم انتقلت للحديث عن مشاركتها الأولى في مسرحية ‘شمس النهار’ لتوفيق الحكيم حيث أدت دور الأم، وبعد ذلك في مسرحيات ‘درس من الزمن’ و’سبع ليالي’ و’كلهم أبنائي’ وغيرها من الأعمال التي بلغ عددها 52 مسرحية وأعمال درامية تلفزيونية وإذاعية؛ مشيرة في هذا السياق إلى احتكاكها بتجارب رواد من أمثال: عبد الله المناعي وعبد الرحمن الصالح وصقر الرشود وإبراهيم جلال وخليفة العريفي وغيرهم… ومن بين المحطات الفنية الأخرى التي توقفت عندها الفنانة مريم سلطان: مشاركتها في فرقة المسرح الشعبي، وأول زيارة فنية لها إلى مهرجان دمشق المسرحي، ومشاركتها في دورة تدريبية حول المسرح ببلادها خلال بدايات الثمانينيات، بالإضافة إلى مشاركتها المسرحية في مهرجانات بالمغرب والكويت وتونس وقطر وعُمان… وختمت مريم سلطان كلمتها باللقب الذي يُطلق عليها في الساحة الفنية الخليجية: ‘أم المسرحيين’، بالنظر إلى الجانب الإنساني الرفيع اللصيق بها، فهي تعتبر المسرحيين بمثابة أبنائها، تصغي إليهم وتحاول إيجاد حلول لمشاكلهم، لما يجدون فيها من دماثة خلق وصدر حنون.
بعد ذلك قدم مسير الجلسة الفنانة البحرينية أحلام محمد بعبارة ‘قامة كبيرة في المسرح وفي الدراما الخليجية عموما’، مبيناً أنه عاصرها في الكويت في المعهد العالي للفنون المسرحية.
تحدثت أحلام محمد في كلمتها عن الدور الذي لعبه كل من أخيها (الذي كان ذا اهتمامات فنية وعضوا في أحد المسارح بالبحرين) ووالدتها في ولوجها عالم التمثيل، علاوة على وجود وعي على المستوى الرسمي بضرورة اقتحام المرأة مجالات العمل والمشاركة الميدانية بجانب الرجل. وأوضحت أنها بدأت وهي صغيرة تتشبع بعالم الفن من خلال مشاهدة الأفلام المصرية في التلفزيون، وكذا من خلال تقليد بعض الأدوار بطريقة عفوية في البيت. واستطردت قائلة إنها بدأت التمثيل عن سن الخامسة عشر، حيث يلجأ أصحاب الفرقة المسرحية إلى وضع الماكياج على وجهها وإلباسها حذاء بكعب عال ووضع باروكة على رأسها لكي تبدو أكبر من سنها، استجابة لمتطلبات الدور المسرحي. وأفادت بأن أول مشاركة مسرحية لها كانت من خلال أداء دور ثانوي في مسرحية ‘أنتيغون’ سنة 1971، موضحة أنها استعانت بأخيها في فهم أبعاد المسرحية، إذ زودها بكتاب من سلسلة ‘المسرح العالمي’ الكويتية، الذي يتضمن مقدمة عن المسرح اليوناني، تلت ذلك ـ كما قالت ـ مسرحيات أخرى وأعمال درامية تلفزيونية. وذكرت أن شباب الفرق المسرحية كانوا يتخذونها كمثال، حين يأخذون بيدها ويتوجهون إلى بعض الأسر لإقناعها بأهمية مشاركة الفتيات في المسرح ولإبراز أدواره النبيلة.
وأشارت إلى أن عمل تلفزيوني لها كان في منطقة الدمام بالمملكة العربية السعودية، وذلك في دراما حملت عنوان ‘الدنيا بخير’، وقالت إن أعضاء الفرقة كانوا يدخلونها إلى فضاءات التصوير خفية في وقت كان فيه محظورا ولوج المرأة إلى عالم التمثيل بجانب الرجال.
بعد ذلك، تحدثت أحلام محمد عن الانعطافة الهامة التي شهدتها مسيرتها الفنية، والمتمثلة في ولوج المعهد العالي للفن المسرحي بدولة الكويت، معبرة عن امتنانها لعدد من الأساتذة الكبار من أمثال جلال الشرقاوي وكرم مطاوع وأحمد عبد الحليم وغيرهم. ولم تستطع الفنانة أحلام محمد كفكفة دموعها حين وصلت إلى ذكر اسم الفنان الراحل صقر الرشود، مبرزة أنه أخذ بيدها وقدم لها مساعدات جليلة لتطوير أدائها الفني الذي قالت إنها ستواصله باستمرار. وهنا، خيمت على قاعة الندوة أجواء التأثر والوفاء والمحبة، مثالا للتواصل الإنساني بين الأجيال الفنية.
ابتدأت شهادات الفنانين الذين حضروا الندوة التكريمية بشهادة الفنان الإماراتي سيد سالم الذي قال إن المحتفى بهما ‘كسرا حاجز الصوت، صوت العيب’، وتحدث عن فترة الزمالة مع الفنانة مريم سلطان والتي انطلقت في الدورة التدريبية الأولى حول المسرح بحضور كوكبة من نجوم العرب، حيث توزع المشاركون إلى مجموعتين: مجموعة صقر الرشود ومجموعة سلطان الشاعر؛ وأوضح المتحدث أن تلك الدورة أنجبت عددا من الأسماء الفنية البارزة. ثم أشاد بالجانب الإنساني الرفيع الذي يميز مريم سلطان قائلا إنها كانت الأم والأخت والأستاذة الحنون بالنسبة للكثيرين ممن احتكوا بها عن قرب وكانوا يجدون منها النصح والأذن الصاغية لمشكلاتهم والأمينة على أسرارهم وأغراضهم. وأضاف أنها امرأة تحدت الصعاب والمعاناة وكافحت وربت أبناءها، وقاست من الظلم أحيانا، ولكن يكفيها محبة الناس واحترامهم لها.
أما الفنان القطري غانم السليطي فأبرز أن من أهم مميزات مريم سلطان التواضع الكبير الذي يُفتقد لدى الكثير من الفنانين والفنانات، وتطرق إلى مساهمتها في بعض الأعمال المسرحية والتلفزيونية بدولة قطر. كما أثنى على زميلة دربه في المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت الفنانة أحلام محمد التي قال إنها رفدت الحركة المسرحية والدراما التلفزيونية في البحرين وأيضا في قطر منذ الثمانينيات. ووجه الشكر لراعي المهرجان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي يجمع بين تدبير الحكم ورعاية المسرح. وختم المتدخل كلمته بملاحظة تتعلق بموضوع التكريم عامة في الوطن العربي وفي الخليج العربي تحديدا، داعيا إلى عدم اقتصار المبادرات التكريمية المخصصة للفنانين على الجانب المعنوي فقط، بل أن تشمل أيضا الجانب المادي للمساهمة في إعطاء الاعتبار المستحق لرجال الفن ونسائه.
الفنان العراقي عزيز أخيون قال إنه من خلال معايشته لهموم المرأة المبدعة في الوطن العربي عموما وفي الخليج خصوصا لاحظ وجود صعوبات جمة تعترض عملهن وطموحاتهن. ولذلك ـ يضيف ـ فإنه مهما قيل عن جهود المرأة في المسرح الخليجي يبقى المسكوت عنه أكثر، مما يتطلب معه تدوين هذه الجهود في كتاب شامل.
أما الفنان الإماراتي عبد الله صالح فقال إنه تعلم من الفنانة مريم سلطان أشياء كثيرة من بينها الالتزام واحترام الوقت والمواعيد، مشيراً إلى أنها كانت بمثابة أخصائية نفسية للكثيرين ممن عملوا بجانبها، وموضحا في هذا السياق أنها لعبت دورا أساسيا في إقناعه بالعدول عن فكرة الابتعاد عن المسرح أثناء ظرفين خاصين مر بهما.
الفنانة العراقية عواطف نعيم أكدت أن وجود نساء مبدعات يدين في جزء منه إلى وجود رجال متنورين يحترمون المرأة ويتعاملون معها كأخت وكمبدعة ويجلونها كما يجلون المسرح، معطية مثالا على ذلك بالفنان الراحل صقر الرشود؛ وهو ما يعني أن المسرح بخير وأن الحركة المسرحية تسير بجهود مشتركة لرجال ونساء مما يبشر بنتائج محمودة، حسب توقعات الفنانة عواطف التي أثنت على جهود ‘الهيئة العربية للمسرح’ في هذا الإطار.
آخر الشهادات كانت للفنان التشكيلي والمسرحي الإماراتي محمد يوسف الذي ذكّر بما يميز الفنانة مريم سلطان، فهي الوالدة والأخت والمربية والفنانة، وهي أيضا ـ بتعبيره ـ ‘مخفر الشرطة’ التي نشتكي لديها، لأنها كانت خلال مسيرتها الفنية تجمع بين الصرامة والحنان. كما تطرق إلى بعض محطات الفنانة أحلام محمد ومن ضمنها خصوصا العمل التلفزيوني الموجه للأطفال ‘افتح يا سمسم’ والعديد من الأعمال المسرحية والتلفزيونية والإذاعية.
وعموماً، فقد شمل تكريم الهيئة العربية للمسرح ووزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية 16 فنانة مسرحية عربية هن: أحلام محمد (البحرين)، أمينة عبد الرسول (سلطنة عمان)، رندا الأسمر (لبنان)، زهيرة بن عمار (تونس)، سامية قزموز بكري (فلسطين)، سعاد عبد الله (الكويت)، سمر محمد (العراق)، سميرة أحمد (الإمارات)، صونيا (الجزائر)، فايزة عمسيب (السودان)، فتحية العسال (مصر)، مريم الصالح (الكويت)، مريم سلطان (الإمارات)، ملحة عبد الله (السعودية)، نهاد صليحة (مصر)، هدية سعيد (قطر). ومن جهة أخرى، كرم المهرجان الفنان القطري الدكتور سعيد رشيد.

ثريا جبران غابت جسداً وحضرت وجداناً

كانت بحق لحظة وفاء ولفتة إنسانية عميقة، تلك التي خصصها مهرجان المسرح العربي في الدوحة، حينما نقل بالصوت والصورة وضعية الفنانة المغربية ثريا جبران، التي حالت ظروف صحية طارئة دون حضورها المهرجان، من أجل إلقاء كلمة اليوم العربي للمسرح.
العديد ممن حضورا حفل افتتاح المهرجان في المسرح الوطني للدوحة، سواء كانوا فنانين ومثقفين ومسؤولين أو نقادا وإعلاميين، لم يخفوا مشاعر التأثر بذلك المشهد، وهم يرون ثريا جبران ـ التي نقلت إلى إحدى المصحات المغربية للعلاج ـ تتحدى الألم والمعاناة، لتعانق الأمل والفرح، وتقول مخاطبة أهل المهرجان: ‘إن وعكة صحية ألمت بقلبي وجعلتني أغيب عنكم، لكنني سأكون حاضرة بقلبي ووجداني’، وتضيف بالكلمات الحارة نفسها: ‘اشتقت إليكم كثيرا، لكن لدي أملا كبيرا في أن أراكم في القريب العاجل’.
تلك هي ثريا جبران التي تحمل في داخلها صبرا قويا وقدرة لافتة على الصمود والمقاومة، حتى في أصعب الظروف الصحية. وتلك هي بعض سمات الفنان الحق، الذي يجمع بين حساسية مرهفة بالناس وقدرة على تمثل مشاعرهم والتعبير عنها إبداعياً، وبين عدم الاستسلام للمرض والمعاناة، بل إنه يجعلهما جسرا منفتحا على المستقبل وتجسيدا لإرادة العطاء الذي لا ينضب.
ومن ثم، فإن ‘الهيئة العربية للمسرح’ ـ مثلما لاحظ العديد من متتبعي مهرجان المسرح العربي في الدوحة ـ أصابت مرتين: مرة حين أسندت للفنانة القديرة ثريا جبران إعداد كلمة اليوم العربي للمسرح، ومرة أخرى حين أبت إلا أن تنقل من خلال شريط فيديو الظرف الخاص الذي تجتازه تلك الفنانة، حتى تشعر بأن الجميع يقف بجانبها، وأنهم زاروها روحياً ووجدانياًً في غرفتها بالعيادة الطبية في المغرب، حتى وإن ظهرت قرب باب الغرفة يافطة مكتوب عليها ‘الزيارة ممنوعة’. وبالنيابة عن الفنانة ثريا، ألقت الفنانة اللبنانية رندة الأسمر كلمة اليوم العربي للمسرح دون أن تستطيع مغالبة التأثر من حال سيدة المسرح المغربي.
وكانت ثريا جبران موضوع إحدى جلسات ندوة ‘نقد التجربة.. همزة وصل’ التي نظمتها ‘الهيئة العربية للمسرح’ في إطار الحلقات الفكرية لمهرجان المسرح المغربي الذي نظم بمدينة مكناس العام الماضي، حيث قدم الناقد والكاتب المسرحي محمد بهجاجي مداخلة عن هذه الممثلة ثريا جبران وعن مختلف المحطات الفنية التي مرت بها تجربتها، بدءا بفرقة ‘المعمورة’ ومسرح الهواة، ثم مع الفنان الطيب الصديقي، وصولا إلى تأسيسها لفرقة ‘مسرح اليوم’. وتوقف عند تجربة ‘مسرح اليوم’ التي امتدت من 1987 إلى 1992، مشيرا إلى أن خصائص هذه التجربة تمثلت في المزاوجة بين البحث المسرحي واستهداف الجمهور الواسع، وإرساء لبنات الإنتاج المسرحي، وتنوع مصادر الدعم والتمويل، وإعادة الاعتبار للنص المسرحي، وتقليد عمل كل موسم. وشبّه المتدخل مسار ثريا جبران بـ’صخرة سيزيف’، حيث كانت هذه الممثلة تعيش ظروفا صعبة مهنياً واجتماعياً لتقوم من جديد في محاولة لاسترداد أنفاسها وتوهجها؛ موضحاً أن هذا مسار طبعته عدة ثنائيات: التألق والخفوت، الصدفة والاختيار، الحركة والسكون.
ثريا جبران، واسمها الحقيقي السعدية فريطس، من مواليد مدينة الدار البيضاء عام 1952، وقد استعارت لقبها الفني ‘جبران’ من الاسم العائلي لزوج أختها الفنان المسرحي محمد جبران، الذي تعلمت على يديه المبادئ الأولى لأب الفنون، كما كان لتجربة المؤلف والمخرج والممثل المسرحي عبد العظيم الشناوي دور كبير في تطوير موهبة التمثيل لدى ثريا جبران. ومثلما شكل مسرح الهواة اتقاد الجذوة الفنية الأولى بين جوانح هذه الفنانة، كانت تجربتها الاحترافية مع الطيب الصديقي تعميقا لهذا التوجه وفتحا لآفاق رحبة له في المسرح والسينما والتلفزيون. وتعد ثريا جبران أول فنانة مسرحية مغربية تتقلد منصب وزيرة للثقافة خلال الفترة الممتدة من 2007 إلى 2009، ويشهد كل من احتك بهذه الفنانة عن قرب أنها لم تتخل عن تواضعها وعفويتها وبساطتها وطيبوبتها خلال تقلدها لتلك المسؤولية الوزارية، والتي اضطرت إلى إعفائها منها بعد إصابتها آنذاك بوعكة صحية ناتجة عن ظروف خاصة.
تمنياتنا بالشفاء العاجل للفنانة القديرة ثريا جبران، حتى تعانق من جديد خشبة المسرح، وتعود لأصدقائها ومحبيها بنفس التألق والتوهج والعنفوان.

* كاتب من المغرب
tahartouil@gmail.com

 

http://www.alquds.co.uk

الطاهر الطويل’

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.