أخبار عاجلة

بات موضوع الهوية يجتاح المجالات الإنسانية كافة، ليس فقط الوطنية منها، ليصل إلى المسرح ويصبح هاجساً لدى كثير من المسرحيين والباحثين، من هذا المنطلق عقدت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة الملتقى العاشر للمسرح العربي، تحت عنوان المسرح والهوية، ليناقش محورين رئيسين هما الممارسة والعرض المسرحي والتنظير.

 

«ملتقى المسرح».. ‬10 سنوات في خدمة الخشبة

بات موضوع الهوية يجتاح المجالات الإنسانية كافة، ليس فقط الوطنية منها، ليصل إلى المسرح ويصبح هاجساً لدى كثير من المسرحيين والباحثين، من هذا المنطلق عقدت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة الملتقى العاشر للمسرح العربي، تحت عنوان المسرح والهوية، ليناقش محورين رئيسين هما الممارسة والعرض المسرحي والتنظير.

 

 

 

وفي افتتاح الجلسة الأولى للملتقى الذي عقد في قصر الثقافة بالشارقة، أمس، قال رئيس دائرة الثقافة والإعلام عبدالله العويس إن «ملتقى الشارقة للمسرح العربي تجاوز اليوم عقده الأول دون انقطاع، تأكيدا لأهمية الالتقاء بين الاشقاء، وإيماناً بالحاجة الملحة لهذا النوع من الملتقيات، في ظل ما يواجهه الوطن العربي من أخطار وتحديات». وتابع أنه على مدى الدورات الـ‬10 السابقة، وفد العديد من المبدعين العرب ومن جميع الأقطار العربية إلى الشارقة، من أجل غاية واحدة هي المسرح، حاملين معهم هموم وآمال كل المبدعين العرب، المؤمنين بأهمية المسرح ودوره النهضوي، ونثمن الدور التنويري للمسرح، مقدرين مشاركة كل الجهود المخلصة لهؤلاء المبدعين. وأكد أن «الملتقى في دورته الـ‬10 يواصل مسيرة البحث والنقاش في سلسلة من العناوين والمضامين، ويناقشها سنوياً واستكمالا لموضوع العام الماضي المسرح والتغيير وفي السياق نفسه، يواصل اليوم البحث في موضوع المسرح والهوية، وتأكيداً لدور المسرح في تناول قضايا الأمة، في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها أمتنا العربية، إذ جاء اختيار العنوان لنؤكد هذا الدور المهم والمختلف للإبداع المسرحي، في ظل ثورة الإعلام والتواصل الاجتماعي الحديث».

مفهوم الهوية

ضمن الجلسة الأولى، استعرض المخرج والممثل المسرحي العراقي حازم كمال الدين، شهادة «مسرحي عربي في الفضاء الثقافي الغربي»، وعرج في بداية ورقته إلى معنى الهوية من أكثر من جانب، ففي خطاب الفلسفة الحديث «الهوية» هي التميز عن الغير والمطابقة للنفس، أي خصوصية الذات، وفي مجال علم الاجتماع السياسي، يرى أن الهوية هي مجموعة من الخصائص التي يمكن للفرد عن طريقها أن يميز ذاته، مقارنة مع الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، في تعريف آخر تصبح الهوية هي «الذات»، وهي الشخصية التي لها خصائص ومكونات معينة، منها اللغة الدين والتاريخ والثقافة.

وفي العموم يشير مفهوم الهوية إلى الوحدة، إلا أنه ليس ثابتا ولا جامدا ولا نهائيا، بحسب كمال الدين، الذي اعتبره مفهوماً حيوياً وديناميكياً، يغتني باستمرار من عناصر ثقافية متجددة، وكل الهويات مركبة من عناصر مختلفة، وتراثات متغايرة، وميزة هذا المفهوم الحيوي هي أنّ الفرد يرى ذاته في «الآخر»، ويرى «الآخر» في ذاته، دون وقوع بالتبسيط، أو المحاكاة، كما أن الهوية بنية متحولة باستمرار، لكن على محور ثابت هو الذات.

وحول مفهوم هوية المسرح، قال كمال الدين، إن «العنصر الجوهري الذي يميز المسرح عن بقية الفنون، هو ما يحدث إبان العرض، سواء حدث ذلك على خشبة مسرح أو في موقع لا مسرحي، ماديا كان أو افتراضيا»، وما يحدث إبان العرض، إنما هو طاقة التواصل والتفاعل بين العارض والمتلقي، وهي طاقة تقود إلى تطهير أو متعة أو تعلم أو تساؤل، وأشكال هذه الطاقة تتنوع لتشمل التراجيديا والكوميديا والملحمية والتعليمية والطقوسية والرقص والحكواتي والدمى، وأدواتها التمثيلية هي التغريب والمعاناة والطقوس والرقص والغناء. وتابع أرى أن «العناصر المسرحية المحيطة بالعارض والمشاهد، التي تصبو إلى تحقيق اللقاء الحي وتشكل وسائط غير ثابتة وتتغير بناءً على تغيرات الخطاب الاقتصادي والاجتماعي الثقافي، فتغدو تارة كلاسيكية وتصبح تارة ما بعد حداثية وما بينهما، كما أن عناصر الهوية المسرحية تتحرك في مستويين، هما عنصران جوهريان يميزان المسرح عن بقية الأنواع الفنية، وهما عنصران لا وجود لعرض مسرحي من دونهما، وعناصر ذات وشائج مع أنواع أدبية أو فنية أخرى، هما عنصر الممثل والجمهور كونهما مشروطين بالواقعة الحية، والعناصر الأخرى المخرج والمؤلف والدراماتورغ والتقنيات».

تجربة واقعية

يميل حازم كمال الدين إلى الحديث عن تأثير الهوية الثقافية العربية في إنتاج العروض المسرحية للمسرحيين العرب في الغرب، بالنظر لتاريخه الشخصي، وبسبب التعرض المباشر لهؤلاء لتحدي ومواجهة قضية الهوية الثقافية عبر لقائهم مع الثقافة الغربية، ليصبحوا مزدوجي الهوية، وبالنظر لأنه من قدماء المسرحيين العرب في أوروبا، فقد حصل على فرصة مراقبة المسرحي العربي عن كثب في صيرورته المسرحية في الغرب.

ولاحظ كمال الدين أن «المسرحيين إما طلبة يدرسون ويعودون، وهؤلاء مهم جدا بالنسبة لهم الحصول على درجات عالية تكفل لهم النجاح واسماً وسمعة في أوطانهم، لأنّهم درسوا في الغرب، وإما مهاجرون لشتى الأسباب التي لم تعد خافية على أحد، والنوع الأخير من المسرحيين يبحث في الغرب عن كل الطرق الممكنة، للحفاظ على هويته ومواصلة العمل في المسرح، كوسيلة تعبير عن الذات، وهو يصطدم بدءاً بجدار اللااعتراف الغربي، على اعتبار أن الأجنبي في الغرب عموما مشكوك فيه، حتى يثبت حسن سلوكه وصدقه، وبسبب من قساوة الغرب الباردة، وشعور الأجنبي بالدونية أمام الثقافة الغربية، تتخذ مسارات بحثه طرق الخضوع لما تتطلب شروط إثبات الذات أو تحدّي ذلك الخضوع». لافتاً إلى وجود فسحة للتفاعل بين الجمهور والعرض في المسارح الرسمية والأعراف المسرحية التقليدية والمعاصرة، رغم أنّ هذه الفسحة لا توصل المتلقي إلى مستوى تسميته بـ«الآخر»، وعندنا تحدث القضية بطريقة أخرى، فالموضوع والواقعة والأحداث تشكل طقسا، تجعل الممثل يترجل من علياء الخشبة والمنبر، يخون هالته القدسية وموقعه النخبوي مجازا بالنسبة للآخر، ويتقدم ليكون في موقع الآخر نفسه، وبهذا يولد فضاء جديد للكينونة، اثنان في حوار من إنسان إلى إنسان وليس من فنان إلى متلقٍ، وهذا اللقاء من إنسان إلى إنسان لا يقتصر على الشراكة المسرحية التي يكون فيها المتلقي فاعلا بل تمتد لتشمل كل ما يحيط بالواقعة.

جدل التبعية

ناقشت أستاذة المسرح الحديث والمعاصر بأكاديمية الفنون المسرحية في دمشق، الدكتورة ميسون علي، جدل التبعية والمثاقفة ضمن ملتقى المسرح والهوية، إذ اعتبرت أن المسرح تحول من كونه فناً رئيساً إلى فن هامشي في عالم ما بعد الحداثة، إذ كل شيء يتمسرح حول وسائط الاتصال الحديثة من تلفزيون وكمبيوتر وإنترنت، وما يستجدّ دائماً من وسائط تفاعلية.

وقالت في ورقتها إن «قضية المسرح وهويته طرحت في السنوات الأخيرة بأسلوب يقوم على الالتباس وعدم الوضوح، إذ إن مأساة التنظيرات والمعالجات الفكرية لهذه المسألة تكمن في أنها تدور في حلقة مفرغة لأنها تطرح القضية طرحاً خاطئاً، لاسيما أنها تطرح أسئلة خاطئة، فإنها حتماً ستنتهي إلى أجوبة خاطئة، فالتراث وأشكال الفرجة الشعبية ليست بذاتها ضمانة أي أصالة أو هوية، وأنّ ما يؤصل المسرح هو قوله وكيفية هذا القول».

وتابعت أن «التعبير بعمق عن سمات الإنسان العربي في ظرفه الحياتي في عمل مسرحي عربي ما، هو الذي يكسب هذا العمل هويته الخاصة، ومن قال إن الهوية الخاصة لم تعد ضرورة لأننا في زمن العولمة، فالعولمة التي تتبلوّر وتتأكد منذ نهاية القرن العشرين، تكاد تكون النقيض الجذري لتلك اليوتوبيا التي بشّر بها الفلاسفة، وغذت رؤى الإنسان عبر القرون، وباتت تدمر دون رحمة كل أشكال التلاحم داخل الجماعات».

 

المصدر:

    سوزان العامري – الشارقة

http://www.emaratalyoum.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.