أخبار عاجلة

بدأ الشباب العربي يدرك أن " الربيع العربي" تم اختزاله إلى "شتاء دائم" لا يختلف كثيراً عن تلك السلطات القمعية السابقة  التي كانت تتبنى شعارات الحرية والديمقراطية وتعمل على الإطاحة بها في التعاطي مع الإنسان العربي ، ولم يكن الشباب التونسي غافلاً عن تلك التحولات ، ذلك أنه صاحب الشرارة الأولى والثورة الأولى التي حملت دماء الشهداء والتي دفعت الرئيس التونسي إلى مغادرة السلطة والبلاد إلى غير رجعة.

 

طواسين.. فاعلية التأريخ في منظومة “الربيع” المتأخر

بدأ الشباب العربي يدرك أن ” الربيع العربي” تم اختزاله إلى “شتاء دائم” لا يختلف كثيراً عن تلك السلطات القمعية السابقة  التي كانت تتبنى شعارات الحرية والديمقراطية وتعمل على الإطاحة بها في التعاطي مع الإنسان العربي ، ولم يكن الشباب التونسي غافلاً عن تلك التحولات ، ذلك أنه صاحب الشرارة الأولى والثورة الأولى التي حملت دماء الشهداء والتي دفعت الرئيس التونسي إلى مغادرة السلطة والبلاد إلى غير رجعة.

 

الأمر الذي جعل الساحة السياسية مفتوحة أمام الجميع بما فيها الحركات الدينية التي كانت في مرحلة الأنظمة العربية السابقة  تعاني القمع والتهميش، وباتت اليوم تهيمن على شريحة واسعة من المجتمع بما تحمل من “شعارات” التسامح والنزاهة والحرية والعدالة وغيرها.

إلا أن السلطة التي اتخذت من الدين غطاءً شرعيا لأفعالها السياسية بدأت تسعى لتغيير الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية مستخدمة سياسة “التحريم” وتكميم الأفواه من أجل القضاء على الخصوم السياسيين ، مستفيدة بذلك من بسطاء الناس الذين يعرفون أن دين الله هو دين الحق والعدل والمساواة، وبما أن القابضين على السلطة اليوم ينطلقون من المفاهيم ذاتها فإنهم جنود الله في الارض؛ وهو الأمر الذي دفع بالمثقف  التونسي/ العربي  إلى تبني حملات مناهضة لتلك التوجهات التي تطمح إلى تغيير شكل المجتمع التونسي/ العربي  والقضاء على حرية الفرد الشخصية، وقد تم ذلك في مختلف المجالات الثقافية  والتي كان المسرح  جزءا فاعلاً فيها بما يمتلك من رصيد في الوعي الجمعي ، ومن هنا يأتي العرض المسرحي التونسي (طواسين)  الذي قدم ضمن فعاليات (مهرجان شباب المسرح العربي الأول) والذي أقيم في بغداد مؤخرا ، ليكون شاهداً على “ربيع مسرحي” مناهض للسلطة التي تتخذ من الدين ستاراً يخفي هيمنته على المجتمع.

المسرحية من تأليف (إبراهيم بن عمر) سينوغرافيا وإخراج (حافظ خليفة) تمثيل (منذر العابد – فرحات دبش – عبد الباسط الشاوش – حافظ خليفة – نادر بلعيد ) كوريغرافيا (رشدي بلقاسمي – وليد خضراوي) أداء صوتي(جمال الصليعي) الأزياء (جليلة مداني) موسيقى (سفيان طارق) إضاءة (رمزي النبيلي).

تختلف القراءة النصية للمؤلف (إبراهيم بن عمر) عن غيرها من القراءات التي لجأ فيها كتاب المسرح إلى التأريخ من اجل استحضار بعض الافكار والشخصيات ، والعمل على تفعيلها لتكون قادرة على ملامسة الحاضر ، وعلى الرغم من خيار اللجوء إلى التاريخ ليس جديداً على فرضيات المسرح العربي ، إلا أن تلك التجربة المسرحية العربية كثيراً ما اتكأت على المضامين التراثية تارة من أجل البحث عن شكل مسرحي جديد في مقارنة مع الاشكال المسرحية الغربية ، وتارة أخرى في محاولات متعددة للإفلات من هيمنة السلطة القمعية في الانظمة الدكتاتورية التي كانت تسعى إلى اختزال الخطاب الثقافي لكي يتحول إلى منبر دعائي لسياستها ، كما هو الحال في العراق وغيره من البلدان العربية التي كانت ترزح تحت مطرقة الحكم الشمولي .

وقد تمثلت التجارب المسرحية التي اختارت التراث والتأريخ مرجعاً معرفياً لمضامينها الفكرية والجمالية في تجارب عدد من المسرحيين العرب بينهم (الطيب الصديقي ، سعد الله ونوس، قاسم محمد ) وغيرهم.

ولم تكن مسرحية (طواسين) بعيدة عن ذلك المضمون ويمكن الاستدلال على ذلك من عنوانها الذي امتلك دلالة تعريفية بمضمونها إذا ما عرفنا أنه يحمل عنوان الكتاب الشعري لواحد من المتصوفة الاكثر جدلا في التأريخ الإسلامي ألا وهو (الحلاج) .

ولم يكتفي المؤلف باستحضار الجدل الصوفي متمثلا بشخصية (الحلاج) بل إنه عمد إلى استحضار شخصيات إشكالية اخرى تمتلك كل منها فضاءات واسعة في الفكر التصوفي وهم (السهروردي ، أبن عربي ، حمدان قرمط) ويقف الشيطان الذي إستحضره المؤلف ليكون حاضراً في شقي المعادلة بوصفه المتمرد الاول على السلطة الالهية من جهة ، وبوصفه حاضراً في فعل التحريض والاغواء الابدي الذي يعتمده في الاطاحة بالكائن البشري كما هو وارد في النص القرآني ” لأغوينهم أجمعين إلا عبادك المخلصين”  .

ولم يكن فعل استحضار تلك الشخصيات إعتباطياً في المتن النصي الذي إشتغل فيه المؤلف على المزاوجة بين المرجعيات الماضوية والمضامين المعاصرة التي باتت تشكل اليوم واحدة من ابرز الاشكالات التي طفت على سطح المجتمعات العربية بعد الربيع العربي، فقد إختار المؤلف عن دراية ومعرفة شخصيات النص لتشكل بمجملها باستثناء (الشيطان)  متناً صوفياً يدفع المتلقي التواصل معها بما تمتلك من خزين في الذاكرة الجمعية التي تعبر بمجملها عن النزاهة والزهد والابتعاد عن مطامع الدنيا وشهواتها ؛ إلا ان المؤلف عمل على الاطاحة بجميع الفرضيات التي تشكلت في الذاكرة الانسانية عن الفكر التصوفي ، وذلك من خلال إقتران هذا الفكر بالسياسة والسلطة ، وهو بذلك يوجه رسالة واضحة المعالم إلى السلطات الدينية في المجتمعات العربية المعاصرة ، ومفادها ان أكثر الزاهدين في الدين لا يستطيعون الصمود أمام نزوات السلطة إذا ما إمتلكوا القدرة على التحكم بمصائر الشعوب.

ولم تكن الافكار التي وردت في المتن النصي بمعزل عن الفعل الجمالي والتعبيري الذي عمل المخرج على توظيفه في العرض المسرحي منطلقاً من الشكل المسرحي المتوارث  والمتمثل بتوظيف (خيال الظل) والذي لم تدخر التجربة المسرحية العربية الكثير من العروض المسرحية التي اعتمدته في إشتغالاتها ، إلا ان المخرج في (طواسين) عمل على توظيفه على نحو مغاير للشكل التقليدي والمتعارف عنه في ما يعرف بمسرح خيال الظل ، وذلك من خلال توظيف الاضاءة الساقطة على الستارة والتي تظهر الشخصيات (الصوفية) وهي في مرحلة التحول من التعبد والزهد إلى مرحلة الحكم والسلطة ، وكانت تنوعات الصورة البصرية حاضرة في العديد من مشاهد العرض ،ومن جهة أخرى نجد أن اعتماد المخرج على الفضاء العاري على الخشبة مختزلاَ المكان المسرحي المفترض في النص والذي يتمثل في شكل المدينة الرمزي ، كما ظل شاخصاً طوال العرض، تحول إلى قراءة بصرية للارضية المسرحية التي عمل المخرج على إكسائها باللون الأبيض لتكون ملازمة للشخصيات في محاولة لتذكير المتلقي بأن الأرضية التي تعود إليها الشخصيات (المتصوفة) هي أرضية ناصعة البياض إذا ما بقيت في مكانها التقليدي ويقصد به المكان الطبيعي للمتصوف الباحث عن الخلاص الروحي عن طريق العبادة والزهد .

إلا ان المخرج ظل يشتغل على ثيمة نصية اخرى تمثلت بالحضور الفاعل (للشيطان) في مراحل الإغواء التي كانت تطيح بالمتصوفة الواحد تلو الاخر في إشارة واضحة إلا أن إغواءات السلطة تهيمن على ملكوت الشعائر والطقوس الدينية ، وقد كانت دلالات اللون الاحمر حاضرة في تشويه الارضية البيضاء مع الحضور المتكرر (للشيطان) الذي لم يدخر جهداً بصرياً كان أو تعبيرياً في تفعيل الغواية في محاولة للإطاحة بعباد الله الذين تكشفت حقيقة رغباتهم المتمثلة في الحصول على السلطة المطلقة.

وعلى الرغم من الإحالات المباشرة التي تمثلت بشخصيات العرض إلا ان المخرج على تهشيم الذاكرة الجمعية المتوارثة في وعي المتلقي وقد بدا ذلك حاضرا في إشتغاله على منظومة الاداء التمثيلي مع الشخصيات على نحو عام ومع الممثل الذي لعب دور (السهروردي) على نحو خاص ، وذلك من خلال تفكيك المرجعيات المعرفية والتأريخية للشخصية الاصلية والعمل على توظيفها بما يخدم الحدث الدرامي ، على الرغم من الإحالة التي هشمت مرجعيات الشخصية والتي تمثلت في شخصية (السهروردي) الذي ظهر حاملاً ميولاً (شاذة) وبدا سلوكه واضحا عبر  تبنيه لمنظومة خاصة على مستوى الاداء الحركي والتعبيري للممثل معتمداً على الأسلوب الديناميكي  ومستفيداً من طاقة الممثل المهارية التي مكنته في مشاهد عدة من الإمساك بالإيقاع العام للعرض وإيقاع الشخصية على حد سواء.

فضلا عن ذلك فإن توظيف المخرج للعديد من مشاهد الرقص التي جاءت على شكل فواصل تمنح المتلقي فرصة في قراءة الافكار التي كانت في كثير من المشاهد تأتي متسارعة بما تمتلك اللغة التونسية من إختزال للحروف يصعب على المتلقي العراقي التواصل معها على نحو متكامل ، وقد جاءت مشاهد الرقص التعبيري متقنة على مستوى الجسد الراقص والحركات الفاعلة فضلا عن كونها علامات دالة داخل الشكل السينوغرافي للعرض ؛ وقد تمثل ذلك على نحو خاص في مشاهد عدة من بينها مشهد (وضوء الدم) وكذلك مشهد (جلد الذات) الذي تتبعه الطرق الصوفية في محاسبة النفس على ما ارتكبت من معصية تجاه الخالق .

وفي واحد من المشاهد الأكثر إثارة في (طواسين) والذي عمل المخرج فيه على الإفادة من ادوات بسيطة في الكشف عن مصطلح  (العلمانية ) الذي  بات متداولا بين الفرقاء السياسيين ورجال الدين  والمثقفين والذي لم يسع أي منهم إلى تفسيره إلى الإنسان البسيط ، إذ عمل كل فريق إلى تفسيره بما يخدم مرجعياته المعرفية ومخططاته في الهيمنة وإقصاء الآخر، بينما اختار المخرج أن يفسره بأسلوب كاريكاتيري بسيط يربط فيه بين التقنية التكنولوجية التي تنقل الأخبار الدموية عن طريق وسائل الاعلام والفضائيات والصحون اللاقطة من جهة وبين  الاكثر زهدا من الشخصيات الدينية بحسب العرض والذي تمثل في شخصية (الحلاج) والشخصية الصوفية الاخرى الذي تمثل بشخصية (السهروردي) الذي أشرنا إلى ميوله الجنسية التي بدت واضحة في فضاء العرض من جهة اخرى ، فكيف يمكن المزاوجة بين (الدين) بما يحمل من قيم ورسالة سماوية وبين (الدولة) والتي عمد المخرج إلى الشارة إليها بصيغة (المؤنث) لكي تكون منسجمة مع سلوكيات (السهروري) الذي دعا في المرحلة التي تسلم السلطة فيها إلى تجريد الرجال من أعضائهم الذكرية من اجل تأنيث المجتمع العربي؛ والخلاص من الاحتجاجات المتكررة على السلطة؛ وقد كان هذا المشهد معبراً بحق عن حالة الصراع الذي بدا يتحول في المجتمعات التي تنشقت عبير الربيع العربي إلى صراعات دامية بين الدين الذي تنوعت مذاهبه وكثرت رجالاته وبين المجتمعات التي تطمح إلى العيش الحر والسعي وراء العدالة الاجتماعية وتعدد الحريات ورفض هيمنة السلطة التي تختزل المجتمع الانساني في شخص الحزب الواحد والسعي المستميت للقضاء على فكرة التعدد في الحياة البشرية.

كلية الفنون الجميلة- بغداد

صميم حسب الله

http://www.almadapaper.net/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.