أخبار عاجلة

تناول النقد العربي ثلاثية، المبدع، والعمل الإبداعي، والمتلقي، بأشكال كثيرة، وتوقف عند العلاقة الدائرية بين عناصر الفعل الإبداعي، إلا أن حديثاً مطولاً ظل يدور حول تأثير المبدع في المتلقي، بوصفه المرسل في عملية اتصال كاملة يختلف فيها محتوى الرسالة، بين قصيدة، أو لوحة، أو قصة، أو غيرها .

مثقفون إماراتيون: العمل الفني ضحية تأثر المبدع بذائقة المتلقي

تناول النقد العربي ثلاثية، المبدع، والعمل الإبداعي، والمتلقي، بأشكال كثيرة، وتوقف عند العلاقة الدائرية بين عناصر الفعل الإبداعي، إلا أن حديثاً مطولاً ظل يدور حول تأثير المبدع في المتلقي، بوصفه المرسل في عملية اتصال كاملة يختلف فيها محتوى الرسالة، بين قصيدة، أو لوحة، أو قصة، أو غيرها .

 

 


إلا أن التأثير – وفق مثقفين  لا يقتصر في العملية الإبداعية على تأثير المبدع في المتلقي وحسب، بل تنقلب الأدوار ليصبح للمتلقي تأثيراً في المبدع، وبالتالي أثر على شكل المنتج الإبداعي، فكثيراً ما يقع المبدع ضحية ما يريده المتلقي وحينها لا يقدم على جديد ولا يقدم إضافة، ويبقى حبيس ذائقة واحدة .


في الوقت نفسه يجد مثقفون استطلعت “الخليج” آراءهم، أن المبدع عربياً يدور في فلك، والمتلقي في فلك آخر، ويجدون أن تأثير المتلقي في المبدعين صحي ويخدم العملية الإبداعية، إلا أن المبدع عربياً وخصوصاً إماراتياً على قطيعة جوهرية مع المتلقي، وشكل العلاقة الظاهرة هو شكلي قائم على استمرارية الفعل الإبداعي وحسب .


حول ذلك يقول الشاعر إبراهيم الهاشمي إن أثر المتلقي على الشاعر أمر غير طبيعي، لأن الشاعر الحقيقي يكتب شواغله من غير الالتفات إلى ما تمليه ذائقة المتلقي، إلا أن التأثر موجود عند كثير من الشعراء، وهو ليس بجديد بل يمتد ويكاد يرافق تاريخ الشعر، حيث كان بعض الشعراء يكتب ما يستهوي المتلقي ويخدم حالة أو وضع .


ويضيف: “الأثر الذي يكون لحضور المتلقي وذائقته، أثر خطير إذ قد يكبح جماح المبدع ويجعله أسير ذائقة جاهزة” مشيراً إلى أن القصيدة ظل الأثر فيها ضئيلاً، ولم يلعب المتلقي الدور الكبير في نتاجها .


ويؤكد الهاشمي في حديثه مع القصيدة الإماراتية، “أن الجمهور لم يمنع الشاعر أحمد المدني من كتابة قصيدة التفعيلة في الوقت الذي كانت القصيدة الشعبية والعمودية هي الذائقة السائدة، ولهذا بات المدني اليوم رائد التفعيلة الإماراتية” .


ويلفت إلى أن الجمهور قد يلعب دوراً واضحاً في موضوع القصيدة إذ قد يكون الشاعر محكوماً لمنظومة المجتمع الأخلاقية، وإلى قدرته على تقبل موضوع من “التابوهات”، ويرى أن الشاعر عليه أن يحترم هذا ويراعيه في قصيدته .


على صعيد المسرح الأمر يظهر مغايراً بشكل واضح إذ يقول المسرحي حميد سمبيج: “الجمهور عمال العمل المسرحي، ولا يكون المسرح من دون الجمهور، وبالضرورة يؤثر العمل المسرح في المتلقي”، ويدلل ذلك بالمقارنة بين المسرح الإغريقي وجنوحه نحو الإنساني والمسرح الروماني وإغراقه في العنف .


ويبين سمبيج “إن العمل المسرحي يراعي في انتاجه الجمهور من حيث الثقافة والأعمار والتقاليد المجتمعية، وغيرها من المسائل التي لا يجب إغفالها، وهذا بالضرورة يجعل المسرحي محكوماً لجمهوره وقد يمنعه من طرح فكره أو كتابة جملة أو تأدية دور” .


ويشير إلى أن ذلك يسهم بشكل أو بآخر في مراوحة المسرح مكانه، وعدم إقدامه على التجريب تخوفاً من ردة فعل المتلقي، مؤكداً أن الحاجة تبدو ماسة للمؤسسات الراعية للعمل الثقافي، لتقي المسرحي من دوام انسياقه للجمهور، ودفعه إلى طرح الجديد من دون تخوف” .


الحال يبدو أقل خطورة في اللوحة، حيث يوضح التشكيلي خليل عبدالواحد أن تأثير الجمهور على الفنان ليس مباشراً، إنما يدور في لا وعي الفنان، فتحدثه نفسه خلال انتاج العمل الفني بأن “هذا التكوين لن يعجب المتلقي وهذه المجموعة اللونية قد تدهش الحاضرين، وغيرها” .


ويكشف أنه في تجربته الشخصية، كثيراً ما يجهد في الخروج من تلك الخواطر، ويحاول إنتاج عمل برؤيته الخالصة ووفق ما يحاول طرحه وايصاله” .


ويتنبه عبدالواحد إلى “أن الأعمال الفنية التجارية، التي حولت اللوحة إلى مجرد سلعة، ما هي إلا نتاج تحكم ذائقة المتلقي في المبدع، وتوجيه فعله الإبداعي نحو المحبب والرائج” .


الأمر يظهر أكثر تعقيداً عند القاص حارب الظاهري، إذ يرى أن المبدع العربي يدور في فلك، والمتلقي في فلك آخر، ولا توجد بينهما علاقة جوهرية حقيقية، تثير أسئلة وتستحث المبدع وتستفز قدرته على إنتاج أعمال إبداعية مغايرة .


ويرى أن المتلقي العربي بسيط، وقراءته محدودة، غير قادرة على مماحكة ما يطرحه المبدع، مشيراً إلى أن ما يزيد الحالة سوءاً المشهد الثقافي لنقد حقيقي .


ويؤكد أن التأثر الذي ينصب في خانة خدمة ذائقة الجمهور، لا ينطبق على الإبداع الحقيقي الذي هو ذاتي في متنه، وإن وجد تأثير فهو غير إرادي وخارج عن وعي المبدع .


العلاقة تبقى مفتوحة على مصراعيها أمام التأثير المتبادل، لكن النهوض في المنتج الإبداعي سيظل عالقاً أمام سؤال: هل يكون بتغير ذائقة المتلقي أم بتغير دفة المبدع نفسه؟ والبداية تكون أولاً بالذائقة أم بالمنتج؟

 

الشارقة – محمد أبو عرب:

http://www.alkhaleej.ae

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.