مسرحية سهرة مع أبي خليل القباني

“التناص ّفي المسرح العربي “

ملخص البحث: 
لقد استقر مصطلح التناص في النقد العربي الحديث، وهو في الأصل تقانة أدبية تتعلق بالإبداع، وقد كان في النقد العربي القديم ما يشبهه، وهو درس السرقات الأدبية، وقد ضعت كتب نقدية كثيرة حول التناص تنظيراً وتطبيقاً ولاسيما في مجال الشعر، ولم يطبق في مجال المسرح، وترجمت كتب أخرى، ولم يعد مجرد مصطلح جامد، بل أصبح منهجاً نقدياً فيه اتجاهات متعددة، وتعد جوليا كريستيفا المؤسسة له، وسرعان ما تطور، ويعد فهم جيرار جينيت له من أكثر الأشكال نضجاً وغنى، ولذلك اعتمد البحث على فهمه له، ولا يعني هذا التقليد والاتباع، وإنما يعني الأخذ بخبرة إنسانية ناضجة، هي ملك النقد الأدبي. ويقدم البحث خلاصة سريعة لنشأة المصطلح وتطوره، ثم يقدم فهم جيرار، ويوضح الأنواع الخمسة التي حددها لأشكال التناص، ثم يتم تقسيم البحث إلى عناوين فرعية وفق الأنواع التي حددها جيرار للتناص، مع بعض الإضافة والتعديل وفق ما يناسب المسرحيات العربية، وما يتفق وخطة البحث. ويقوم البحث داخل الأنواع التي حددها جينيت بتقديم إجراءاته النقدية على عشرين مسرحية، تم اختيارها على أساس تمثيلها شكلين للتناص حددهما البحث باستقلالية، بالإضافة إلى تحديدات جينيت، ويتجلى الشكل الأول في أشكال لغوية، وهي تناص المسرح مع المسرح، ومع الشعر، ومع النثر، ومع التراث العربي، ومع الأدب العالمي، ومع الأدب الشعبي، وتمثلها المسرحيات التالية:
 
ليلى والمجنون وسهرة مع أبي خليل القباني، ومجنون ليلى، وتحولات عازف الناي، وهملت يستيقظ متأخراً، وأوديب عصري، وعرس حلبي، ويتجلى الشكل الثاني في أشكال غير لغوية، منها الأعراف والتقاليد المسرحية والمواقف والتقانات الحديثة والتراث الشعبي، وتمثلها المسرحيات التالية: مغامرة رأس المملوك جابر، وديوان الزنج، وسليمان الحلبي، والحداد يليق بأنتيغونا، ومرافعات الولد الفصيح، والمخاض، ويحرص البحث على التكثيف الشديد في الإجراء النقدي، والاختصار في الأمثلة والشواهد، والإقلال من الحواشي والمراجع، والاكتفاء بالإحالة إلى ما هو مقبوس منه، وغاية البحث اختبار المصطلح والمفهوم، ولذلك كانت عناوين الفقرات هي الأنواع التي حددها جينيت، لأنها منهج البحث. وفي القيمة الفنية للتناص يبيّن البحث وظائف التناص، ومنها تأصيل المسرح، ومنحه أفقاً إنسانياً من خلال التواصل مع الأدب العالمي، وترسيخ المسرح في المجتمع العربي، وتطوير المسرح وتجديده، وفي الخاتمة يشير البحث إلى سلبيات التناص، من غموض وتراكم وتكرار، ويناقش فهم جينيت ويقارنه بقهم بلوم، ثم يفتح أفقاً جديداً لدرس التناص.
 
 
 
تمهيد: مفهوم التناص    نشأة المصطلح     تطوره      مفهوم جيرارجينيت
 
 
التناص ّintertextual بمعناه اللغوي دخول نص في نص، وبمعناه النقدي علاقة ما بين نص حاضر ماثل ونصوص أخرى سابقة أو معاصرة[i] أو حتى لاحقة تدعى النص الغائب، وهي علاقة يكتشفها القارئ معتمداً فيها على ثقافته، وليس المقصود بالنص الغائب مجرد النص اللغوي المطبوع text ، وإنما الخطابdiscourse  ويعني أي شكل من أشكال التعبير بأي أسلوب أو طريقة أو وسيلة، من حركة أو إشارة أو عادات اجتماعية أو تعبير شعبي، ودراسة التناص ّهي التناصّيّة intertextuality ، والنصوص الغائبة التي دخلت في النص الحاضر تسمى المُتناصّ بصيغة اسم المفعول. والتناص ّظاهرة أدبية معروفة في آداب العالم كله، قديمه وحديثه، وقد عرفها الأدب العربي منذ العصر الجاهلي، وأبرز أشكاله تكرار أقوال السابقين والإشارة إليهم ثم النقائض والمعارضات والتضمين والاقتباس والتشطير والتخميس، ودرس النقاد العرب القدامى ظاهرة التناص ّتحت مصطلح السرقات الأدبية، ووضعوا لها أنواعاً، ووُضِعت كتبٌ كثيرة عن هذا الموضوع، كما عولج موضوع العلاقة بين مصطلح التناص والسرقات الأدبية في مقالات كثيرة، وقد “حققت قضية السرقات الأسبقية، ولكن فقدت الاصطلاح المعبر، وارتبطت بالمنطق الأخلاقي”[ii]، وحمل مفهوم السرقات حكم قيمة، في حين بدا مصطلح التناص محايداً.
 
 
وظهر مصطلح التناصّ[iii] بالفرنسية Intertextualitè عند الناقدة البلغارية جوليا كريستيفا Julia Kristeva بين عام 1966 وعام 1969 بعد استقرارها في فرنسة وأخذها بالمشاركة في النشاط النقدي، وتركيزها على دراسة النص، متأثرة بكل الاتجاهات النقدية المعاصرة من بنيوية وتفكيكية وألسنية وسيميائية، بل كانت متأثرة بالماركسية نفسها وبالرياضيات واستخدمت بعض مصطلحاتها، وكانت على وشك استخدام مصطلح الأيديولوجيم Idèologème أو العيِّنة الدالة، فكل علامة تدل على أيديولوجيا قائلها، ولكنها استعملت مصطلح التناصّ، وقد استوحت هذا المصطلح من دراسة باختين Mikhael Bakhtine لأعمال ديستوفسكي Dostoevsky F. عام 1963، وقد عُنِي في تلك الدراسة بمبدأ الحوارية  Dialogisme ، وأبرز تجلياتها عنده تعدد الأصوات Polyphonie ، أي أن يتضمن الملفوظ مستويات لغوية متعددة، كما تأثرت بقوله إن الإنسان كائن اجتماعي وإن ذاته لا تتكون إلا من خلال علاقته مع الآخرين، وفي هذه العلاقة يستعمل اللغة وفق ما تحمل من علاقات من خلال استعمالات الآخرين لها، ولا يستعملها بمعناها البكر الأول، وآدم وحده الذي استخدم اللغة بكراً، خالية من أي ظل من استعمال سابق، فكل كلمة هي علامة marquè  مثقلة باستعمال الآخرين لها، ولذلك أيضاً ليس الأسلوب هو الرجل كما هو شائع وإنما هو المجتمع، وقد خلصت إلى أن كل نص ينبني كفسيفساء Mosïque من الاستشهادات Citations وأنه امتصاص وتحويل Transformationلنص آخر.
 
 
وقد تنبّه إلى مفهوم التناص من قبل عدد غير قليل من النقاد منهم لوتمان Lotman  وفلاديمير شكلوفسكي shklovsky  بالإضافة إلى باختين Mikhael Bakhtine، ولكن كريستيفا هي التي وضعت المصطلح، وحدَّدت معناه، ثم عمل فيه بلوم H. Bloom وشنايدر M. Schneider وبارت  R. Barthes وأريفي Arrive ودريدا J. Derrida وليتش  Leitch ولوران جينيJenny  وريفاتير  M. Riffaterre ثمّ جينيت G. Genette  وكان لكل منهم مصطلحاته، أو كان لكل منهم استعماله الخاصّ للمصطلحات، وهذا ما دفع كريستيفا عام 1974 إلى التخلّي عن المصطلح، إذ رأت أن معظم الذين استعملوه قد أساؤوا فهمه، وتبنّت مصطلحاً جديداً هو التموضع Transposition مؤكّدة أن التناصّ تقاطع تحويلات متبادلة لوحدات منتمية لنصوص مختلفة.
 
 
ويُعَدُّ فهم جيرار جينيت  Gérard Genette للتناص ّالذي قدّمه في كتابه  “أطراس Palmpsestes” عام 1981، الأكثر نضجاً، لأنه نتاج استيعابه للدراسات السابقة وما طرأ عليها من تطور، وهو يقول بخمسة أنواع للتناص[iv]، الأول التناص ّIntertextualité بمعنى الاستشهاد Citation الحرفي المنصّص أو غير المنصّص، والواضح أو الخفي القائم على التلميح L’Allusion، أو تناص السرقة، والثاني النص الموازي Paratexte ويكون بالعنوان أو الإهداء أو التعليقات أو الرسوم والأشكال، والثالث النصية الواصفة Métatextualité والمقصود بها النص الذي يشرح نصاً آخر ويفسِّره، سواء ورد نصه أم لم يرد، والرابع “النصية المتفرعة Hypertextualité” ويعني تفرع نص عن نص آخر، يستمد وجوده منه سواء ذكره أو لم يذكره، مثل الإنيادة وعوليس في اعتمادهما على الأوديسة، والأولى تحكي قصة جديدة بطريقة الأوديسة، والثانية تحكي قصة الأوديسة بطريقة جديدة، وسيعتمد البحث على هذا النوع بصورة أساسية، لأنه الأكثر مناسبة للمسرح، وسيجعله نوعين مستقلين: المتفرع عن قصة مثل عوليس، والمتفرع عن طريقة مثل الإنيادة، وفق فهم جينيت نفسه، والنوع الخامس”النصيّة الجامعة l’Architextualité” عن طريق تسمية العمل وتحديد نوعه، كأن يوصف بأنه رواية أو قصة، ولكن القارئ هو الذي يحدّد نوعه لا التسمية.
 
 
وسيقوم البحث على فهم جينيت، وسيتعرض في أثناء التطبيق لمستويات التناص ّمن اجترار أو امتصاص أو حوار[v]، والاجترار هو تكرار المُتناص ّمن غير إضافة ولا تغيير، والامتصاص هو تفكيك المُتناص ّوإعادة خلقه، والحوار هو إقامة علاقة جديدة مع المتناص ّمختلفة كلياً. وسيشير البحث إلى التناص ّالإرادي والتناص ّاللاإرادي، ولكن يبقى فهم جينيت هو العمدة في الإجراءات التطبيقية في هذا البحث، ولا يعني هذا في شيء التقليد أو الاتباع، إنما يعني الأخذ بخبرة نقدية هي ملك الإنسانية.
 
 
 
 
النوع الأول ـ التناص ّالمتفرع عن قصة:
 
 
جعل جينيت التناص ّالمتفرع Hypertextualité نوعاً واحداً، ثم أشار إلى شكلين، متفرع عن قصة، ومتفرع عن طريقة، وسيدرس البحث كل شكل على حدة، وسيسميه نوعاً، والمقصود بالتناص المتفرع عن قصة أن يستعير الكاتب قصة معروفة من الأساطير أو الدين أو التاريخ أو الأدب أو التراث الشعبي، ثم يقدمها بطريقة جديدة ورؤية جديدة، مثل مسرحية “أوديب الملك” لسوفوكليس المتفرعة عن أسطورة أوديب، وهذا النوع كثير في المسرح العالمي، وفي المسرح العربي. وقد عرفه المسرح العربي منذ نشأته عام 1847على يد مارون النقاش، ومن ذلك مسرحيته “أبو حسن المغفل أو هارون الرشيد” المتفرعة عن حكاية “النائم واليقظان” التي وردت في الليلة الثالثة والخمسين بعد المئة من ليالي ألف ليلة وليلة، وتروي أن أبا حسن كان يتمنى لو أصبح خليفة ليوم واحد ليحقق أمانيه، ويصادف مرور الخليفة بداره، فيسمعه، فيسقيه المنوّم، ويحقّق أمنيّته، فيجد نفسه خليفة، وتختلط عليه الأمور، ثم يعيده الخليفة إلى ما كان عليه. والنقاش يحوِّر في أصل الحكاية، ويدخل فيها الأشعار والرقص والغناء، ومنها المقطع الآتي[vi]:
 
 
– أبو الحسن عرقوب: أنت تقول إن خلافتي هي من أعوام جزيلة، وأنا مفتكر أني كنتُ أبا الحسن من أيام قليلة، أنسيتَ حين كنّا على الدجلةِ مع الدروايش، ومعاطاتي الأفيون وشربَ المُدام والحشيش، فأظنّ ماعدا الغلط والسّهو، أنّ خروجنا من هناك لم يكن إلاّ من نحو…. نحو… يضع يده على جبهته.
 
 
-عرقوب بذاته:
 
 
لم يكن إلا أمس المسا
حينما بنجوك في غفلة
 
 
 
 
أمس يوم الإثنين بعد العشا
مع شرب المدام وقت العشا 
 
 
 
– أبو الحسن عرقوب: نحو… من نحو أربع سنين.
 
 
-عرقوب أبو الحسن: مضبوط، صدقتَ يا أمير المؤمنين.
 
 
والنقاش “لم يلتزم بتلك الحبكة الساذجة التي تضمنتها ألف ليلة وليلة، ولم يتقيد بتلك الحوادث المحدودة التي نسجت منها، بل أفاض في التنويه بحياة أبي الحسن ومشكلاته الشخصية …ورأينا موضوعاً جديداً هو حب أبي الحسن لدعد ومنافسة أخيه له في هذا الحب، كما عدل النقاش في شخصية أبي الحسن تعديلاً أساسياً …فهو عند مارون يتمادى به الحلم، حتى يظن أن الخلافة بالنسبة إليه أمر طبيعي…وقد أحاط هذه الشخصية بإطار وحددها فيه كما شاء أن يرسمها”[vii]. والتناص ّفي المسرحية إرادي، يقوم على الامتصاص، ويسعى إلى إدخال المسرح إلى المجتمع العربي معتمداً على قصة من التراث.
 
 
وعرف المسرح العربي هذا النوع على يدي أحمد أبي خليل القباني، ومن مسرحياته “هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب”، وتتفرع عن حكاية ترويها شهرزاد في الليلة الثانية والخمسين من ليالي ألف ليلة وليلة، وتحكي عن تاجر دمشقي يُدْعَى “غانم” قَدِم إلى بغداد، فرأى رجالاً يحملون تابوتاً يودعونه المقبرة خلسة، ويفتح التابوت، فيجد فيه صبية نائمة، يوقظها ويمضي بها إلى نُزُله، ويراودها عن نفسها ثم يعف عنها حين يعلم أنها جارية الخليفة، ثم تخبره أن زوجة الخليفة قد وضعت لها المنوِّم، وأرسلتها إلى المقبرة لتوهم الخليفة بموتها، ويعلم الخليفة بالمؤامرة، فيرسل جنده، ليأتوا بها، فتقسم له أنها لم تخنه، وينال المرض من غانم، وتصل إليه أمه وأخته، ثم يعثر عليه الخليفة، فيعفو عنه، ويزوجه جاريته، ويتزوج هو أخت غانم.  ولا تختلف مسرحية القباني عن حكاية ألف ليلة وليلة، إلا في حذف بعض التفاصيل، ويظهر الشعر في بعض المشاهد، والنثر فيها مسجوع، والغاية من الشعر والغناء والرقص جذب العامة، ومن الشعر أبيات تنشدها قوت القلوب، وفيها تقول[viii]:
 
 
لفرط الأسى قلبي يذوب وهل يغني
 
 
 
نواحي وصبري زال من شدة الحزن
 
 
ويدعو غانم وهو في الخان الغلمان ليرقصوا ويغنوا، وهم ينشدون[ix]:
 
 
بدري أدر لي كاس الطلى
فالراح لي، مضنًى، حلا
 
 
 
والتناص فيها إرادي لترسيخ المسرح في المجتمع، وهو تناص اجتراري، يقوم على قليل من التحوير والتغيير.
 
 
ويقدم أحمد شوقي في مسرحيته “مجنون ليلى” قصة متفرعة عن أشعار قيس ابن الملوح وأخباره، فيصور حباً عفيفاً، جمع بين قيس وليلى، في مجتمع يحرم على المرأة الزواج ممن يذكرها في شعره، ولكنه لا يعادي الحب، فوالي المدينة يسعى إلى خطبة ليلى لقيس، ووالدها يقرّ بحب قيس لها، ولكنه لا يريد تزويجها منه، خضوعاً منه لأعراف المجتمع، وتختار ليلى ورداً الثقفي كرمى لأبيها، ويقدِّر زوجها حبها لقيس، فلا يمسّها، بل يسمح لها باستضافة قيس، ثم تموت كمداً، ويموت قيس فوق قبرها. والتناص ّامتصاصي حقق فيه شوقي تغييراً في القصة، ومن أبرزه لقاء قيس غلاماً ينشده بيتين له، لم ينشدهما هو نفسه أحداً من قبل، والبيتان لمجنون ليلى وقد دخلا في تناص مع مسرحية شوقي، وهما[x]:
 
 
وأجهشت للتوباد حين رأيته
وأذريت دمع العين لما عرفته
 
 
 
 
وكبر للرحمن حين رآني
ونادى بأعلى صوته فدعاني
 
 
 
ثم يعلم قيس في المسرحية أن الغلام شيطان شعره، وأنه في وادي الجن، والتناص ّالذي قامت عليه المسرحية مع قصة حب المجنون تناصٌّ إرادي قصد إليه شوقي لتمجيد الماضي العربي وإعلاء قيمة الحب.
 
 
ويقيم ممدوح عدوان في مسرحيته “هملت يستيقظ متأخراً” تناصّاً متفرعاً عن القصة في مسرحية “هملت” لشكسبير، فيعالج القصة معالجة جديدة، ويقدم رؤية جديدة تتمثل في وضع هملت في مناخ تظهر فيه أشكال الفساد والخيانة أشد خطورة، فالظرف العام ليس مجرد اغتيال الملك وزواج أخيه من أرملته، فحسب، وإنما هو عدوان النمسا على الدانمرك، واقتطاع جزء من أرضها، وخضوع الدانمرك لإرادة فورتنبراس، وهملت يدرك ذلك كله ولكنه لا يفعل شيئاً سوى شرب الخمرة، والتمثّل ببعض الأقوال من “الإنجيل” لإزعاج الملك، فهملت يدخل على حفل استقبال فورتنبراس ليقول لهم إنهم يشربون دماً لا خمراً، وإن هذا هو العشاء الأخير، ثم يقلب المائدة، ويصفهم بأبناء الملاعين، وينتقده هوراشيو قائلاً: “الجريمة التي حدثت حولك، أكبر من أن تعالجها بهذه الطريقة، نحن نريدك أن تفعل شيئاً” [xi]. وتختلف مسرحية عدوان عن مسرحية شكسبير بالبدء من النهاية، من موت هاملت ورجائه من هوراشيو أن يروي قصته، وبقاء الجميع على قيد الحياة. والملك لا يموت، كما لا يموت صديقا هاملت روزنكراتس وغولدنشترن، ولا تموت الملكة، ولا تملك أوفيليا عدوان عفة أوفيليا شكسبير، فهي تقيم علاقات جنسية مع هاملت، وتسعى إلى الحمل منه، كي يتزوجها، ولا تنتحر، ويبدو بولونيوس أكثر دهاء، فهو يسرق المساعدات للوطن، ويحيك المؤامرات بوضوح، ويظهر في المسرحية شخصية شاب فقير يمثل الشعب، ولكنه لا يفعل شيئاً، وتنتهي المسرحية ولا أثر له، ويقدم روزنكراتس على اعتقال هوراشيو ليسأله عن ذلك الشاب الفقير، ويحظى لورنزو بالاهتمام، فهو مواطن جريء، يساق إلى السجن، ثم يموت تحت التعذيب على يد صديقه روزنكراتس. ويغيب عن المسرحية عرض الفرقة الجوالة عند شكسبير، وتتحدث المسرحية بالمقابل عن مسرحية يُعِدُّها هملت عن قصة شهريار، ولكنها لا تُعْرَض، ويُكْتَفى بالحديث عنها، ويغيب عن المسرحية أيضاً مشهد حفار القبور، ويُستُغْنَى عنه بحديث هاملت عن فتحه قبر أبيه للتأكد من حقيقة الشبح. وتختلف أيضاً بالخطاب المباشر الذي يتوجه به هوراشيو غير مرة إلى الجمهور، وتبدو مسرحية عدوان تقريرية، ومن ذلك قول بولونيوس:”السياسة لا تجري بالمخاوف والأمزجة، للسياسة قوانين، حتى الملك لم يعد يستطيع التراجع، أو تغيير شيء، لقد أفلت الأمر من يده، وأصبحنا نحن النظام” [xii]. لقد أقام عدوان تناصاً حوارياً متفرعاً، فكّك فيه قصة شكسبير وأعاد بناءها، للتعبير بصورة غير مباشرة عن نكسة حزيران 1967، ولكن التعبير جاء بصورة ذهنية، وليس من خلال تجربة، وبدت الشخصيات معبِّرة عن أفكار ولم تملك روحها وحياتها، وبدا التناص مقصوداً لغرض فكري.
 
 
ويقيم سعد الله ونوس في مسرحيته:”الملك هو الملك” تناصّاً متفرعاً عن حكاية “النائم واليقظان”، كما فعل النقاش، فيعالج الحكاية معالجة فنية مختلفة كلياً، فالملك فيها نال منه الغرور، واستبد، وأراد أن يتسلّى، ويلتقي أبا عزة، وهو تاجر أفلس، وأخذ يحلم بتولي الملك، لينتقم من أصحابه التجار، ويلعب الملك معه لعبته، فيصبح ملكاً بمجرد ارتدائه ثوب الملك، ويصبح خادمه عرقوب الوزير، ويأخذ في الاستبداد، فلا يتعرف إلى زوجته التي جاءته تشكو إليه زوجها، ولا يتعرف إلى ابنته، ولكنه يتعرف إلى صديقيه التاجرين الشيخ طه وشهبندر التجار، ويلبي طلباتهما، ويتخذ قرارات أشد عسفاً، وتتذمر ابنته عزة، فيؤكد لها عبيد وجود مجموعة ثورية، ثم يحدثها عن ملك ظالم، أقدم الناس على أكله، فصحَّتْ جسومهم، وراقت لهم الحياة، ويخلع الممثلون ثيابهم، معلنين انتهاء لعبة التنكر، فالمسرحية تقوم على فكرة اللعبة، وتنوع المستويات اللغوية، وتعدد الأشكال الفنية، وهو ما يساعد المتلقي على فهم الغاية من التناصّ، وهي فضح زيف الحاكم الفرد المستبد، والكشف عن لعبة الحكم، ومن الأغاني في المسرحية مقطع يتم فيه تمجيد الحاكم، ومنه[xiii]:
 
 
أنت مولانا الكريم 
فابق يانسل الكرام
 
 
 
 
سدت بالملك العظيم
في نعيم لا يرام
 
 
 
ويقترح الملك تفقد أحوال العامة فيقول له الوزير:”العامة كالضفادع، لا تمل من النقيق، فلماذا تعرض شخصك السامي للاحتكاك بالزنخ والوسخ”[xiv]، ويخشى الوزير ضياع منصبه، فيصرّح:”حين أخلع ردائي أشعر نوعاً من الرخاوة تدب في بدني، تخور ساقاي، أو تصبح الأرض أقل صلابة”[xv]، ويرتدي أبو عزة ثياب الملك فيعلن:”الآن آن القهر للحساد، مادمت سلطان البلاد، أنقش الختم على بياض، فينقضي أمري بلا اعتراض”[xvi]، وقد حقق التناص وظيفته في توصيل فكرة المسرحية، وهو تناص إرادي، قام على الحوار مع أصل القصة الوارد في ألف ليلة وليلة، بما غير فيها وبدّل، وبما أغناها به من تقانات فنية.
 
 
والتناص ّالمتفرع عن القصة كثير في المسرح العربي، ويمكن أن يشار إلى أكثر مسرحيات توفيق الحكيم، ومنها “شهرزاد” و”أهل الكهف” و”بيجماليون” و”أوديب الملك”، وهذا النوع من التناصّ مجرد تقانة محايدة، لا تمنح العمل أي قيمة، وإنما القيمة في التعامل الفني مع القصة.
 
 
 
 
النوع الثاني ـ  التناص ّالمتفرع عن طريقة:
 
 
وفي هذا النوع يستعير الكاتب الطريقة من نص آخر، ليقدم قصة مسرحيته، ومثاله مسرحية “بيجماليون” لبرناردشو، وتصور عالم لغات يعلّم فتاة فقيرة لهجة الطبقة الراقية، ويحبّها، ولكنّه لا يتزوجّها، على نحو ما نحت بيجماليون في الأسطورة تمثال جالاتيا، ومثاله أيضاً مسرحية “الحِدَاد يليق بإلكترا” ليوجين أونيل، وفيها يُقْتَل أزرا على يد زوجته، فتنتقم منها ابنتها لافينيا بالتعاون مع أخيها أورين، على نحو ما قُتِل أجاممنون على يد زوجته كليمنسترا ثم انتقمت منها ابنتها إلكترا بالتعاون مع أخيها أورست في مسرحية إلكترا لسوفوكليس.
 
 
وعرف المسرح العربي هذا النوع منذ نشأته 1847 على يد النقاش في مسرحية “البخيل”، فقصتها من تأليفه وخياله، ولكن طريقتها متفرعة عن الأوبريت، بما ضمّنها من رقص وغناء، ومتفرعة أيضاً عن طريقة “بخيل” موليير. “فالنقاش ألفها بعد قراءته للمسرحية المولييرية واستيعابه لبعض شخصياتها ولمقومات الإضحاك فيها… وصدى بخيل موليير يُسمع أحياناً في جوانب بخيل النقاش، في بعض الحوار، أو في العلاقات التي تربط بين بعض الشخصيات… فالنقاش خلق شخصية أم ريشا، كما خلق موليير من قبل دور الخادم الماكر سجاناريل، لتمثل الذوق السليم بين العامة، ولتمزج الطيبة أحياناً بالمكر”[xvii]، وثمة مشهد يسأل فيه البخيل خادمه عن يديه فيمد له كلتا يديه، ثم يسأله عن يده الأخرى، فيمد قدمه[xviii]، والمشهد قائم على تناص ّمباشر مع موليير، ومن الطبيعي أن يتفرع النقاش في طريقة بناء مسرحياته عن طريقة موليير، وأن يقيم تناصاً إرادياً مباشراً معه، لأنه كان يقلّد المسرح الأوربي.
 
 
وتقوم مسرحية “سليمان الحلبي” لمؤلفها ألفريد فرج على تناص ّبعيد غير مباشر متفرع في الطريقة عن مسرحية هملت، وهي تصور ما ألحقه الجنرال كليبر في مصر من عسف بالشعب، ومعاناة سليمان الحلبي القادم من حلب إلى القاهرة مما يراه من دمار لحق بمدينة الأزهر، وضيقه ذرعاً بصمت الشعب، ثم اتخاذه قراراً بقتل قائد قوات الغزو، وإقدامه على اغتياله، ويمكن الكشف عن التناص ّالمتفرع عن طريقة شكسبير في نقاط كثيرة، منها مشهد الحلم حين يرى سليمان نفسه في حفل لأناس غرباء، ويتقدم من كبيرهم، وهو كليبر، ويحكم عليه بالبكاء، وهو متفرع عن مشهد شبح الأب الذي يخبر هاملت أنه قتل غيلة وعليه الأخذ بثأره، وليس الحلم كالشبح، ولكنْ كلاهما نبوءة، وهما يتعلقان بالعدل والحق، ويلقيان على فرد مسؤولية كبيرة، وهما معاً تقنية مسرحية. وفي مشهد التلّ حيث يقف سليمان الحلبي ويلقي منولوجاً يعلن فيه عن حبه للقاهرة وكرهه لها، ثم يسأل[xix]:”إن كان يتعين على بعضك أن يكون ثمناً لبعضك، فمن النذالة أن تشتري الحياة بالشرف، ولا تشتري الشرف بالحياة، الرحمة؟”، وهو متفرع عن طريقة هاملت في السؤال:”الحياة أم الهلاك؟ تلك هي المشكلة، أيكون العقل أسمى وأنبل إذا احتمل قذائف القضاء الجائر وسهامه؟ أم إذا جرد سلاحه على بحر خضم من الكوارث فيكافحها حتى يقضي عليها؟”[xx]. فهملت يطرح مشكلة الخيار بين الاستسلام والمقاومة، على سبيل السؤال وإثارة المشكلة، وسليمان يقرر أنه من النذالة أن تشتري الحياة بالشرف. وفي مشهد الصديقين وهما يقودان سليمان الحلبي يريدان ترحيله خارج القاهرة، وينجح في الهرب منهما والفرار، فهو متفرع عن مشهد صديقي هملت اللذين رافقاه في السفينة إلى إنكلترة، وهما يحملان من عمه رسالة تتضمن الإيعاز بقتله، واستطاع أن ينجو منهما ويعود إلى الدنمارك. وفي مشهد سليمان وهو يستوقف محروساً بائع الأقنعة، ويأخذ في تجريب الأقنعة، ليكشف عن زيف الوجوه وخداعها، ويدل على خبرته وذكائه ومعرفته بالبشر، فهو متفرع عن مشهد حفار القبور حيث يحمل هملت بيده جمجمة بعد جمجمة ويأخذ في تقليبها ويكشف عن زيف صاحب كل جمجمة وخداعه، ويدل على نضج هملت وخبرته ومعرفته بالناس. ومثل سليمان الحلبي في المسرحية كمثل هملت، فكلاهما شاب مثقف، وكلاهما وقع عليه عبء الثأر، لا من أجل الثأر، ولكن من أجل العدل الإنساني، وكلاهما اضطر إلى القتل، وما كانا يريدانه ولا يفكران فيه، ولكن اضطرتهما إليه ظروف الفساد والخيانة والاستيلاء على السلطة، وهي ظروف متشابهة، إن لم تكن واحدة، فكما خان الأخ أخاه وكما خانت الزوجة زوجها، خان كليبر قيم الثورة الفرنسية، وكما استولى الملك على العرش، ظلم كليبر الشعب ونهب خيراته واستولى على البلاد، فالظلم واحد، والعدل واحد. وقصة حداية وابنته في مسرحية “سليمان الحلبي” تتفرع عن قصة بولونيوس وابنته، فحداية قاطع طريق، يظلم ابنته، فتفرّ منه إلى سليمان، وسليمان يسلّم حداية إلى الفرنسيين، وبولونيوس يظلم ابنته أوفيليا، وهي تلجأ إلى هملت، ولكن هملت يقتل أباها خطأ، وكلتا القصتين ثانويتان، ولكن تتَّحد كل منهما بالعمل، ولا يمكن إسقاطها، وهما تقنية فنية واحدة. لقد اكتسبت مسرحية سليمان الحلبي في تناصها المتفرع عن الطريقة في مسرحية هملت عمقاً فكرياً وفنياً، وحملت بعداً إنسانياً، وهو تناص ّمع مسرحية واحدة، زاد من وحدتها وتماسكها. وهو تناص ّحواري قام على فهم للموقف والتقنية، وقدم تفرعاً عنها غير مباشر، قد ينكره  القارئ العادي ويراه بعيداً أو مجرد تأويل، وهذه هي في الحقيقة طبيعة التناص المتفرع عن طريقة، ويزيد من قيمة هذا النوع من التناص ّعنوان المسرحية البعيد كلياً عن مسرحية هملت، ويزيد من قيمة التناص خلو المسرحية من أي تلميح إلى هملت، وبذلك يبتعد التناص في هذه المسرحية عن المباشرة والاجترار ويحقق مفهوم الحوار.
 
 
وتقوم مسرحية “مأساة بائع الدبس الفقير” لسعد الله ونوس على تناصّ في الطريقة بصورة غير مباشرة أيضاً وبعيدة مع “أوديب الملك” لسوفوكليس، والتناص قائم على التشابه والاختلاف، فبائع الدبس الفقير، واسمه “خضُّور”، يخرج من بيته طلباً لرزق عياله، مثلما خرج أوديب من كورنثة طلباً للحقيقة، وكما طارده قدره فقد طارد المخبر بائع الدبس الفقير، وكان قدره، وكما قاد القدر أوديب إلى الخطيئة، قاد المخبر بائع الدبس الفقير إلى أقبية التعذيب غير مرة، وإذا كان أوديب قد حل لغز أبي الهول، فإن بائع الدبس الفقير قد باح بما في نفسه من نقمة على الأوضاع، ولكن ثمة اختلاف بينهما، وهو الوجه الآخر للتناصّ، فأوديب شاب قوي جريء قتل الملك، وبائع الدبس الفقير عجوز ضعيف لم يقدم على أي فعل، وإذا كان أوديب قد تزوج أرملة الملك فإن بائع الدبس الفقير قد حرم من زوجته، وإذا كان أوديب قد اختار لنفسه عقابه، ففقأ عينيه ونفى نفسه إلى كولون، فإن بائع الدبس الفقير لا يملك أي اختيار، وإنما المخبرون هم الذين يدوسونه بالأقدام، وإذا كان أوديب ملكاً فإن بائع الدبس الفقير مجرد رجل عادي طيب بسيط. والتناصّ إرادي حواري، يصور الفرق بين بطل الأساطير والبطل المعاصر، ويجعل السلطة الجائرة القدر الذي يلاحق إنسان القرن العشرين، وقد أدَّى التناصّ وظيفته بصورة غير مباشرة، بل بصورة بعيدة جداً، ومثل هذا البعد في التناصّ والبعد في التأويل هو الذي يمنح التناصّ جماله والنقد قيمته. ولعل وجود كلمة مأساة في العنوان يؤكد ذلك التناص، كما يؤكده ظهور الجوقة في المسرحية غير مرة وتعليقها على المواقف، ومن هذه التعليقات قولها[xxi]:”نحن الذين كانوا والذين ليسوا الآن”، وهو ما يؤكد تغير مفهوم البطولة، بين بطل أسطوري يتحدى القدر والآلهة، ويختار عقوبته ويقرر مصيره، وبطل معاصر، مثل “خضور”، بائع الدبس الفقير.
 
 
ويقيم رياض عصمت في مسرحيته “الحداد يليق بأنتيغونا” تناصاً متفرعاً مباشرة عن طريقة مسرحية أنتيغون لسوفوكليس، والحداد يليق بإلكترا ليوجين أونيل، وتقدمت الإشارة إليهما، وهي تصوّر الحرب الأهلية وما تجرّ على الناس، وبسبب الحرب يرجع مأمون إلى الوطن قادماً من أوربة وكان فيها للدراسة، فيجد والده الزعيم متورّطاً في تلك الحرب، وقد طرد زوج أخته الكاتب والمفكر من القصر مع ابنته مجد، وأصبح أعمى يتسوّل بموسيقاه، في حين استبقى أولاد أخته نبيل وأنيس وياسمين، ثم يتخلّص من أنيس إذ يطلق حراسه النار عليه، ويُقتل نبيل، فيقرر دفن جثة نبيل وحرمان جثة أنيس من الدفن، لأن الأول كان معه في الحرب، في حين كان الثاني مع خصومه، وينصح له المربّي الأسود ألا يفعل، ولكنه لا يستمع إلى نصيحته، وتحاول مجد دفن جثة أخيها أنيس، وترفض ياسمين مساعدتها، ويأمر الزعيم رجاله بإطلاق النار على ابنة أخته مجد، فتقتل ويقتل إلى جوارها ابنه مأمون الذي كان يحبها، وتنتحر زوجة الزعيم كما تنبأ له المربي الأسود. والمسرحية تقوم على تناص ّإرادي مع مسرحية سوفوكليس، وتحرص على تأكيد التناص ّفي العنوان، والتصريح به في تضاعيف المسرحية، وفي المقاربة في الأصوات بين أسماء معظم الشخصيات في المسرحيتين، فياسمين هي اسمينا والمأمون هو هايمون. وإذا كان الأَخَوَان عند سوفوكليس قد اقتتلا وقتل كل منهما الآخر، فإن حراس الزعيم هم الذين أطلقوا النار على أنيس، وإذا كانت أنتيغونا قد ماتت منتحرة شنقاً وكذلك هايمون، فإن رجال الزعيم هم الذين أرْدَوْا بالرصاص بأمر منه مجد ابنة أخيه وأَرْدَوْا عن غير قصد ابن الزعيم، والزعيم لا يستجيب لنصيحة المربي الأسود، ويبدو مستبداً برأيه وهو المسؤول عن الحرب، في حين يستجيب كريون لنصيحة العراف تريزياس ولكن بعد فوات الأوان. والمسرحية تقيم هذا التناص ّلطرح مقولات أكثر مما تقيمه لتقديم تجربة، ولاسيما باصطناعها الوصيف الذي يقوم بدور الراوية ويصرح بكثير من الأفكار، ويصرح بمثلها بعض الشخصيات، كقول المأمون[xxii]:”لم يعد عصرنا يسمح بأن يحكم شخص واحد”، أو قول الزعيم[xxiii]: “منذ أن استلمت زمام الأمور في المنطقة بدأت أعالج الأمور بحزم، لقد أفسدت الحرية الناس، لا بد لهذه الرعية الجاهلة من راع حازم يسوسها بالسوط”، وتبدو المسرحية تعبيراُ عن الحرب الأهلية في لبنان 1975، وهي تحرص على الوصول إلى المتلقي، بقدر ما تحرص على التناص، وتأكيد حضوره.
 
 
ويقيم وليد إخلاصي في مسرحيته “أوديب:مأساة عصرية” تناصّاً متفرعاً عن مسرحية أوديب الملك، والمسرحية تصوّر توتر العلاقة بين الدكتور سفيان وزوجته أسماء مما يدفعه إلى إقامة علاقة مع سكرتيرته الشابة سُلاف، ثم يلتقيه صديقه الدكتور البهيّ المعجب بالعقل الإلكتروني، ويزوّده الدكتور سفيان بمعلومات عن حياته فيتنبأ له بأنه سيقتل أقرب الناس إليه وستحمل منه ابنته، ثم يفاجأ بسُلاف وهي تخبره بأنها حامل منه، ثم يرى صورة أمها فإذا هي المرأة التي كان يعاشرها أيام الشباب، فيكتشف أن سلاف ابنته، فيعد كأساً للانتحار، ويمضي إلى سلاف ليودِّعها، فيحتسي ابنه يزن الكأس، ويرجع ليرى ابنه جثة هامدة. والتناص ّبين إخلاصي وسوفوكليس إرادي واضح يحرص فيه المؤلف على الإشارة إلى التناص ّمن خلال العنوان وبإشارات مباشرة في المسرحية، ومنها قيام يزن بالتدرب على مسرحية أوديب الملك، وقول البهي صراحة:”مسكين سفيان، هل صنع من نفسه شخصية تشبه أوديب، أم أن أوديب كان فيه وما كان يعلم؟”[xxiv]، وفي التناص ّشيء من الاختلاف، منه النبوءة التي يعلنها العقل الإلكتروني لا العراف، والعلاقة مع الابنة لا مع الأم، وقتل الولد لا الأب، وعدم إيقاع سفيان أي عقوبة بنفسه، وعدم معرفة مصير سلاف ولا الجنين. وقد جاء التناص ّفيما يبدو لطرح بعض القضايا الفكرية منها مشكلة القدر والزمن والعلم وتقدُّم أوربة وتخلُّف العرب، ولم يساعد على تقديم تجربة، وبدا تقريرياً ومباشراً.
 
 
وثمة أشكال من التناص ّالمتفرع عن قصة أو عن طريقة تُبْنى عليه مواقف في المسرحية، ولا تبنى عليه المسرحية كلها، ويمكن تسميته التناص ّالجزئي، وهو كثير، ومن ذلك على سبيل المثال تكلُّم مولودٍ في المهد بالحكمة واقتراح الحلول أمام السلطان في مسرحية “مرافعات الولد الفصيح” لعبد الكريم برشيد، فهو متفرع عن  قصة السيد المسيح عليه السلام الذي كلَّم الناس وهو في المهد، وفيها يخاطب أمه فيقول:”سمعتك تتحدثين عن الناس في بلدي، فقلت لا بد أن أكون مثلهم، فتملّكني الخوف والقلق، وتساءلت: إلى متى ستبقى يا هبة الله مستريحاً في مهدك الخشبي؟ أيجوز أن تنام أنت ويصحو الناس من حولك؟ هل تعلمين يا أمي بأن هذا المهد هو عدوي الأكبر؟ إنه حصن وسجن، يحرّكني حتى أبقى ساكناً، يهدهدني حتى أغفو ولا أصحو، يلاعبني حتى أنسى جرحي، إنه يمنعني من أن أحتج وأصرخ”[xxv]، ومنه موت الملك في مسرحية “بعد أن يموت الملك” للشاعر صلاح عبد الصبور وإبقاء رجال البلاط موته سراً، ليظلوا قائمين بالحكم، وهم يسعون إلى القبض على زوجته ليجبروها على الرقود إلى جوار جثته، وهي متفرعة عن خبر ورد في “رحلة ابن فضلان” عن رؤيته الناس في وسط آسيا يدفنون المرأة على قيد الحياة مع زوجها الميت، وما ورد في رحلات السندباد أيضاً من دفن المرأة على قيد الحياة مع زوجها في بعض البلاد التي حطّ فيها السندباد، وهاهي ذي أصوات المؤرخ والوزير والقاضي في المسرحية متفقة تعلن عن زعمهم برغبة الملك الميت:”كان يقول/ أبغي الملكة جنبي/ هذا ما سمعته أذني/ تلك هي الكلمات/ هو يبغي الملكة كي ترقد جنبه/ حتم عند ئذ أن تأتي الملكة/ نرقدها جنب الملك الميت/ ميتة أم حية”[xxvi]. ومن ذلك أيضاً الصداقة بين الرجل وعازف الناي في مسرحية “تحوّلات عازف الناي”[xxvii] وعيشهما معاً في سفح الجبل حياة نقية قائمة على التأمل والتوحّد ثم نزولهما إلى المدينة واصطدامهما بالفحش فيها والقمع، وعودتهما سريعاً إلى الجبل، وهذا الموقف يقوم على تناص ّمتفرع عن قصة جلجاميش أو عن قصة حيّ بن يقظان وصديقه أسال، وقد عمل جلجاميش مع أنكيدو على محاربة الشر، كما غادر حي بن يقظان جزيرته المعزولة مع صديقه أسال إلى جزيرة أخرى مأهولة، ثم سرعان ما هجرها وعاد إلى جزيرته. ومنه أيضاً في المسرحية نفسها اطمئنانُ الرجل إلى عازف الناي وارتياحه إلى عزفه فهو يتناص ّمع أسطورة أورفيوس[xxviii] وكانت الوحوش تأنس إلى عزفه وتأمن، ويتناص ّأيضاً مع استعمال الشاعر الناي للدفاع عن حبيبته الهاربة من رجال البلاط الذين يريدون لها الرقود إلى جوار جثة الملك الميت، في مسرحية “بعد أن يموت الملك”.
 
 
إن التناص الكلّي مع الطريقة في المسرح العربي قليل، ووكان يميل في بعض أمثلته إلى توضيح التناص والإشارة إليه بصورة ما، حرصاً من الكاتب على الوصول إلى المتلقّي، وهو ما يقلل من قيمة هذا التناص، ويجعله واضحاً، باستثناء التناص في مسرحية “سليمان الحلبي”، ويبدو التناص الجزئي المتفرع عن طريقة كثيراً في المسرح العربي، وهو يغني النص، ويمنحه بعداً إنسانياً.
 
 
 
 
النوع الثالث: التناص ّالاستشهادي المباشر Intertextualité
 
 
والنوع الثالث هو التناص ّالاستشهادي، أي الاسشهاد بنص بصورة واضحة، بالتنصيص أو من غير تنصيص Citation، أو بالتلميح L’Allusion، وفق رأي جينيت، وقد جعله هذا البحث في نوعين، كلي وجزئي، وفي التناص ّالكلي يستشهد الكاتب بالنص كاملاً، أو بجزء كبير منه، لا بمجرد كلمة أو جملة أو عبارة، ومنه مسرحية “سهرة مع أبي خليل قباني”، وفيها يقيم سعد الله ونوس تناصاً استشهادياً مباشراً مع مسرحية “غانم بن أيوب وقوت القلوب” للقباني، فيضعها في إطار من عصر القباني ليصور حياته وجهده لتأسيس مسرح في دمشق، وكفاح العرب للاستقلال عن الحكم التركي، فيعرض مشاهد من مسرحية “غانم بن أيوب وقوت القلوب” في تضاعيف عرضه جوانب من حياة القباني وحياة مجتمعه، فتتداخل فصول مسرحية القباني مع فصول مسرحية ونوس، وتقوم المسرحية على تقسيم خشبة المسرح إلى قسمين، العمق والمقدمة، وفي العمق يمثل القباني مسرحيته التي تنتهي بزواج غانم من قوت القلوب، وزواج الخليفة من أخت غانم، وفي المقدمة يقدم ونوس مسرحيته وفيها يظهر القباني وفرقته وهو يدرّبها على العرض، وتنتهي بإصدار الباب العالي في الآستانة أمراً بإغلاق المسرح. وساعد هذا التناص ّعلى تقديم فهمين للتاريخ، أحدهما للماضي البعيد، يتمثل في تصور الحاكم فاعلاً في الواقع، فالخليفة هو الذي يقرر في النهاية المصير، والفهم الآخر للماضي القريب ويتمثل في تصوير الباب العالي يغلق مسرح القباني في دمشق، وغايته تنبيه الوعي والتحريض، فالتناص ّتقنية ضرورية لتحقيق رؤية المسرحية. ولم يعرض ونوس في مسرحيته فصول مسرحية القباني كاملة، بل اختار منها ما هو ضروري، وقدمها في تداخل مع فصول مسرحيته، ومن الأشعار في مسرحية غانم أبيات ينشدها هارون الرشيد مطلعها:
 
 
هلما إلى قوت وقولا لقبرها 
فيا قبر كيف واريت حسنها 
سأسقيك من عيني بكل دقيقة
 
سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا
وغادرت قلباً هام حتى تصدعا 
مذاب فؤاد بالفراق تقطعا 
 
 
 
ومن الحوار المقطع الآتي، وفيه يعزّي جعفر هرون الرشيد، فيقول[xxx]:
 
 
“جعفر: يا ذا الجلال، ومعدن الجود والأفضال، قلبك أشد من المصائب، وفكرك لا تؤثر في صفائه النوائب، هناك شؤون عاجلة وتدبيرها لا يتم إلا بهمتك العالية، عامل مصر لم يرسل الخزنة، وابن سليمان يرتكب المظالم في البصرة، وأصحاب الحاجات يتزاحمون على باب الديوان، منذ خروجك للصيد والسلوان .
 
 
هارون: قل لمسرور أن يذبحهم جميعاً، عامل مصر، وعامل البصرة، وأصحاب الحاجات وفوقهم جعفر الوزير، فامض من قدامي، واتركني لأحزاني”.
 
 
ويبدو التناص ّفي المسرحية عضوياً، أدى وظيفته، وهو تناص ّإراديّ قصد إليه المؤلف، وكان تناصّاً حواريّاً، إذ فكك ونوس مسرحية القباني، واختار منها، وأعاد تركيبها، ليضعها في إطار العصر والمرحلة التاريخية، كما قدم فهماً لحياة القباني وعصره، ربطه بحركة التحرر العربي من الحكم التركي.
 
 
ويقيم صلاح عبد الصبور في مسرحيته “ليلى والمجنون” تناصّاً استشهاديّا مباشراً مع مسرحية أحمد شوقي”مجنون ليلى”، وهو تناص ّحواري، إذ يفكك مسرحية شوقي، ويختار منها بعض المواقف، ويعيد تركيبها، ويضعها في إطار عصر آخر، ليطرح فكرة مختلفة، فهو يصور مجموعة من الشباب المثقف في مصر في العهد الملكي قبل ثورة عام 1952 إبّان هيمنة إنكلترة، ويعمل هؤلاء الشبان في تحرير صحفية وطنية لا تلقى الانتشار، وهو ما يجعلهم يشعرون باليأس، ويختلفون فيما بينهم، ويقترح مدير التحرير أن يقوموا بتمثيل مسرحية “مجنون ليلى”، لعل الحب يجمع بينهم، وتقوم ليلى بدور ليلى، وسعيد بدور قيس، وحسان بدور ورد زوج ليلى، وينضم إليهم حسام، وقد خرج من السجن حديثاً، ثم يفاجأ حسان بتجسسه عليهم، فهو متعاون مع السلطة، ويمضي إلى شقته ليقتله، فيفاجأ بوجود ليلى عنده، ويطلق عليه النار، ولكنه يهرب فيخطئه، ويلحق به حسان، ويصل سعيد إلى بيت حسام متأخراً، فتعترف له ليلى بأنها منحت جسدها لحسام، ويغمى على سعيد الذي أحبها وهو يمثل معها دور قيس، ويرجع حسام بعد أن يلقى القبض على حسان، فيرى ليلى تحاول إنعاش سعيد فيركله بقدمه، ويضربه سعيد يضربه على رأسه بتمثال صغير، وينتهي به الأمر في السجن مع حسان، ويرقد حسام في المستشفى. إن ليلى التي أحبت قيس حباً عفيفاً وظلت وفية لحبه، وماتت عذراء، عند شوقي، تقابلها ليلى التي تحمل الاسم نفسه، ولكنها كانت على علاقة من قبل مع حسام، وتحب سعيداً الذي يمثل معها دور قيس، ولكنها تخونه، وتمارس العلاقة ثانية مع حسام، وإذا كان ورد عند شوقي قد مثل النبل والفروسية، إذ لم يمس ليلى وسمح لقيس أن يلتقيها، مقدراً حبها لقيس، فحسام كان على علاقة معها قبل أن يسجن، وجدّد صلته بها بعد السجن، ونال من جسدها، وركل سعيداً حبيبها، وهم بإطلاق النار عليه. وإذا كان مجتمع نجْد عند شوقي في العهد الأموي مجتمع حب وطهر، فإن مجتمع القاهرة عند عبد الصبور في عهد هيمنة إنكلترة مجتمع خيانة وفساد وقهر. وإذا كان قيس عند شوقي مندفعاً بحب عميق نحو ليلى، فإن سعيداً عاجز عن حبها، وهو واقع تحت تأثير الماضي، فقد تزوجت أمه بعد موت أبيه من رجل كان يمارس معها الجنس بعنف، وسعيد شاعر رقيق، مثل قيس، وهو يؤمن بأن الخلاص في الكلمة، ولكنه لا يستطع فعل شيء. والأستاذ عند عبد الصبور هو صوته، ويشبه ابن عوف عند شوقي، فقد سعى عند عامر والد ليلى ليقنعه بتزويجها بقيس، وكان ينتصر للحب، ولكنه أخفق، وكذلك كان نظيره الأستاذ، فقد دعا أعضاء المجموعة إلى تمثيل مسرحية “مجنون ليلى” لعلهم يمتلكون الحب من خلال التمثيل فأخفق أيضاً. وهكذا أحدث عبد الصبور تناصّاً استشهادياً واضحاً، وهو تناص ّحواري، فكك من خلاله مسرحية شوقي، ووضعها في إطار العصر، ولم يكن تناصّاً للزينة، بل كان مبرراً، وما هو بعودة إلى الماضي، إنما هو بحث عن الحب بمعناه النقي، الذي هو قيمة إنسانية عليا، هو بحث عن الفروسية والنبل، ولكن لا يمكن للحب أن يعيش في زمن الفساد. ومن ناحية كمية كان التناص ّمع مسرحية شوقي في موضعين فحسب، ولم يتجاوز عدد أبياته اثني عشر بيتاً في الموضع الأول، وستة أبيات في الموضع الثاني، مما يعني أن التناص ّكمياً كان قليلاً، ولم يرهق المسرحية، ولم يكن متكلفاً. فهو يقيم تناصاً استشهادياً عندما يدعو الأستاذ أعضاء الفرقة إلى تمثيل مشهد لقاء ليلى بقيس بعد زواجها لتقول له[xxxi]:
 
 
أحقاً حبيب القلب أنت بجانبي
أبعد تراب المهد من أرض عامر
 
أحلم سرى أم نحن منتبهان
بأرض ثقيف نحن مغتربان
 
 
 
وفي مقطع آخر يتضمن عشرة أبيات يناجي فيها سعيد ليلى بتوجيه من الأستاذ في أثناء التدريب على العرض، ولكن سعيداً لا يجيد إلقاء الأبيات، بل يلقيها بفتور، دلالة منه على عجزه، بسبب القمع والقهر، ومنها قوله[xxxii]:
 
 
تعالي نعش  ياليلى في ظل قفرة  
تتعالي إلى ذكر الصبا وجنونه
فكم قبلة يا ليل في ميعة الصبا 
أخذنا وأعطينا إذ البهم ترتعي
 
من البيد لم تنقل بها قدمان
وأحلام عيش من دَدٍ وأمان
وقبل الهوى ليست بذات معان
وإذ نحن خلف البهم مستتران
 
 
 
وقد اختار عبد الصبور أبياتاً ذات توهج، ليكشف من خلالها عن ضعف سعيد، ويؤكد غياب الحب في عصر يكون فيه القمع والفقر والظلم. إن التناص ّلم يثقل العمل، بل أغناه ومنحه قيمته، ولا يمكن تصوُّر المسرحية من غيره، فمن دونه لا تعني سوى القمع والفساد والخيانة والعهر، وهي مجرد قصة مثل قصص كثيرة، ولكن التناص ّأكد الحاجة إلى الحب، فهو الحل والخلاص، وغيابه أو إخفاقه يعني الهزيمة.
 
 
ويقيم عبد الفتاح قلعه جي تناصاً حرفياً كلياً مباشراً مع التراث الشعبي، في مسرحيته: “عرس حلبي”، فيأتي بمقاطع كاملة من نصوص شعبية، وتدور حوادث المسرحية في حلب أواخر الحكم التركي، وما كان من حرب سفر برلك ثم شنق أحرار الشام، وهي تحكي قصة خطبة ليلى إلى حسن وزواجه منها، وما كان من القبض عليه بسبب عرضه مشهداً في خيال الظل يصور فيه اغتيال السلطان، وسوقه بعد ذلك إلى الحرب، وما كان من جوع، ثم عودته بعد أربع سنين، لتقام الأفراح بانتهاء العهد التركي، وتأكيد صمود المدينة وانتصارها. والمسرحية حافلة بالتناص ّمع أشكال كثيرة من جوانب التراث الشعبي، كالحكواتي وخيال الظل والشدّيّات والمواويل والهناهين والأغنيات والأدوار والرقص والغناء وأفراح الأعراس والمولوية والأذان وحياة المجذوبين والسقائين وأصحاب الطرق، وتستمر المسرحية حتى الختام في التناصّ. وتبدو النصوص على كثرتها وتنوعها ذات وحدة، فهي نصوص التراث الشعبي في بيئة واحدة، ولا تنافر بينها، وهي متعلقة بالحالة والموقف، ومرافقة للحدث والشخصية، ومرتبطة بهما، ومساعدة على تصوير البيئة، ففي ليلة العرس ينشد أحد المنشدين موالاً للعريس يقول في مطلعه[xxxiii]:
 
 
كوكب جمالك على الأقمار تتهنا
ورياح نجمك بأعلى الجو تتهنا
أنت العلى نلتها بالعز تتهنا
يا ماجداً بالملك يا مالكاً المجد
يا بحر طامي على كل الخلايق مجد
ربي يديم الفرح بديار أهل المجد
وريته مبارك وتعيش بخير وتتهنا
 
ويساق حسن إلى حرب سفر برلك فتغني زوجته ليلى[xxxiv]:
 
 
مرمر زماني يا زماني مرمر
 
مرمرتني لا بد ما تتمرمر
 
ويرجع حسن من حرب سفر برلك سالماً فيسمع صوت المنشدين ينشدون[xxxv]:
 
 
يا رب يا عالي
وجبرته آه
وشلون أنام
حتى السمك بالمي
 
شوف عبدك
برضاك شملته
وانت على بالي
يشهد على حالي
 
وهذا التناص مع التراث الشعبي، ووضعه في سياقه الاجتماعي والتاريخي من خلال النص والقصة والحبكة، يكسب المسرحية بعداً شعبياً، ويمنحها القدرة على تحقيق مفهوم التأصيل، بخلق مسرح عربي، ينبع في شكله ومضمونه، في تقاناته وعناصره، من واقع الشعب العربي، ومن تاريخه وعاداته وتقاليده، وهذه إحدى وظائف التناص إذا ما تم تحقيقه بصورة عضوية تجعله ملتحماً ببنية النص بوصفه عنصراً من عناصره لا يمكن الاستغناء عنه.
 
وهذا ما سعى إليه المؤلف، وأكده في مقدمته لمسرحيته مما يدل على أنه صاحب مشروع مسرحي، يرى التجريب فيه ما يزال مفتوحاً، ولا يزعم أنه ثمة صيغة نهائية، مما يدل على وعي مسرحي، وقدرة على فهم معنى التأسيس لمسرح عربي، الذي يعني عملية مستمرة، ورؤى متجددة، فهو يقول في المقدمة[xxxvi]:”ما زلنا نتابع رحلة الخلاص من الغربة المسرحية والبحث عن مسرح عربي أصيل بخطوات عملية تتمثل في إظهار نصوص مسرحية تجلو مشروعاً آخر في المسرح العربي، تتحدد ضوابطه من خلال تحليل وتفكيك بعض النصوص التراثية وألوان من الحياة العربية وإعادة تركيبها بعيداً عن التصورات المسبقة التي تفرضها تقنيات المسرح الأرسطي أو المضاد غير أرسطي، متوخين الوصول إلى تصور غير نهائي لمسرح عربي يساهم في تأسيس نظرية ثقافية عربية معاصرة”.
ومن المسرحيات التي أقامت تناصاً موسّعاً مع التراث الشعبي مسرحية “المخاض” للشاعر ممدوح عدوان، وهي تتحدث عن تمرّد شاهين على الإقطاع في قرية سيغاتا بالساحل السوري بعيد استقلال سورية 1946، وتحكي عن قصة بطولاته، وتصور إعجاب الفلاحين به إعجاباً انفعالياً مؤقتاً، سرعان ما انفضوا عنه، بسبب عسف الدرك وقسوتهم، مما جعله تمرده ينتهي بشنقه، لتصوره تمرداً فردياً، لم يقد إلى ثورة، وتقيم المسرحية أشكالاً كثيرة من التناص ّمع الأغنيات والأهازيج والأمثال والعادات الشعبية، ومن الأغاني التي كان الفلاحون يهزجون بها في أعيادهم مردّدين اسم شاهين المقاطع التالية[xxxvii]:
 
 
بالعرب صارت كونه
لا تضرب إلا الموزر 
يا بو علي يا شاهين 
قتلت كل الدرك 
يا بو علي يا شاهين
لمن هجم ع المخفر
يا بو علي يا شاهين
قتلت كل الدرك 
 
وانزل يا بو الجدايل 
ضرب الخنجر ما يسايل
يا الرابط بالتلاتي
على مفرق سيغاتي
يا بو سيف اللماعي
قاللا لامراته اطلعي
يا الرابط ع الكروسي
ولسه درك طرطوسي
 
وتعتمد المسرحية على التناص مع التراث الشعبي اعتماداً كلياً، وكأنها تسعى إلى توثيق ذلك التراث، حتى يمكن عدها وثيقة تسجيلية، ويبدو التناص فيها إرادياً مقصوداً لذاته، وهي تحقق على الرغم من ذلك وحدة وتماسكاً. وهذا النوع التناص واضح، ويحقق التواصل مع المتلقي من غير تكلف، ويغني النص المسرحي، ويربطه إلى البيئة المحلية، أو الثقافة بصورة عامة، وجدير أن يعنى به المسرحيون.
 
النوع الرابع ـ التناص ّالاستشهادي الجزئي
 
 
يقوم النوع الرابع من التناص ّعلى الاستشهاد بصورة حرفية أو غير حرفية بجملة أو بيت من الشعر أو آية قرآنية، أو يكون بالتمليح، وهو كثير جداً، ويتعلق بالبنية اللغوية، في الكلمة والجملة والعبارة، ولا يتعلق بالبنية الكلية المسرحية، وقد حظي هذا النوع بكثير من الدراسات في الشعر، وهو المجال المناسب للتوسع في درسه، ومن الممكن الإشارة السريعة إلى بعض أمثلته في المسرح، من غير توسع، ومنها أقوال كثيرة يلقيها هملت عدوان وهو يدخل على عمه وضيفه فورتنبراس، في مسرحية “هملت يستيقظ متأخراً”، ومنها:”جعلتم بيت أبي مغارة للصوص يا أبناء الأفاعي، حولتم بيت أبي إلى مغارة للصوص والتجار والخونة والأعداء، حولتم بيت أبي إلى وكر للدعارة والتجارة والخيانة…. لقد جئت لألقي على الأرض ناراً ..” [xxxviii] وهو تناص ّمباشر مع مواقف عدة للسيد المسيح عليه السلام، فقد ورد في إنجيل متى[xxxix]:” «وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ اللهِ وَأَخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ، وَقَالَ لَهُمْ:«مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!» وجاء فيه أيضاً[xl]«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ، مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا». ومنه أيضاً قول الرجل في مسرحية “تحولات عازف الناي”[xli]:” أنا لا أعبد الشمس، ولا أعبد شخصاً، كما يفعل كثيرون، أنا أعبد خالق الأشياء والأشخاص والسماء والشمس، ولكن الشمس تأسرني في كل شروق وغروب، والشروق يأسرني أكثر”، وهذا القول يتناص ّمباشرة مع قول المولى عز وجل في القرآن الكريم[xlii]:”وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ”.
 
وقد يكون التناص ّبالتلميح، ومنه قول حسان في مسرحية “ليلى والمجنون”: “أعرف معنى وجْد امرأة هرمه/ تنتظر بقلب ذائب/ أن يرتفع الدلو بعائلها من بئر السلطة، أو أن يتثاءب باب السجن عن الولد الغائب”[xliii]، فهو تناص ّمع قصة يوسف الصديق عليه السلام إذ رماه إخوته في البئر، وقد دخل التناص في هذا المثال في بنية الصورة الفنية، ولذلك فهو جدير أن يدرس في باب الشعر.
 
 
ومثل هذا النوع من التناص ّكثير في الأدب بصورة عامة، ولا سيما الشعر، وقد يكون إراديّاً أو غير إرادي، وقد يكون متلاحماً مع الموقف والشخصية، وقد يكون لمجرد الزينة.
 
النوع الخامس ـ التناص ّالموازي Paratexte
 
 
والتناص ّالموازي هو التناص ّمع العنوان أوالتعليقات أو الشروح، ومن التناص ّمع العنوان:”الحِدَاد يليق بأنتيغونا”، فهو  يتناص ّمع”أنتيغونا” لسوفوكليس، ومع “الحداد يليق بإلكترا” ليوجين أونيل، و”أوديب مأساة عصرية”، يتناص ّمع”أوديب الملك” لسوفوكليس، و”تحولات عازف الناي” يتناص ّمع “كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل” لأدونيس، و”العشاق لا يفشلون” لفرحان بلبل يتناص ّمع “خاب سعي العشاق” لشكسبير، و”يا طالع الشجرة” للحكيم، يتناص ّمع مطلع أغنية شعبية، والأمثلة عليه كثيرة.
 
 
وليس التناص ّمع العنوان حلية أو زينة، ولا تلاعباً بالألفاظ، فهو مثلاً عند شوقي “مجنون ليلى”، ويعنى أن “قيس” مضاف إلى “ليلى”، فهو جزء منها وهي جزء منه، وكل منهما ملتصق بالآخر ولا ينفصل عنه، فهو منسوب إليها، وكأنها هي الكل وهو الجزء، وهكذا كانا في المسرحية، وهكذا كانا في حبهما في قصة مجنون ليلى، في حين كان العنوان: “ليلى والمجنون” عند صلاح عبد الصبور، وقد فصلت بينهما الواو، فليس بينهما اتصال، وإنما علاقة ما، ليست علاقة اللصوق والاتصال، وإنما هي علاقة التبعية والعطف، وكذلك كانت العلاقة بين ليلى وسعيد في المسرحية، وكان سعيد عاجزاً عن حب ليلى والاتصال بها، وقد فصل بينهما حسام، وفصل بينهما الفساد، وهذا هو واقع العلاقة بصورة عامة بين الرجل والمرأة كما أراد أن يصوره صلاح عبد الصبور في مصر إبان عهد الاحتلال الإنكليزي، أو ربما في عهود تالية، وبذلك يبدو التناص ّفي العنوان ذا قيمة، إذا أُحْسِنَ توظيفه.
وقد وضع معظم الكتاب المسرحيين مقدمات لمسرحياتهم، أوتعليقات، عبّروا فيها عن رؤيتهم للمسرح، فقد وضع عبد الصبور تذييلاً لمسرحيته “مأساة الحلاج”[xliv] عرف فيه بحياة الحلاج وتحدث عن تأثره بمقالة لماسينيون عن الحلاج، وركز على البعد الاجتماعي في حياة الحلاج، وتحدث عن التفعيلات التي كتب بها المسرحية، وأكد أن المسرح بدأ شعرياً وسيعود شعرياً، وكتب تذييلاً طويلاً على مسرحيته”مسافر ليل”[xlv] تحدث فيه عن رغبته في إخراجها بأسلوب هزلي ليجعل المتفرج يضحك وهو يرى المواقف المأسوية، وهو لا يريد تقديم شخصيات وإنما مجرد نماذج بشرية، ثم يتحدث عن التفعيلة التي اختارها للمسرحية، وعن الفرق بين المسرح والشعر، ويتحدث عن المسرحية الشعرية وكبار كتابها، ويدل التذييلان على حرص الشاعر على الوصول إلى المتلقي، ووعيه لطبيعة عمله وإدراكه لدوره في الكتابة للمسرح، ورغبته في تطوير المسرحية الشعرية. ووضع سعد الله ونوس مقدمات لمعظم مسرحياته يوضح فيها وجهة نظره في موضوع المسرحية وفي مفهوم المسرح وفي الإخراج، ومنه المقدمة لمسرحيته:”سهرة مع أبي خليل القباني”، ويقول في ختام هذه المقدمة[xlvi]: “هناك إمكانيات عديدة لتقديم فصل الولاة في هذه المسرحية، والأسلوب الذي اتبعته في خروج الممثل ودخوله ليس إلا اقتراحاً أولياً، والتقيد به غير ضوروي”. ووضع عز الدين المدني مقدمة طويلة لمسرحيته “الزنج” وفيها يحتج بأنه يريد تقديم مسرح عربي جديد، يسميه الديوان المسرحي، وهو يريده كما يصرح [xlvii]”أن يكون حفلة فنية جماهيرية بما في كلمة حفلة من دلالات شتى، في اللغة وهي التجمع والاحتشاد، في الناس وهي الإمتاع الذي يوقظ الحواس….إن الزنج ليست مسرحية فقط، بل هي تضافر بين المسرح والموسيقى، وتناصر بين التمثيل والنحت، وتيامن بين المنظور والمسموع والمنطوق”. وتبدو بعض تلك المقدمات فضلة ولا قيمة لها، ولعل مرجعها إلى حرص الكاتب على الوصول إلى المتلقي.
 
النوع السادس ـ النصية الواصفة: Métatextualité
 
 
وهي الشروح والتعليقات على النص[xlviii]، وتتمثل في توجيهات الإخراج ووصف الأثاث والأزياء والمناظر، خارج الحوار، وهذا النوع كثير في المسرح، ومنه توضيحات طويلة وكثيرة يقدمها علي عقلة عرسان في “تحولات عازف الناي” يصف فيها المشهد بلغة شعرية، ومنها[xlix]:”الرجل على مقربة من الماء، شاحب الوجه، يتدثر بجلد الخروف، جسمه يرتعش، وهو في شبه غياب عما حوله، وعلى مقربة منه خنجر ملقى، وطعام كأنما وضع حديثاً، ولكن أحداً لم يمسه، والسكون يخيم على المكان، صوت عصافير يترامى من بعيد ونسمة تحرك بعض الأوراق، وترسل حفيفاً خفيفاً، الوقت مساء، والظلال تتراخى مديدة، صوت يتلاشى مع الحفيف ثم يتمايز عنه، فيه شيء انسياب أفعواني فوق أوراق وخلايا جافة، ويرافق ظهوره تكوين في فضاء المكان ترسمه الألوان، ولا يراه الرجل، في حين يراه المشاهد”، وقد كثرت في المسرحية مثل هذه المقاطع الوصفية وطالت، وتحولت إلى ما يشبه السيناريو، وكأن الكاتب يتزجه إلى قارئ للنص المسرحي، ويتوقع ألا يتاح لنصه العرض.
 
 
وتتمثل التناصية الواصفة أيضاً في تعليقات الممثلين على النص المسرحي نفسه، أو تعليقات جمهور النظارة، وتَدَخُّلِهم في أثناء العرض، ومنه تعليقات روّاد المقهى في مسرحية “مغامرة رأس المملوك جابر” على سرد الحكواتي وضجرهم منه ومطالبتهم إياه بأن يحكي لهم عن الانتصارات، وإعجابهم بذكاء المملوك جابر واستنكارهم قطع رأسه، كقول أحدهم:”ما هذه الحكاية؟ يأتي الواحد هنا ليفرّج كربه، ويسرّي عن نفسه، لا ليكتئب ويحزن، إذا لم تبدأ سيرة الظاهر غداً فلن أسهر بعد الآن في هذا المقهى”[l]، وقد تحقّق هذا من خلال فكرة المسرح داخل المسرح، ويريد ونوس منه تقديم مستوى متخلِّف من الوعي يتمثل في رواد المقهى، ليحقق مستوى ناضجاً من الوعي لدى جمهور المتلقين.
 
 
كما تتمثل التناصية الواصفة أيضاً في تعليقات الراوي في المسرح الحديث، وذلك بقطع العرض، وتدخله المباشر، ليخاطب الجمهور، معلقاً على الحدث، أو ملخصاً لحوادث جرت، كي يوقظ الجمهور، وينبهه، ويقطع عليه الاستغراق في العرض والاندماج به، ويحقق مفهوم التغريب، وكسر الجدار الرابع، وليحقق الهدف التعليمي من المسرحية، وهو ما لجأ إليه ونوس في مسرحية “سهرة مع أبي خليل القباني”، ولاسيما في مشهد الولاة، وفيه يكثر القطع وتدخل المنادي، ومنه توجهه إلى الجمهور بقوله
 
:”انتبهوا يا سادة يا كرام، فحكاية الولاة تهمُّكم في كل عصر وأوان”، وهنا تتحقق أعلى درجات كسر الإيهام وتأكيد مفهوم المسرح التحريضي، وهو ما قصد إليه ونوس من التناص، مما يعني أن التناص كان عضوياً أدى وظيفته.
 
ولجأ إلى التناصية الواصفة ممدوح عدوان في “هملت يستيقظ متأخراً”، ليحدث التغريب ويحقق مفهوم المسرح التحريضي، ومنه وقوف هوراشيو في مقدمة المسرح وبمواجهة الجمهور في نهاية المشهد الافتتاحي بعد مقتل هملت ليقدم منولوجاً طويلاً يعلّق فيه على مقتل هملت، ومنه قوله[lii]:”إن كانوا فعلوا هذا بالعود الرطب، فماذا يكون أمر العيدان اليابسة، أعدموا هملت، شنقوه، قتلوه في مبارزة مغشوشة، أو على مقصلة، خنقوه في الأقبية، أو ذوّبوه بالأسيد، إن كانوا فعلوا هذا بالعود الرطب، فماذا يكون أمر العيدان اليابسة؟”، ويسترسل في منولوج طويل، ومما لاشك فيه أن غايته التحريض، وكسر الإيهام، وتحقيق التواصل المباشر مع الجمهور، ولكن الحوار يشرح الواضح، وغلب فيه الهدف الفكري على الوسيلة الفنية، وبدا التناص الواصف في المسرحية مباشراً ولا يخلو من نشوز. وبذلك يبدو التناص الواصف تقنية فنية حساسة ليس من السهل التعامل معها، وإن كانت مغرية، ولاسيما في المسرح الحديث.
 
القيمة الفنية للتناصّ:
 
 
ويبدو التناص ّبأنواعه المختلفة واحداً، فقد تتحقق في النص الواحد عدة أنواع من التناصّ، مما يؤكد أن التناص ّواحد، وما التقسيم إلى أنواع إلا للدرس، ومما يؤكد أيضاً أن التناص ّظاهرة أدبية، لا يمكن إغفالها، ولا بد من درسها. ويربط التناص ّالنص الأدبي بآفاق مختلفة، محلية، إن كان مع التراث الشعبي، وعربية إن كان مع الأدب العربي، وعالمية إن كان مع الآداب العالمية، أو الأساطير الإنسانية، ويساعد على تأصيل المسرح، وربطه بالمجتمع، كما يعطي النص الأدبي عمقاً ثقافياً وفنياً، ويغني خبرة المتلقي، ويستثير لديه قيماً معرفية وفنية، تنعكس على النص، فيتلقاه بعمق وبأفق واسعين، ويساعده على التفاعل معه، هذا كله بشرط أن تكون المواد الداخلة في النص من نص آخر، وهي المُتَناصّ، جزءاً لا يتجزأ من النص، متلاحماً مع سائر عناصره ومتحداً بها، ولا يمكن فصله عن النص، ومن غيره تختل وظيفته النص وتتغير بنيته، وهو شرط لا يحكمه كم ولا نوع ولا شكل، إنما يحكمه الفن.
 
 
وتفتح دراسة التناص ّأو التناصّيّة intertextuality أمام المتلقي أفقاً واسعاً للقراءة والتأويل، وتستثير قواه المعرفية وحساسيته الفنية، فيستدعي ما يشاء من نصوص يجد بينها وبين النص علاقة ما، هي علاقة القراءة والتذوق والتعمق، لا علاقة التأثر والتأثير، ولا علاقة السرقة، وبذلك تصبح القراءة حرة، تتعامل مع النص وتربطه بما تشاء من نصوص سابقة أو معاصرة، ويرى بعض النقاد أنه من الممكن أن يقيم القارئ تناصاً مع نصوص لاحقة على النص، مما يعني أن التناص هو فعل قراءة في المقام الأول، وليس المقصود بالنص النص المسرحي أو النص المطبوع فحسب، بل المقصود أي شكل من أشكال الخطاب discourse ، ولذلك يبدو التناص ّأفق حرية للكاتب والمتلقي، ولكن لا بد من التأكيد أن قيمته ليست فيه، وإنما في حسن توظيفه، كتابة ونقداً.
 
 
ولذلك لا بد من وجود ظواهر سلبية في التناصّ، ومنها التراكم، على نحو ما جاء في مسرحية: “ديوان الزنج” لعز الدين المدني، إذ أورد في موضع واحد ثلاث صفحات ونصف الصفحة عن خبر الزنج منقولة عن الطبري،[liii] ثم أورد قصيدتين مشهورتين لأبي العتاهية عن الفقر والغلاء في بغداد وأتبعها بثلاث قصائد تصور اجتياح الزنج لبغداد، لابن الرومي وأبي العلاء المعري ويحيى بن خالد[liv]، ويحتج المؤلف في مقدمة المسرحية بأنه يسعى إلى تقديم مسرح عربي جديد يريده “أن يكون حفلة فنية جماهيرية قوامها الاستطراد”[lv]، وقد يقوم التناص ّعلى ثقافة غربية غير منسجمة مع البناء العام للمسرحية ولا مع رؤيتها، ومنه التناص ّمع إليوت في مسرحية “ليلى والمجنون”، حيث تمر نسوة أمام سعيد فيعلق قائلاً:”النسوة يرحن يجئن، يذكرن مايكل أنجلو”[lvi]، ثم يقوم بشرح التعليق، وهو تناص ّصريح لا يتناسب مع جو المسرحية الذي هو الثقافة العربية، وقد يكون في التناص ّشيء من النشوز وعدم الانسجام، ومنه التناص ّفي مسرحية “هملت يستيقظ متأخراً”، مع مثل يقول:” الغنمة إذا وقعت كثرت سكاكينها”[lvii]، والمثل شعبي عربي لا ينسجم وقصة هملت، وهي قصة أوربية، ولعل الكاتب أراد ربط المسرحية بالواقع، وتقريبها من المتلقين. ومن سلبيات التناص ّالافتعال وهو ما يظهر في مسرحية “رفاعة الطهطاوي أو بشير التقدم” لمؤلفها نعمان عاشور، حين يطلب رفاعة من ولده أن يقرأ عليه بعض أقوال كان قد دوّنها رفاعة نفسه من قبل، فيأخذ علي فهمي في قراءة بضعة أسطر، منها[lviii]: “التربية هي فن تنمية الأعضاء الحسية والعقلية، وطريقة تهذيب النوع البشري ذكراً كان أو أنثى، وهي تتم على طبق أصول معلومة بالنسبة للأفراد….وحسن التربية مقصدها النهوض بالهيئة الاجتماعية لأنها مكونة من هؤلاء الأفراد…فالأمة التي حسنت تربية بنيها هي الأمة السعيدة التي يرقى بها الوطن ويتبوأ مكانته السامية…”، ويتخلل هذا التناص تعليقات بكلمة أو كلمتين من رفاعة يعلق فيها على كلامه هو نفسه الذي يقرؤه عليه ولده. ويشبهها أيضاً في الافتعال والحشو مشهد آخر في الفصل الثالث يظهر فيه بعض تلامذة رفاعة، وفيهم فرغلي وأبو السعود وصالح مجدي، وهم في غرفة في المدرسة، ويخبرهم أبو السعود أن رفاعة قد كلفه بإعداد دراسة عن تعليم البنات، ولكنه لم يتمكن من إنجازها، ويجيبه صالح مجدي بأن الدراسة جاهزة، وما عليه إلا أن ينقل من كتاب رفاعة نفسه، ثم يأخذ أحدهم في قراءة مواضع من أحد كتبه تبلغ نحو الصفحتين، [lix] ومن السلبيات أخيراً الغرابة وصعوبة التوصيل، ومن أمثلته مسرحية “هملت يستيقظ متأخّراً”، فجوّها أوربّي، وأسماء الشخصيات أعجميّة، وسيحسبها المتلقي مترجمة أو مقتبسة أو معدّة. ولعلّ في هذا ما يؤكّد أن القيمة ليست في التناص ّأياً كان شكله، إنما في توظيفه وحسن التعامل معه.
 
 
إن قيمة التناص تكمن في قدرته على أداء وظيفته، وتلاحمه مع النص، وارتباطه بسائر عناصره ارتباطاً عضوياً، أي أن يكون نفسه عنصراً مكوناً من عناصر النص، فلا يبدو ناتئاً كأنه حلية أو زينة لغوية، أو شاهداً داعماً للفكرة أو استطراداً أو حشواً، ويؤكد ذلك كله مثل من مسرحية “مجنون ليلى” وفيها يظهر مغن عجوز ضرير ليغني مقطعاً من أغنية شعبية في مقهى شعبي حيث يلتقي سعيد وزياد وحسام، يقول فيها المغني[lx]:
 
 
والله إن سعدني زماني لاسكنك يا مصر
وابني لي فيكي جنينة فوق الجنينة قصر
واجيب منادي ينادي كل يوم العصر
دي مصر جنة هنية للي يسكنها
واللي بنى مصر كان في الأصل حلواني
ياليلي ياعيني
 
 
 
والأغنية لا تنسجم مع المسرحية في شيء، فهي بالعامية، والمسرحية بالفصيحة، ومستواها الشعري لا يتفق والمستوى الشعري للمسرحية، وهي في غنائيتها لا تتفق والتوتر المسرحي، بل تكسر من حدة الصراع، ويؤكد نشوزها وعدم تلاحمها مع عناصر المسرحية أن المغني العجوز نفسه لا يفعل شيئاً ولا يغير في المواقف ولادور له، ويمكن الاستغناء عنه كما يمكن الاستغناء عن أغنيته، ولطالما اخذ النقاد من قبل على مسرح أحمد شوقي المقاطع الغنائية الطويلة، ويبدو أن المسرح الشعري لم يستطع التخلي عن الغنائية.
 
 
إن التناص طاقة إبداعية تغني النص، وتمنحه أبعاداً محلية أو تراثية أو إنسانية، وتوسع من آفاقه، وتكسبه القدرة على التواصل مع المتلقي، والتأثير فيه، فهي تستثير قواه المعرفية وقدراته الفنية، ولكن هذا كله ليس من غاية التناص الأساسية، إنما غايته الأساسية أن يكون اللغة المكونة للنص والعنصر المكون مثله مثل عناصره الأخرى المكونة وإلا كان مجرد حلية.
 
 
ودراسة التناص أو التناصية intertextuality هي الأخرى وفي الوقت نفسه طاقة إبداعية لدى المتلقي، وهو يستطيع من خلالها الكشف عن أغوار النص وارتباطه بما قرأه وثقفه سواء من نصوص سابقة على النص أو معاصرة له أو حتى لاحقة له، لأن التناصية ممارسة نقدية حرة، هي إجراء ثقافي، يضفي على النص ظلالاً أو يكشف عن خفايا في بواطنه، سواء أكانت موجودة حقيقة فيه أو غير موجودة، هي تأملات ثقافية في النص، أو استطرادات، مما يعني أن النص مفتوح على قراءات لا حدود لها.
 
 
خاتمة
 
 
وبعد، فقد كانت الغاية من هذا البحث اختبار منهج محدد، وهو التناصّ، وفق فهم جينيت، وتم تطبيقه على بضع مسرحيات، مع تعديلات بسيطة في التقسيم فقط، مع الاعتقاد بوحدة التناصّ، والعمل وفق فهم جينيت لا يعني التقليد، بل يعني الأخذ بخبرة ثقافية ناضجة متكاملة، وهي ملك الإنسانية، وهي نتاج جهود كثيرة متطورة في درس التناصّ، وليست جهداً فردياً، وقد تبين أن فهم جينيت للتناص فهم عملي مفيد، وهو الأكثر مناسبة للنقد المسرحي.
 
 
ولتأكيد شرعية اعتماد البحث على فهم جيرار جينيت، وتوضيح نضج فهمه للظاهره واعتداله في درسها، يمكن الإشارة إلى تطرف بلوم H. Bloom ومغالاته في فهم التناص وتفسيره له بعقدة أوديب، إذ يرى أن الأديب، ولاسيما الشاعر، يعاني من سيطرة الأسلاف، ويحس بما يسميه قلق التأثير Anxiety influence، ولذلك يعمد الشاعر إلى تشويه نصوص الشعراء السابقين، بإقامة تناص معهم، يسطو فيه على شعرهم، وكأنه يقتلهم، ليحقق ذاته[lxi].
 
وفي الواقع يستطيع درس التناص أن يكشف عن أغوار العمل المسرحي، ويمنحه قيمة معرفية وجمالية، ويضع بين يدي الكاتب المسرحي اتجاهات جديدة في التأليف المسرحي، كما يضع بين يدي المتلقي طريقة جديدة للتعامل مع الأدب تتسم بالانفتاح الثقافي وحرية القراءة، إذ يتيح للمتلقي حرية الفهم والتأويل، ويساعده على سبر أغوار النص، مستعيناً بما يملك من ثقافة، وكلما كانت ثقافة المتلقي أوسع كانت ممارسته للتناصية أقوى. وقد يلتقي هذا المنهج مع الأدب المقارن، ولكنه يختلف عنه، في أنه يركز على الوسيلة لا الغاية، فليست غايته إثبات التأثر أو التأثير، إنما غايته البحث عن امتدادات فكرية وجمالية للنص في نصوص أخرى.
 
وإذا كان التناصّ في الأصل ظاهرة أدبية وتقانة فإن دراسة التناص أو التناصية  intertextuality  قد غدت منهجاً نقدياً، ومن الضروري إطلاق هذا المنهج في البحوث الجامعية، والأخذ به، وتطبيقه في مجال الرواية والمسرح، بالإضافة إلى ما حظي به من تطبيق في مجال الشعر.
 
ومن الممكن فتح آفاق أخرى أوسع وأغنى في درس التناصّ، كدرس مصادره، من أسطورة ودين وتاريخ وأدب وتراث شعبي، ودرس مصادره العربية ومصادره الأجنبية، ودرس الدوافع إلى التناصّ، من تقليد القدماء، أو الثورة عليهم، وفق رأي بلوم  H. Bloom، أو قد يكون الدافع التستّر وراء التناص للتعبير عن موضوعات وقضايا يصعب التعبير عنها مباشرة لأسباب مختلفة سياسية أو دينية أو اجتماعية أو فنية، أو استسهال التأليف والتسريع به، ودرس وظائف التناصّ كالمساعدة على التوصيل وإغناء العمل بقيم ومفاهيم وأبعاد أدبية وتاريخية وتراثية ومحلية وإنسانية، ويمكن التوسع في درس سلبيات التناص، وأنواعه، غير ما قال به جينيت، كالتناص بالترجمة أو التعريب أو التلخيص أو تبسيط النص وتقريبه من القراء كتبسيط رسالة الغفران أو تحويل النص من نوع إلى نوع آخر، كتحويل القصة إلى مسرحية أو المسرحية إلى رواية أو تحويل عمل أدبي لغوي إلى شريط سينمائي أو تلفزيوني أو لوحة فنية أو بالعكس.
 
إن مفهوم التناصّ قابل للتوسيع والإغناء والتطوير، ومما لا شك فيه أنه أوسع من مفهوم السرقات الأدبية.

——————————————————————————————
المصدر :مجلة الفنون المسرحية -د. أحمد زياد محبك-  الجزائر –  المجلة الثقافية

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.