المسرح في فكر الأديب ميخائيل نعيمة حوار صحفي 1 – زاهي رستم

المسرح في فكر الأديب ميخائيل نعيمة

حوار صحفي[1]

زاهي رستم

شجون وآمال مسرحية وتساؤلات طرحناها على مفكر وفيلسوف كبير، كانت له تجارب في ثقافات متعددة، منها الثقافة العربية والروسية والأمريكية، فشاطرنا  أفكاره وأحلامه وعرفنا الداء وقدم لنا الدواء. وكان في حوارنا هذا محاور عدة أهمها التساؤلات التالية: ما هي مكانة المسرح قبل ما يزيد عن خمسين عاماً؟ وما هي همومه ومشكلاته؟ وهل وجدت حلول لهذه المشكلات في زماننا؟ وما هي أهم النصائح في ذلك الوقت للممثلين حتى يتقنوا فنهم غاية الإتقان؟ وما هي النصائح لكتّاب المسرحية؟ وللممسرحين [الذين يحولون القصص والروايات إلى مسرحيات]؟

 لإلقاء الضوء على ذلك الزمن القريب، آثرنا محاورة أحد أهم الكتاب المسرحيين في ذلك الزمن. وما يغني مقالتنا هو أن من حاورناه ليس فقط كاتباً مسرحياً، بل هو فيلسوف وأديب مارس كل صنوف الأدب من شعر وقصة ورواية ومسرحية. إنه الأديب ميخائيل نعيمة، أحد مؤسسي الرابطة القلمية في المهجر، وصاحب “مرداد” و”سبعون” و” مذكرات الأرقش”، والعديد من المسرحيات التي سنذكر بعضها في مقالنا هذا.

هذا المقال ليس خيالاً بالكامل، بل هو ما جمعته من لقاءاته وأحاديثه الصحفية ومؤلفاته. جمعتها من مجلدات أعماله الكاملة التسعة، وخاصة المجلد الأخير الذي يحوي مجموع أحاديثه الصحفية. وإن كنت قد اضفت بعض العبارة على بعض ما ورد (وسوف أشير لما أضفته هنا داخل قوسين متوسطين […])، ليبقى العمل بشكل حوار صحفي.

بعد قراءة المقال، يأتي دورك أيها القارئ  (فستكون أنت الحكم هنا) للمقارنة بين زماننا وزمن هذا الحوار، ومعرفة ما تحقق في مجال المسرح من تطور، كان ناسك الشخروب[2] يتوق إليه وعمل من أجله.

مقدمة[3]:

للفن المسرحي مكانته في البلدان التي يتطور فيها الأدب. وعندنا، ورغم تبلور التيارات الأدبية والفكرية، ما برح هذا الفن هزيلاً يفتقر إلى المعونات المادية والتشجيع لينضج فينتشر. وما زال كتابه الموهوبون بعيدين عن أجوائه.

على أن ميخائيل نعيمة شذّ. لقد أصدر في الأسبوع الماضي مسرحية بعنوان “أيوب” استوحى موضوعها من سفر أيوب. ولناسك الشخروب مسرحية بعنوان “الآباء والبنون” أصدرها عام ١٩١٧. وقد مثلت مراراً فوق المسارح اللبنانية. وظل النعيمة خمسين عاماً منقطعاً عن كتابة المسرحية إلى أن أصدر “أيوب”[4].

وفي هذا الحديث يفتح صاحب المسرحية الجديدة أوراقه. فيلقي ضوءاً على حياة المسرح ويتحدث عن الممثلين الطالعين [الوجوه الجديدة]، ويحث الدولة على مساعدة المسرح حتى لا يغلق أبوابه…

 

[بدايةً، ما هو المسرح في نظر ميخائيل نعيمة؟]

للمسرح في نظري قيمة لا تعادلها قيمة أي من الفنون الأخرى. فعلى المسرح تجتمع جميع الفنون وتشترك حواس الإنسان جميعاً. فتأثيره في الناظر أكثر من تأثير الكلمة المطبوعة في القارئ. فإذا أنا افتتحت حياتي الأدبية بمسرحية فمرد ذلك إلى هذا التقدير العالي الذي أكنه للمسرح. إلا أنني حينما كتبت “الآباء والبنون” منذ خمسين سنة لم أكن أجهل أن المسرح العربي يعاني من صعوبات كثيرة. وفي طليعة تلك الصعوبات ازدواجية اللغة، ثم فقدان الممثلين، ثم الحالة الإجتماعية التي كانت تستنكف أن ترى امرأة تظهر على المسرح، وتستنكف أن يتصدى لها كاتب المسرحية لشؤون كثيرة كالسياسة والدين ناهيك بفقدان التنظيم المسرحي. أما اليوم وقد تخطينا الكثير من تللك العقبات، وباتت لدينا نواة مباركة للمسرح فقد عاودني الحنين إلى كتابة المسرحية. ولذلك كتبت “أيوب”[5].

[إذاً، “الآباء والبنون” أولى كتابتك للمسرح؟ هل لك أن تحدثنا عنها؟]

“الآباء والبنون” [هو أول أعمالي المنشورة، وذلك] عام ١٩١٧. وقد [نشرتها مسلسلة في] مجلة “الفنون”[6] [في نيويورك، ثم صدرت في كتاب عام ١٩١٧].

“الآباء والبنون” هي مسرحية كتبتها في ثلاثة أسابيع إثر تخرجي من الجامعة سنة ١٩١٦… ونفدت طبعتها الأولى من زمان. فما فكرت في إعادة طبعها من غير أن أجري فيها الكثير من التحوير والتعديل. وخشيت إن أنا تناولتها اليوم بقلمي وفكري وذوقي أن تخرج من يدي ولا نسابة بينها وبين الأصل أكثر من الاسم. فالحوار -فصيحه وعاميه- طويل. والفصيح لا يخلو من المسحة الأجنبية… وضننت بباكورتي الأدبية تغدو بين مؤلفاتي اسماً لغير مسمى. فكان من ذلك كله، ومن إلحاح نفر من أصدقائي وقرائي، أن عدت فأصدرت في العام الماضي [١٩٥٣] طبعة منقحة منها[7].

كيف ترى المسرح العربي في الوقت الحاضر، وما هي الأسباب التي تنهض به؟

تقوم في وجه المسرح العربي عقبات عدة. أولها إزدواجية اللغة ما بين فصحى وعامية. ولو أن البون لم يكن شاسعاً جداً بين هاتين اللغتين لهان الأمر إلى حد ما، ولكن المسرح الذي يفرض فيه أن يمثل الحياة كما نحياها في كل يوم يصبح مهزلة إذا حاولنا أن نعطيه لغة غير اللغة التي يتفاهم بها الناس في كل يوم. ولأننا لا نملك لغة عامية واحدة تشمل جميع الأقطار العربية فمن الواضح أن المسرح العربي سيبقى يتعثر إلى أن نخلق له لغة يتفاهم بها جميع العرب ولا تكون كاللغة الفصحى لا يفهمها إلا نفر ضئيل[8]. وهناك عقبة أخرى وهي إجتماعية ودينية. فحتى الأمس القريب لم يكن للمرأة شأن يذكر في حياة الأمة العربية. وكيف يقوم المسرح بدون امرأة؟ وفي حين أن الدين لا يزال يشغل أكبر حيز في حياتنا الشرقية، نرى أقصر الصعوبة في تمثيل الحياة الدينية على المسرح كما يجب أن تمثل. إلا أننا في الزمان الأخير أخذنا نشعر بأهمية المسرح في حياة الشعوب. وأخذنا نحاول نسد هذا الفراغ بوسائل قد تكون اليوم بدائية ولكنها تصلح أساساً لمحاولات أوسع وأبعد في المستقبل. ولا شك عندي أن المسرح العربي قادم على فترة إزدهار برغم العقبات التي تعترض سبيله الآن. والأيام كفيلة بأن توفق بين العامية والفصحى وأن تطلق الأفكار من القيود الاجتماعية والدينية التي تفرضها ظروف اليوم[9].

وكيف تخطيت، أستاذ نعيمة، ازدواجية اللغة التي صادفتها في مسرحيتك الأولى؟

موضوع “الآباء والبنون” يتناول حالة اجتماعية في لبنان منذ نصف قرن وأكثر. وأشخاصها بينهم الأمي وبينهم المتعلم. فلم يطاوعني ذوقي أن أجعل الأمي اللبناني يتكلم بلغة الدواوين والمقامات، إذ أن في ذلك تشويهاً لواقعه وحقيقته. لذلك لجأت إلى التحايل فجعلت المتعلمين يتكلمون لغة معربة [الفصحى]، وجعلت غير المتعلمين يتكلمون العامية. واعترفت في المقدمة التي وضعتها للرواية[10] [المسرحية] أن ذلك الحل لم يكن غير حيلة مني لا تحل المشكلة في أساسها.

أما في “أيوب” فالأحداث تجري في زمان يعود إلى ما قبل المسيح  لذلك لم أجد أي بأس في أن أجعل الأشخاص جميعهم يتكلمون لغة فصحى[11].

ماذا تحبذ أن تكون لغة المسرح؟

قلت أن مشكلة ازدواجية اللغة ما تزال قائمة، وهي عثرة كبيرة في سبيل تقدم المسرح الذي يسعى إلى تصوير الحياة كما هي. وإذا أنت ألقيت نظرة سريعة على ما يجري عندنا في دنيا الإذاعة والتلفزيون وجدت أن اللغة العامية تكاد تطغى على الفصحى في أكثر ما يذاع من مسرحيات. إلا أنني لا أريد للفصحى أن تتخلى عن دقتها وجمالها للعامية، ولا أريد للعامية أن تطغى على الفصحى. فلا بد من تلاقٍ بين الاثنتين. أما متى يكون ذلك وكيف فالمستقبل كفيل بأن يجيب على هذا التساؤل[12].

 

إلى أي مدى تستشعرون ضرورة تجديد اللغة؟ وما هي برأيكم الحلول العملية لتيسير اللغة؟

[نحن] لنا لغتان بدلاً من لغة واحدة.. وهذه حقيقة لا نستطيع أن نتعامى عنها.

فالعامية عندنا تحيا جنباً إلى جنب مع الفصحى، والعامية هي لغتنا في كل يوم. في حين أن الفصحى هي لغتنا حين نكتب ونخطب لا أكثر. وهذا مما يعيق اللغة العربية في تطورها لتصبح قابلة لهضم كل جديد وللسير مع المدنية المتجددة في كل يوم. وفي رأيي أن نحو اللغة العربية يجب أن يعاد النظر فيه لتسير قواعده والتخلص من الكثير من زوائده. وكذلك صرفها. ثم في رأيي ألا تحجم العربية عن تقبل كلمات أجنبية كثيرة فرضتها علينا الظروف فرضاً دون أن تعطينا الوقت الكافي لوجود ما يقابلها بالعربية أو لصوغها في صياغة عربية. ونحن يلازمنا الشعور بأن الوقت يسبقنا أبداً فلا مجال للجدل البيزنطي، بل الحاجة ماسة إلى العمل السريع دون أن نترقب الفتات الذي يتساقط علينا من موائد المجامع اللغوية. القضية في أساسها قضية تخص الأدباء بالدرجة الأولى، ثم العلماء الذين لا مناص لهم من شعوبهم إلى كل جديد في العلوم. وإذا كان لا بد من حل وسط فعندي أن القضية يجب أن تقسم إلى شقين، شق يختص بالأدب والأدباء (وعلى الأدباء وحدهم معالجته) وآخر يختص بالعلم والعلماء (وعلى العلماء وحدهم الاهتمام به) ولهذا لا بد من لجان مشتركة تجمع بين أدباء العرب وعلمائهم.

ومن الضروري أن تؤلف هذه اللجان في أسرع وقت ممكن وإلا فاتنا اللحاق بقافلة الحضارة[13].

وإلى أن يتسنى لنا أن نضيق الشقة بين اللغتين، فيغدو لنا مسرح عربي يفهمه ويتذوقه ابن الدار البيضاء مثلما يتذوقه ابن بغداد وصنعاء والرياض[14].

هل لكم أن توجزوا لنا مسرحية أيوب؟

[لقد] حاولت [في أيوب] أن أتناول معضلة من أكبر المعضلات في الحياة البشرية ألا وهي معضلة القدر والأوجاع على أنواعها التي تنزل بالناس وليس من يدري إلى أي حد تكون بمثابة تجربة لنا وإلى أي حد تكون بمثابة قصاص على أشياء ارتكبناها عن وعي منا أو عن غير وعي.

يظهر أن الحياة البشرية فيها حقيقة ثابتة، فالكل يتعرض للألم والمصائب، وهناك فئة من البشر إذا تألمت قال الناس أنها تستأهل هذه الآلام لأخطاء وشرور ارتكبتها. وفئة تتألم دون سبب ويتساءل الناس لماذا هذه الآلام لهذه الفئة الصالحة؟ هكذا كان أيوب.

الإنسان الذي يعيش حياة الألم عليه أن يتوقف ليسأل عن منابع هذا الألم. هل هي من الإنسان ذاته أم أن بعض ما يأتيه من قوى تحجبت عنه. فهو لا يعرف ما هي ولا من أين هي. إن هذا العالم الذي نعيش فيه عالم منظم غاية التنظيم. وإذ ذاك لا يمكن لأي شيء أن يحدث إلا ضمن النظام الذي يسير الأكوان. فلا مجال لما يدعوه الناس صدفة أو مصادفة. وإذا صحت هذه النظرية صح القول بأن كل ما يجري فينا وحوالينا إنما يخضع بذلك للنظام الشامل. عندئذ ينبت السؤال: كيف لنا أن نفهم ذلك النظام فنتحاشى ما يأتينا عنه من كدر ونسلك سلوكاً تكون نتيجته السلامة والراحة والطمأنينة.

إن الرزايا التي حلت بأيوب كانت نتيجة تحدي الشيطان لله. إذا راح الله يعتز أمام الشيطان بإنسان بار كأيوب، فما كان من الشيطان إلا أن طلب من الله أن يطلق يده في تعذيب أيوب لكي يرى أنه في النهاية سيكفر بالله. فكان أن حل بأيوب ما حل من الرزايا دون أن يفقد إيمانه وصبره.

وقد تصرفت بالقصة تصرفاً كبيراً إذ خلقت أشخاصاً لا وجود لهم في حكاية أيوب. ذلك مع الاحتفاظ بالهيكل العظمي لتلك الحكاية، وللقارئ [أو للمشاهد] أن يحكم على تلك التمثيلية [المسرحية] أو لها بعد [قراءتها أو مشاهدتها][15].

 

وإذا طلب منك السماح بتمثيل “أيوب” فهل تقبل؟

بالطبع على أن يكون الممثلون من الذين أتقنوا فنهم غاية الإتقان[16].

وهل تعتقد أن عندنا في لبنان ممثلين من ذلك الطراز؟

شهدت في السنوات الأخيرة عدة مسرحيات مترجمة قام بتمثيلها رجال ونساء لبنانيون، وجدت بينهم من أحسن تقمص الشخص الذي يمثل دوره، وبات يعرف أن الكلمة على المسرح هي غير الكلمة في الكتاب. فالكلمة على المسرح يجب أن تبرز جميع معانيها وألوانها لا بمجرد نطقها، بل بما تثيره في النفس من انفعالات. لذلك كان على الممثل الماهر أن يمثل الكلمة بكل خلية من خلايا جسمه، وعلى الأخص إذا كانت من الكلمات التي تحمل أكثر من معنى واحد أو لون واحد أو بعد واحد. فملامح الوجه كلها بل جسد الممثل كله ينبغي أن تجند جميعها في سبيل أداء الكلمة بكل ما فيها من فكر أو عاطفة أو لون أو بعد يتعدى في بعض الأحيان حتى حدود الخيال.

أعرف أن معظم الممثلين عندنا لا يزالون حتى اليوم من الهواة. على أنني وجدت بينهم مواهب لو قيض لها من يصقلها ويهذبها. ثم لو قيض لها أن تحترف التمثيل فتجعله عمل حياة لكان لنا في وقت قصير مسرح لبناني نعتز به، ونعتبره أداة فعالة في تطوير حياتنا الإجتماعية والروحية[17].

وهل يمكن لعمل كهذا أن يبرز إلى الوجود دون معونة ما؟

هنالك بلدان كثيرة قام فيها التمثيل على أكتاف أشخاص كرسوا حياتهم له. ثم وجدوا بين الأغنياء من قدر لهم ذلك فساعدهم من الناحية المادية. وهنالك بلدان تبنت الحكومة فيها شؤون المسرح فراحت تبني له أفخم المباني وتنفق على الممثلين بسخاء. وإنه لمن المؤسف والموجع أن لا نرى في لبنان على كثرة المتمولين فيه من أحس قيمة المسرح فاندفع ينفق عليه من ماله الخاص. لقد آن للحكومة عندنا أن لا تقصر حيث قصر الأفراد. ولكنها، ويا للأسف لاهية بأمور كثيرة هي في نظرها أهم بكثير من كل ما يتصل بالمسرح والأدب والشؤون الفكرية والروحية على الإجمال[18].

ذكرت أنه بات لنا نواة مسرحية لا بأس بها، فهل عنيت بذلك ممثلين فقط أم كتاب المسرحية كذلك؟

عنيت الممثلين في الدرجة الأولى. وإنه لمن المؤسف أن تكون أكثر المسرحيات التي شهدتها مترجمة عن لغات أجنبية. ففي الغرب قد بات من الممكن لكاتب المسرحية أن يعيش من قلمه وللممثلين أن يعيشوا من تمثيلهم. أما عندنا فلا كاتب المسرحية ينتفع منها بفلس، ولا الممثل يستطيع أن يحصل من تمثيله على مقومات العيش. ولعل ذلك من الأسباب الرئيسية التي تصرف الموهوبين من كتابنا عن كتابة المسرحية[19].

[ينبغي أن] يضم المؤلف والممثل قواهما -الأول بأفكاره والثاني بصوته وإحساسه وحركاته- ليخترقا حرمة الانفراد الذاتي [للسامع والناظر]، فيدخلان زوايا قلبه ويمسان كل أوتاره، ويفتشان بين طيات ضميره ويحركان دولاب أفكاره، وبالإجمال يوقظان فيه كل قوى الوجود، فيشعر أنه كائن حي. فرب كلمة تقع في أذنه يحتضنها للحال عقله وتختمر بها روحه. أو رب حركة من يد ممثل ينتفض لها قلبه. أو رب مشهد يهزه بكليته كما تهز العاصفة شجرة من جذورها. لكن هذا التأثير في السامع والناظر لا يمكن إحداثه إلا إذا كانت [المسرحية] مشهداً حياً من مشاهد الحياة الحقيقية وكان الممثل قادراً على فهم أفكار المؤلف وغايته، وتفسير هذه الأفكار وتأدية تلك الغاية إلى السامع بواسطة الصوت والحركات. فلذلك يتوكأ المؤلف على الممثل، والممثل على المؤلف. وغير خفي أن أفضل [المسرحيات] في يد ممثل ضعيف تضيع قوتها ورونقها. وبالعكس -فالممثل الحاذق يُلبس أحياناً أبخس الروايات حلة جمال وقوة[20].

وشعبنا [الجمهور] لم يدرك بعد أهمية فن التمثيل في الحياة، لأنه لم يرَ بعد [نصوصاً] تمثل أمامه مشاهد من حياة يعرف ألفها وياءها -لم يرَ بعد نفسه على المسرح. واللوم عائد على كتابنا لا على الشعب. فجل ما قدمناه حتى الآن إلى الشعب من الروايات التمثيلية ينحصر في بعض روايات معربة أكثرها من سقط المتاع، وكلها غريبة عنه، بعيدة عن أذواقه، قصية عن مداركه. أنا لا أشك أبداً في أننا سنرى عندنا، عاجلاً أو آجلاً، مسرحاً وطنياً تمثل عليه مشاهد حياتنا القومية [أعتقد الصحيح حياتنا اليومية وليست القومية]. إنما يقتضي لذلك قبل كل شيء أن يحول كتابنا أنظارهم إلى الحياة التي تكر حولهم كل يوم، إلى حياتنا بعُجرِها وبُجرِها[21]، وأفراحها وأتراحها، وجمالها وقباحتها، وشرها وخيرها، وأن يجدوا فيها مواداً لأقلامهم -وهي غنية بالمواد لو دروا كيف يبحثون عنها[22].

هل صحيح أن المسرح اليوم هو دون مستوى الأدب؟

المسرح عند العرب لا يزال طفلاً بالنسبة إلى المسرح عن الغربيين وهم الذين عرفوه منذ أيام الإغريق. أما العرب فعهدهم به حديث جداً، وهو لا يعود إلى أبعد من أواخر القرن الماضي. ولذلك أسباب عديدة [ذكرنا أغلبها سابقاً].

[ورغم هذه الأسباب] فقد تمكنا من خلق نواة مسرح عربي لا بأس بها. ويقيني أن هذه النواة ستنمو إلى حد أن يصبح المسرح ذا شأن كبير في توجيه حياتنا[23].

إذا شئنا أن نرفع آدابنا من المستنقعات التي تتمرغ فيها فعلينا أن نسعى من الآن لوضع أساس متين للمسرح العربي بتربية أذواقنا التمثيلية وتعزيز الرواية [المسرحية] الوطنية، حتى إذا نهضنا كانت نهضتنا نهضة جبار أفاق من نوم طويل، لا نهضة عاجز فتح عينيه ليرى الموت أمامه[24].

قرأنا لك من القصص القصيرة الكثير.. وشُرفت أنا[25] بإعداد واحدة منها لصوت العرب كتمثيلية إذاعية هي “هدية الحيزبون”. فهل أنت راضٍ عن ذلك؟ وما رأيك في مسرحة القصص عامة؟

لم يتح لي أن أسمع المسرحية التي اقتبستها لـ “صوت العرب” من قصتي “هدية الحيزبون”. وأرجو أن تكون قد وفقت في عملك.

أما أنا فقد مسرحت بعض قصصي للإذاعة. ومسرح غيري بعضها للتلفزيون. والذي أراه، بوجه عام، هو أن مسرحة القصة للإذاعة، أو التلفزيون، أو المسرح أمر ليس ممكناً فقط، بل ومستحب. على أن تتوفر له الشروط الآتية:

أ- أن يندغم الممسرح بالمؤلف اندغاماً يمكنه من تفهم القصة وقصد المؤلف منها. فيعرف مركز الثقل فيها فيبرزه، ومواطن الجمال فلا يطمسها.

ب- أن يكون الممسرح ذا ذوق فني حتى إذا اضطر إلى التقديم والتأخير، أو إلى الحذف والإضافة، فعل ذلك بأمانة تامة لنهج المؤلف وأسلوبه ومقاصده، وبلباقة يصعب معها التمييز بين الأصل وما طرأ عليه من تغيير.

ج- أن يقوم بالتمثيل أناس في استطاعتهم أن يتلبسوا أدوار الذين يمثلونهم كما تخيلهم المؤلف عندما ألف قصته. لذلك لا بد من التعاون الوثيق بين المؤلف والممسرح والممثل حيث التعاون ممكن. وبديهي أن هذا التعاون غير ممكن بين الأحياء والموتى. وهنا يفتح الباب واسعاً للمسخ والتشويه كما جرى ويجري في السينما لروايات شهيرة ألفها روائيون شهيرون هم اليوم وراء ستار المحسوسات[26].

 إلى هنا، وقطعت علينا جلستنا هذه وفود عديدة أتت مهنئة فقمت مودعاً وشاكراً وفي البال أسئلة عديدة وددت لو اتسع الوقت لطرحها على الأديب الكبير. وأدرك هو ما يجول في خاطري، فودعني قائلاً: ”علها تطرح في جلسة قادمة“[27].

[1] استخدمت مصطلح حوار صحفي، مع أن الأديب ميخائيل نعيمة  كان يفضل مصطلح أحاديث مع الصحافة.

[2] أحد ألقاب الأديب ميخائيل نعيمة.

[3] نقلت هذه المقدمة، من مقدمة الحوار الذي أجرته مع الأديب مجلة الجمهور الجديد، بيروت ٢٤ / ٥ / ١٩٦٧.

[4] مع العلم أن نعيمة قد نشر مسرحيةً من فصل واحد بعنوان “الورقة الأخيرة”، في كتابه “أبو بطة” الذي طبع لأول مرة عام ١٩٥٨.

[5] مجلة الجمهور الجديد، بيروت ٢٤ / ٥ / ١٩٦٧.

[6] جريدة الحياة، بيروت ٢ / ٦ / ١٩٥٩.

[7] استفتاء [مجلة] الآداب، بسكنتا، ٧ كانون الثاني ١٩٥٤.

[8] كان هذا حقيقة في ذلك الوقت لقلة الدارسين والمثقفين، وأعتقد أن اللغة الفصحى باتت مفهومة لمعظم الناطقين باللغة العربية، أو على الأقل لنفر كبير منهم.

[9] جريدة الصفاء، بيروت ٢٥ / ٧ / ١٩٦٣.

[10] كان شائعاً في ذلك الوقت استخدام مصطلح الرواية والتمثيلية للإشارة إلى مصطلح المسرحية.

[11] مجلة الجمهور الجديد، ٢٤ / ٥ /  ١٩٦٧.

[12] مجلة الرحمة، بيروت، أيلول ١٩٦٧.

[13] مجلة المجلة، القاهرة أيار ١٩٦٤.

[14] مجلة الجمهور الجديد، بيروت ٢٥ / ٦ / ١٩٦٤.

[15] جريدة الجمهورية، بغداد ٢٣ / ٢ / ١٩٦٧. وجريدة الزمان، بيروت ١٠ / ٤ / ١٩٦٧.

[16] مجلة الجمهور الجديد، ٢٤ / ٥ / ١٩٦٧.

[17] مجلة الجمهور الجديد، ٢٤ / ٥ / ١٩٦٧.

[18] مجلة الجمهور الجديد، ٢٤ / ٥ / ١٩٦٧.

[19] مجلة الجمهور الجديد، ٢٤ / ٥ / ١٩٦٧.

[20] توطئة لمسرحية الآباء والبنون، نيويورك، ١٩١٧. وأعاد نشر هذه التوطئة في كتابه الغربال تحت عنوان الرواية التمثيلية العربية، ١٩٢٣.

[21] عيوب الحياة وأمرها كله، ما خفي منها وما بدا.

[22] توطئة لمسرحية الآباء والبنون، نيويورك، ١٩١٧.

[23] مجلة الرحمة، بيروت، أيلول ١٩٦٧.

[24] توطئة لمسرحية الآباء والبنون، نيويورك، ١٩١٧.

[25] المحاور الذي أجرى الحديث، وعلى الأغلب هو محرر من القاهرة، مصر.

[26] مجلة الكتاب العربي، القاهرة.

[27] مجلة الأسبوع العربي، بيروت، ١٤ / ١ / ١٩٦٣.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح