هاكُمُ المسرح و هِبُونا بعض حضور .. بقلم : يوسف الحمدان

هاكُمُ المسرح و هِبُونا بعض حضور ..
بقلم : يوسف الحمدان
لا غرابة إطلاقا حين تتشابه الأشياء والأسماء والأفعال والتوجهات في سوئها وسأمها ومسخها وتشرذمها وتعثرها وارتباكها وتخبطها وصروفها وحيرتها وغربالها وفي شكل احتضارها وموتها ..
تتداخل في اللاشيء ، في اللا تفكير ، في اللا وعي ، في اللا تاريخ ، في اللا مصير ، في اللا حياة ، في اللا زمن ، في اللا أفق ، في اللا مسئولية ، في اللا وجود ، في اللا حدث ، في اللا مكان ، في اللا إنسان ، في اللا ظل ..
تلتقي في العزلة ، في الانكفاء ، في الغياب ، في السديم ، في قعر القاع ، في المجهول ، في التشتت ، في التلاشي ، في متاهات الخلايا الباهتة ، في مثلث برمودا ، في الثقب الأسود ..
لا غرابة في أن يبدو الحي ميتا وإن تباهت المناسبة في إنعاش حضوره ، وأضفت بهاءها ورونقها وبريقها وزهوها على روحه الطاهرة ، وهيأت طقوس وشعائر الخلود في داره ومداراته ، وكثفت شفيف الأوكسجين في رئته وفي مساماته ، وعبدت دروبه ودهاليزه ومواطنه بمرايا الزعفران وخضاب العرافات ..
ضجيج يفتت الروح والجسد والكيان والكون ، والفوضى تحسم الرؤية والرؤيا ، والعمى يقتاد الهزيع إلى دياجير الحلكة والخراميس ، والزيف يمعن وينعم ويعمل سطوته على ما تبقى من نزيف القلب ، والتضليل والتغييب عند الباب بالمرصاد حتى مسخ آخر ..
هاكم أرواحنا وهبونا بعض حياة ..
هاكم أجسادنا وهبونا بضع قلب ..
هاكم عيوننا وهبونا ومض رؤية ..
هاكم أحلامنا وهبونا وهم رؤيا ..
هاكم طموحنا وهبونا بعض أمل ..
هاكم عنفواننا ويفاعتنا وهبونا بعض دبيب ..
هاكم حريتنا وهبونا ريشة طير ..
هاكم المسرح وهبونا بعض حضور .. بعض ألق .. بعض جسد .. بعض فعل .. بعض تحد .. بعض إصرار .. بعض ما تبقى من هارب وغارب الأيام والأعمار ..
لا غرابة إطلاقا في أن يختفي كل شيء ، ينطفيء كل وهج ، ويحتفي بنا الجهل والموت أيضا ، فدون البحث في التجربة حتى أقصى النزف ، ودون الاكتشاف والخلق والتخلق ، ودون الإمعان في تأسيس الرؤية وتجذير الوعي وتدشين منطلقاته ، ودون وقفات وتأملات في حيز ما ننتمي إليه ، ودون أفق واشتباك مسئول وخلاق في فضائه الرحب والصعب والشائك ، ودون قراءة استبارية وتماسية ساخنة للفعل الذي سنتخلقه وسننطلق وينطلق بنا ، ودون حب ومكاشفة ومواضحة وجدل مقرونين بالوعي والفكر والتفكر والتأمل ، ودون تقليب ناري وهاديء مستمر للنظر في كل ما نفكر ونعتمل ونستوي فيه وننجزه ، ودون إزاحات دائبة لكل ما من شأنه أن يعيق رؤانا وأحلامنا وأفعالنا ، ودون مواجهة صارمة ومتأهبة ومتوثبة لكل من يستأثر وأد المسرح ويرجح ضرورة تسويحه واستباحته وسفكه ، ودون مساءلة دواخلنا وذوتنا وهواجسنا ومحيطنا وطاقتنا وقدراتنا وتسويغ لحضورها وتجليها في وعلى المسرح ، ودون ذهاب حر واستقصائي لمعطيات ومنجزات المسارح المتحضرة والمشاكسة وكيف أثرْت بوهجها ثقافة مسرحييها وشعوبها ، ودون فعل تراكمي خلاق يرسي تقاليد رصينة للإبداع والخلق تحتفي بها المناسبة لا العكس ، ودون استوحاد واستئثار بالمسرح ..
دون ذلك كله فلا غرابة إن تشابهنا والتقينا وآلينا إلى حضيض يسمونه قعر انهيار المسرح وجحيمه ، حيث لا صحوة فيه ولا نبس ولا نبض ..
البحث عصب المسرح وأفقه ، خلايا التفكير والذاكرة وعضلة المخيلة ، جسدنا الذي يفكر ، روحنا التي تشطح ، قلقنا الذي يرج سواكننا ويحفز كيمياء مختبر الخلق في حمراء شراييننا ودفقنا ، فالبحث هو الذي يدفعنا لأن نملك قرار :
أن نرفض تقديم العرض المسرحي إذا كان دون ما نطمح ، أن نوصد أبواب القاعة على أنفسنا ونعلن بعد محاورة ومسئولية للجمهور اعتذارنا له إذا كان العرض لا يليق بنا ولا يليق به ، أن نوقف العروض المسرحية إلى أجل يحسم الإفراج عنه وعينا العميق بالمسرح ، أن نرفض الجائزة والشهادة والتكريم إذا كنا لا نستحق فعلا ذلك ..
فهل نجرؤ ؟؟؟؟
المسرح تظاهرتنا الحية الإشكالية العنيدة الأخيرة ، فلنستنفر كل خلايا طاقاتنا من أجلها ونزيح كل شائبة وصدأ علقا بها ، وفي غياب المسرح غياب للحياة والحضارة والمستقبل ووأد معلن موجع للمخيلة الخلاقة .. فبئس الغياب !! .

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح