52 شابا وفتاة يرقصون ويغنون ويمثلون وبدأ الحلم من أسيوط ليحلق في سماء المحروسة

“إبدأ حلمك”

52 شابا وفتاة يرقصون ويغنون ويمثلون وبدأ الحلم من أسيوط ليحلق في سماء المحروسة – محمد الروبي #مصر

ما أجمل أن تشهد بنفسك طلوع نبتة تبقر بطن أرض كنت تظنها جدباء، فتفرح وأنت تراها تزهو بخضارها وتمد وريقاتها نحو الشمس. هذا ما أسعدني به حظي حين لبيت دعوة الدكتور أحمد عواض رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، للسفر إلى أسيوط لمشاهدة ذروة اكتمال الحلم الذي بدأ منذ شهور تحت عنوان “ابدأ حلمك”.

“إبدأ حلمك” مشروع فني كبير دشنته وزيرة الثقافة، استهدف تدريب أبناء أقاليم مصر ممن حباهم الله بموهبة ولم تتح لهم الفرص لينضموا إلى المعاهد الأكاديمية ينهلون من علمها ما يرسخ موهبتهم وينميها. لذلك جاء المشروع أقرب إلى – كما أحب أن أصفه – الأكاديمية المصغرة. ففيها لا يتعلم المتدرب فقط التمثيل، لكنه يدرس أبجديات الدراما ويتعلم الإلقاء ويتعلم الرقص ويتعلم الغناء ويتعلم التشكيل، ليخرج ممثلا كما يجب أن يكون يعي أسس ما يؤديه من أدوار.

“ابدأ حلمك” إذن عنوان موفق للتجربة، فهو ومنذ اللحظة الأولى يؤكد على أنها الـ(البداية)، بداية حلم لن يكتمل ولن يتحقق إلا بإصرار صاحبه على الاستمرار مدعوما بتلك البداية التأسيسية.
وكان من حظ الحلم والحالمين أن يكون المشرف عليه وإدارة روافده المتنوعة فنان يعي ويقدر أهمية العلم في تكوين الفنان. هو المخرج أحمد طه، أحد الحالمين الكبار الذي بدأ بداية مشابهة فأصر أن يمنح شبابا يذكرونه ببداياته الأولى بعضا مما تعلمه. لذلك نجح أحمد طه في تشكيل فريق من المدربين اختارهم بعناية كل في تخصصه، بينما يقف هو وسطهم كأي مدير فني لفريق رياضي يوجه ويرسم الخطط ويترك لكل مدرب حرية أن يبدع في الرافد المكلف به. روح الفريق ستراها بوضوح منعكسة على العرض الذي قدمه اثنان وخمسون فتى وفتاة لمدة ما يزيد على الساعة دون توقف إلا ما تفرضه الضرورة الفنية.

على خشبة مسرح أسيوط فاجأنا طه بتقديم مختصر لفكرة (الحلم) كيف بدأ وكم متسابق تقدم إليه ليدهشنا أن عدد المتقدمين من الفتيات والشباب تجاوز الـ(700) تم اختيار ستين شابا من بينهم. وهو ما يؤكد على الحرص الشديد في الاختيار. لكن المدهش أكثر هو ذلك العدد من المتقدمين ومن محافظة واحدة بل وفي وسط جنوب مصر.
كذلك حرص أحمد طه على تقديم معاونيه من زملائه لنكتشف أنهم من أصحاب الخبرة والمقدرة، كل في مجاله، وجميعهم من الدارسين الأكاديميين للفن الذي يتولى تدريبه. ثم دعانا لنشاهد ثمرة المجهود الذي استمر ثلاثة أشهر متواصلة.

مع الظهور الأول للمجموعة على خشبة المسرح، ومن نضارة وجوههم وعبر ابتساماتهم المزينة لوجوههم تأكدنا نحن ضيوف الحلم أننا على أعتاب عرض مبهج كاشف لقدرات أصحابه من شباب وفتيات. فها هم يغنون معا ويرقصون معا ويمثلون معا مقاطعا من أعمال مصرية وعربية وعالمية. يخطون على الخشبة برشاقة كاشفة للجهد التدريبي. فرغم العدد الكبير وتداخل الحركات وبولوفونية المعزوفات والرقصات ورغم تنوع المشاهد ما بين عامية وفصحى وما بين فردية وثنائية وجماعية، فإنهم يؤدونها جميعا باحتراف شديد، احتراف يؤكد على جدية التدريب ومشاقه.

المفاجأة الأكبر كانت في ما صرح به الفنان أحمد طه، أن هذه المشاهد التى شاهدناها وتلك الأغاني التي استمعنا إليها والرقصات التي منحت روحنا بهجة هي بعض من برنامج طويل، اتفق على أن يقدم أجزاءه الباقية في أيام تالية، ليشاهد جمهور أسيوط كل يوم فقرات جديدة غير تلك التي شاهدها في اليوم السابق.

بهجة الشباب (ذكور وإناث) وحرفيتهم العالية دفعتنا نحن ضيوفهم على أن نطلب من أحمد طه أن يسمح لنا بالجلوس مع أولئك البراعم لنحدثهم عن إحساسنا ونشد على أياديهم ونقول لهم شكرا. وجلسنا في صالة مسرح أسيوط (الشاعر الكبير جمال بخيت، والناقد والصحفي يسري حسان، ورئيس البيت الفني إسماعيل مختار، والكاتب والصحفي الكبير ضياء دندش، والصحفي القدير هيثم الهواري، وأنا) نعبر لأصحاب الفرح عن امتناننا الشديد على هذه السهرة التي كانت من أهم ملامحها أن أكدت على إيماننا بأننا (نعم نستطيع) وبأن على هذه الأرض ما يستحق الإيمان بقدرة أبنائها، وبأن مصر، كل مصر، وخصوصا جنوبها النابض تزخر بمواهب قادرة على تغيير شكل الفن فيها. والأهم التأكيد على فرحتنا ببنات أسيوط (محجبات وسافرات) على إصرارهن على الحلم برعاية أولياء أمورهن الذين استحقوا منا كل التحية والتقدير.

خرجنا من صالة المسرح وظل حوارنا معا ممتدا إلى صباح اليوم التالي عن أولئك العفاريت الصغار، وعن هذا المشروع الحلم وعن دور الثقافة الجماهيرية الذي يعود متمثلا في هذا الجهد. فشكرا لكل من ساهم فيه وعلى رأس القائمة السيدة الوزيرة الدكتورة إيناس عبد الدايم التي اتخذت قرارا فوريا بمنح هؤلاء الشباب صفة (فرقة نوعية) لها مخصصاتها المالية حتى لا ينفرط عقدهم. وشكرا للدكتور أحمد عواض رئيس الهيئة، وللفنان هشام عطوة نائب رئيس الهيئة الحاضن للمشروع، وللكاتب والمبدع محمد نبيل رئيس إقليم وسط الصعيد الثقافي.. والشكر كل الشكر لأولياء أمور طيور الغد من أهالي أسيوط.. أسيوط مدينة الحلم الذي بدأ.

محمد الروبي – مصر

(مسرحنا)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح