أخبار عاجلة

باتريس بافيس: المسرح والتلقي

_382

 

 

شكّلت دراسات الباحث والمنظر المسرحي الفرنسي الشهير باتريس بافيس عن “المسرح والتلقي” المنشورة في كتاب “اتجاهات جديدة في المسرح”، الصادر عن مركز اللغات والترجمة في أكاديمية الفنون بالقاهرة عام 1995، بترجمة أمين الرباط وسامح فكري، مرجعا أساسيا لكتابي “المسرح واستراتيجية التلقي”، فهو يقدّم فيها مقاربة عميقة للعلاقة الجدلية بين عمليتي “الإرسال” و”التلقي” في حقل المسرح، التي أعادها إلى محور اهتمامه، كما يقول، كل من أمبرتو إيكو، وآن أوبرسفيلد، وماركو دي ماريني، الذين أشاروا إلى تهافت وجهة النظر التي ترى أن الفن عملية ذات اتجاه واحد تحدث بين مُرسِل ومُستقبِل، مؤكدا على أن الإرسال لن يكون فعالا من دون الأخذ في الاعتبار دور المتلقي، كما أن فعل التلقي لا يمكن استيعابه من دون الرجوع إلى عملية الإرسال.

يأخذ بافيس، في ضوء تلك العلاقة، على ما يسميها بالممارسات السيميائية المبكرة، التي اعتمدت على أطروحات الشكلانيين الروس ونظرتها إلى العمل الفني بوصفه عملية إرسال مكتملة ونهائية، كما هي نظرة البنيوية، وتجاهلها حقيقة أساسية مؤداها أن نسق الإرسال الدال لا يصوغه فقط مبدعو العمل الأصليين، بل يشارك في صياغته أولئك الذين يتلقونه.

يرى بافيس أن التحليل الدراماتورجي، وهو عنصر حتمي وجوهري في النظرية المسرحية، وينطوي على نموذج جدلي يستمد مقولاته من جماليات الإرسال والتلقي، الذي يقوم به المخرج، في حال تحويل النص إلى عرض، أو الذي يقوم به المتلقي، في حال تلقيه للعرض في شكله الإخراجي النهائي، يقوم على تمثّل نظام العلامات المتقابلة، ويصبح العمل الدرامي، وفق هذا التحليل، سواء أكان نصا نقرأه، أم عرضا نتلقاه، عملية وسيطة بين الإرسال والتلقي تنتظم من خلال ثلاثة مفاهيم جوهرية هي: التجسيد، الذي يلخص مفهوم التأويل من خلال القارئ، أو المتلقي، أو الجمهور في شكله الجماعي، ويكتسب شكل خطاب ملموس، في هيئة مقال، أو مراجعة نقدية، أو تعليق.

ويبحث بافيس في مفهوم توجيه المتلقي، الذي قد يبدو، أول وهلة، كأنه يباعد بين جماليات الإرسال وجماليات التلقي، إلاّ أنه يعتقد بأن هذا التوجيه يوضع داخل النص كوسيلة ملموسة لاستثارة تلقٍ جيد، ولا يستخدم تعبيرا عن ظاهرة قصدية المؤلف، بل كآلية نصية يجري توظيفها في استراتيجيات معينة للقراءة، وهذا يشير إلى مفهوم المتلقي الضمني فالإبهام والوضوح يتجاوران جنبا إلى جنب داخل النص.

ويلقي بافيس الضوء على جماليات التلقي، وتطبيقاتها في المسرح من خلال تمهيد نظري، وقراءة في نص مسرحية “لعبة الحب والصدفة” لماريفو، الذي اختاره بسبب وضوحه، كما يقول، ليبين علاقة القراءة بالنص، وإلى أي مدى يكيف التلقي الفهم المبدئي له، مميزا في البداية بين الاستعمالات المختلفة لمصطلح “التلقي”، فيشير إلى تلقي المُشاهد للنص المسرحي والعرض المسرحي.

ويرفض بافيس مقاربة نظرية المعلومات، وسيميولوجيا وسائل الاتصال للعرض المسرحي بوصفه رسالة مكونة من علامات صادرة عن خشبة المسرح لمتلقٍ يجلس في مكان محلل الشفرات، واصفا هذه المقاربة بأنها مقيدة ومزيفة لأن المسرح ليس وسيلة ومصدرا للمعلومات المرسلة، مثلما يحدث في الرسالة التلغرافية، كما أنه ليس وسيلة لفظية ذات طبيعة نفعية، بل إنه يظل خطابا ميتا من دون التناول التأويلي لعلاقة القارئ/ المتلقي.

وأخيرا، يبحث بافيس في مفهوم “أفق التوقع”، انطلاقا من الأفكار التي قدمها هانس روبرت ياوس، أحد أقطاب نظرية التلقي الألمانية، حول هذا المفهوم، بوصفه مفتاحا يفيد التفكير في العلاقة الحميمة، التبادل أو التفاعل، بين العمل الأدبي ومستهلكه، أو بين نشاطي الإنتاج والتلقي الأدبيين، لأنه يشكل الإطار الضروري الذي ينتج عنه فهم المتلقي للعمل الفني.

كاتب من العراق

عواد علي

http://www.alarab.co.uk/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.