فى الدورة الـ 19 لأيام قرطاج المسرحية تظاهرة سياسية وفنية تضامنا مع القدس / هند سلامة

المصدر / محمد سامي موقع الخشبة

لم تتوقف فعاليات مهرجان أيام قرطاج المسرحية على كونه تظاهرة فنية كبرى، بل جمع المهرجان فى دورته التاسعة عشرة بين التظاهرة الفنية والسياسية حيث انطلقت الاحتجاجات السياسية مبكرا من أمام المسرح البلدى قبل بدء فعاليات المهرجان بساعات قليلة بمظاهرة ووقفة احتجاجية للشعب التونسى احتجاجا على قرار ترامب الأخير بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وبالتالى خيمت حالة من الحزن والكآبة ليلا على فعاليات المهرجان، وقرر رئيسه الدكتور حاتم دربال والقائمون عليه التضامن مع القضية الفلسطينية واحتراما لمشاعر الغضب لدى الشعب التونسى والشعوب العربية ألغيت مراسم الاحتفال الخارجى التى كان من المقرر إقامتها بممر المسرح البلدى ورفعت السجادة الحمراء واكتفى المهرجان بانطلاق فعالياته من داخل المسرح بكلمة رئيسه حاتم دربال وعزف النشيد الرسمى الفلسطينى وعرض العلم الفلسطينى على خلفية المسرح ووقف جميع الحاضرين إجلالا واحتراما لهذه اللحظة المؤثرة وأعلن رئيس المهرجان ضرورة الاتحاد أمام هذا القرار والتعبير عن رفضه والتضامن مع الشعب الفلسطينى من خلال أيام قرطاج المسرحية.

مشاركات دولية متنوعة داخل وخارج التسابق ربما أكثر ما يميز مهرجان قرطاج احتواؤه على سيل كبير من الأعمال المسرحية المتنوعة والتى تأتى من عدد مختلف من الدول المشاركة، تنطلق العروض يوميا بدءًا من الساعة الثالثة ظهرًا وحتى الحادية عشرة مساء وتنوعت المشاركات هذا العام بين عروض داخل المسابقة الرسمية وأخرى على هامش المهرجان، والتى جاء عددها أكبر من عروض التسابق وقدم بها المهرجان حالة من الزخم الفنى الضخم فانشغلت قاعات العروض بالكامل بحضور جماهيرى منظم ومنضبط، كان من بين عروض المسابقة الرسمية «freedom house» إخراج الشاذلى العرفاوى تونس، «شواهد ليل» إخراج خليل نصيرات الأردن، 5 سالب إخراج على دعيم العراق، «4.48 Psychose» كوت ديفوار، الأرامل من تونس إخراج وفاء الطبوبي، «بهيجة» الجزائر إخراج زيانى شريف عياد، «ستاتيكو سوريا إخراج جمال شقير، «التجربة» مصر إخراج أحمد عزت، «صولو» المغرب إخراج محمد الحر، «Adjuge» بوركينا فاسو إخراج luca.G.Fus، «je tuerai le singe» مالى إخراج koami vignon، وبجانب هذه العروض ازدحمت قاعات مسارح المونديال، التياترو، المسرح البلدي، قاعة الفن الرابع، ابن رشيق، مسرح الحمراء، الريو، مدار قرطاج، ومسرح نجمة الشمال بعدد لا حصر له من العروض التى شاركت على هامش المهرجان مثل «خيانة» العراق إخراج جبار جودى، «دراما أو عائشة والشيطان» تونس إخراج محمد كوكة، «البيادق» تونس إخراج محمد مختار الوزير، «حين رأيتك» تونس إخراج صالح الفالح، «الأخوات الثلاث» جورجيا، «الشمع» تونس إخراج جعفر القاسمى، «الأرامل» تونس إخراج وفاء الطبوبي، «ليالى البوقرعون» تونس إخراج نور الدين الورغى، «نزف» المغرب إخراج فاطمة عيطف، الكواسر تونس إخراج حمادى المزي، «الخوف»، تونس إخراج فاضل الجعيابي، «30 سنة وأنا حاير فيك» إخراج توفيق الجبالى تونس، «وشياطين أخرى» تونس إخراج وليد الدغسنى، «عمر وجوليت» تونس إخراج الطاهر عيسى، «مذكرات بحار» الكويت إخراج يوسف السريع، «جوغينغ» لبنان إخراج الحاج علي،وفى الوقت نفسه توزعت عروض أخرى ضمن فعاليات المهرجان بمحافظات تونس مثل صفاقس، القيروان، مدنين، الحمامات، الكاف، قفصة، القصرين، كما قدم المهرجان عروض لمسرح العرائس بالمركز الوطنى لفن العرائس منها «لقاء» إخراج لسعد المحواشى، «الجدار» إخراج محسن الأدب، «قال الثعلب» إخراج محمد البشير، «البجعات» إخراج حاتم المرعوب، «الملك ابن الملك» إخراج فضيلة ابن عكاشة، «هرمونيكا» إخراج صالح الجدى، «اختفاء إخراج وليد البرينى.
فعاليات أقوى من التسابق..!
بالرغم من عودة المسابقة الرسمية لفعاليات أيام قرطاج والتى كانت قد غابت عنه 10 سنوات كاملة إلا أن الكثير من عروض التسابق لم تلق استحسان الجمهور وجاء بعضها ضعيفًا ولا يرقى للمشاركة بمسابقة دولية لمهرجان بحجم أيام قرطاج مما أصاب الجمهور بالإحباط، لكن لم يؤثر ضعف مستوى عروض المسابقة على فعاليات المهرجان بشكل عام حيث جاءت الفعاليات أقوى من التسابق، وهو ما كان لافتا للنظر، تمتعت هذه الدورة بدقة وإتقان شديد فى تنظيم الفعاليات سواء الندوات الصباحية أو المعارض وندوة التكريم، وكذلك فى توزيع العروض على المسارح بشكل منظم ومحكم بجانب تدفق الجمهور لقاعات العروض بسلاسة شديدة وسهولة الحصول على حجز فورى لحضور العروض، بعكس الزحام الذى كان يعوق البعض عن الحضور السنوات الماضية، وبالتالى سيطرت حالة من الاحتفال الفنى بين مسارح شارع الحبيب بورقيبة والمسارح الموجودة بأطراف العاصمة، وكان لهذا الاحتفال أثر أكبر على جمهور أيام قرطاج من عروض مسابقته الرسمية.
«صولو» و«شواهد ليل»
كان من بين العروض المشاركة بدورة هذا العام ضمن المسابقة الرسمية، والذى نال استحسان الجمهور العرض المغربى «صولو» بمسرح الريو حيث احتوى العمل على فكرة مختلفة ومبتكرة لحكاية فتاة خشى والدها من عار انجابه لها فقرر تحويلها إلى ذكر وحكم عليها طيلة حياتها أن تعيش بلا روح أو جسد أنثى، فحكم عليها بإخفاء معالم جسدها والتزوج بإبنة عمها باعتبارها ذكرًا إلى أن يموت والدها ويقرر الاعتراف لها بحقها فى الحياة كانثى وبعد أن تعود للحياة يحكم عليها بالسجن بسبب انتحالها شخصية ذكر وحرمانها لأشقائها من ميراث ابيها فيقررون تعذيبها جسديا بإخضاعها لعملية الختان، اعتمد العرض على الحكى المباشر للجمهور بجانب مشاهد التمثيل التى تروى البطلة من خلالها مأساتها مع عائلاتها وباستخدام ديكور وإضاءة موفقة استطاع صناع العمل نقل حالة البؤس والكآبة بأجواء العرض لكن حالت اللهجة المغربية بين تواصل الجمهور فى كثير من الأحيان مع أحداث العرض، كان من بين الأعمال الجيدة أيضا عرض «freedom house» إخراج الشاذلى العرفاوى تناول العرض قصة جنرال أنشأ تنظيما سريا فى الجيش سمى بنتظيم «ضباط freedom house» وعندما يصل الخبر إلى السلطة بوجود هذا التنظيم يفشل المخطط ويعزل الجنرال ويحاكم محاكمة عسكرية ويتهم بأنه مختل ومعتوه ويعانى من خلل نفسى..لم يتناول المخرج هذه القصة بشكلها التقليدى المعتاد بل أراد أن يضفى عليها نوعًا من الإسقاط بالفلسفة والكوميديا الساخرة عن طريق انضمام فتيات ليل للضباط المنشقين والحاقهم بالخدمة العسكرية وتشارك الفتيات الضباط فى مواقف كثيرة يتخللها الكثير من السخرية على هذا الوضع الذى أصبحن فيه ثم يشاركن فى النهاية باعتقال وإلقاء القبض هذا الجنرال المنشق، غلف المخرج الفكرة برؤية مسرحية مبتكرة بمزج بين عالم الكباريهات والسياسة التى تعد فى الأساس لعبة قذرة لابد أن يخسرها أحد الطرفين المتنازعين وقد تتخلل هذه الخسارة فضيحة كبرى وقضاء على مستقبل الطرف المهزوم مثلما حدث مع الجنرال المنشق، استخدم المخرج سينوغرافيا بإضاءة وملابس وديكور موحية للغاية عن أجواء العمل المتناقضة لكن العيب الوحيد فى المط والتطويل وإعادة التأكيد على نفس المعنى حتى نصل إلى نهاية العرض، تضمن أيضا عرض «شواهد ليل» لدولة الأردن سينوغرافيا مبتكرة وموحية عن قصة العمل التى تناولت حكايات شاب لقيط يروى مأساة حياته مع دور رعاية الإيواء حيث عاش بها مجرد رقم ثم استمرار معاناته وهو يعمل بورشة لتصليح السيارات لا ينام ويعيش بين أشخاص وهميين فى عالمه الخاص لأنه يرفض الاختلاط بمجتمع يرفضه وينظر له باحتقار تشاركه العرض فتاة جاءت لإصلاح سيارتها وتتقمص معه هذه الفتاة أكثر من شخصية لتسرد معاناة أخرى لأشخاص آخرين ثم تتقمص دور أمه فى النهاية، احتوى العرض إلى حد كبير على حالة من التشويش بحكى وسرد حكايات متفرقة بشكل متدفق وسريع فى حين استخدم المخرج صورة مسرحية ذكية وجيدة اعتمد فيها على الابتكار بوضع عربة خربة فى منتصف المسرح تحوطها مجموعة من التماثيل العارية وبيد كل تمثال علق ميكرفون يتبادل عليه بطل العرض للتحدث فيه وسرد حكيهما على الحاضرين، وربما تفوقت هذه السينوغرافيا على الكتابة المسرحية التى لم تكن موفقة إلى حد كبير، وجاء أداء بطلى العمل أقوى من النص المكتوب لهما حيث ساهم التمثيل والسينوغرافيا فى انقاذه.
«الوجيعة» تجربة إنسانية لأيام قرطاج
لم يقتصر التجديد بفعاليات أيام قرطاج المسرحية على عودة التسابق فقط، بل قررت إدارة المهرجان خوض تجربة مسرحية متفردة ربما لم يسبق وتجرأ أحد على اتخاذها من قبل، ففى الوقت الذى تسعى فيه بعض العروض المسرحية بالبلدان العربية إلى الوصول للسجون وتقديم عروضها للمساجين، خرج المهرجان عن المألوف وقرر تقديم هؤلاء المساجين أنفسهم لعمل مسرحى وهو ما جذب أنظار الجميع، من خلال مبادرة بين المهرجان والإدارة العامة للسجون تزامنت مع الاحتفال باليوم العالمى لحقوق الإنسان 10 ديسمبر، قدم عدد من المساجين عرض «وجيعة» وهم مجموعة سجناء برج الرومى ايمن حميدة، محمد على العايب، نعيم السليطي، سليم بالشيخ، سليم الفضلى، سامى النصرى، نوح البقالطى، محمد شقرون، حسام الدين العبيدى، وصبرى التملي، تدور أحداث المسرحية حول شاب خرج من السجن وأصبح يعانى من البطالة ويفشل فى ايجاد عمل يوفر له لقمة عيش وتشاء الأقدار أن يقع بين شبكة أفراد اجرامية مختصة فى تهريب الآثار فيشاركهم عملية التنقيب والحفر استعرض السجناء فى هذا العمل قصصًا مختلفة وتنوعت القصص حسب معاناة كل منهم لكن يبقى هذا العمل الأكثر حقيقة وإنسانية ضمن عروض المهرجان لأنه لم يساهم فقط فى إحياء الأمل بممارسة الحياة لمجموعة من السجناء حكم عليهم بالمؤبد لكنه أيضا ساهم فى فتح مجال لرؤية هؤلاء السجناء لعائلاتهم ولقائهم معهم وسيطرت حالة من التأثر والبكاء على الحاضرين فلم يكن عملا مسرحيا عاديا بل كان إحياء لقيمة الرحمة والإنسانية وتعد هذه التجربة من أهم وأقوى ما قدمته إدارة المهرجان فى دورته التاسعة عشرة.

شاهد أيضاً

صدور العدد (36) من مجلة (المسرح العربي) للهيئة العربية للمسرح  كتب – عبد العليم البناء

صدور العدد (36) من مجلة (المسرح العربي) للهيئة العربية للمسرح  كتب – عبد العليم البناء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *