الموسيقى و المكان المسرحي – د.قيس عودة الكناني #العراق

قيس عودة
د.قيس عودة الكناني

الموسيقى و المكان المسرحي – د.قيس عودة الكناني #العراق

       الموسيقى لا تحدث في مكان، وبالرغم من ذلك فأنها قادرة على إنتاجه تخيليًا، فهي غير منبتة الصلة بالمكان الطبيعي، اذ تسمح الموسيقى ليس فقط بإنتاج المكان، بل تمكننا من وضع تصورات مكانية لا نهاية لها أثناء الاستماع، اذ تمثل لنا ما نسمعه في هيئة بُنَى لا نهاية لها مع كل تأويل جديد للعمل نفسه، والسبب في ذلك أنها أكثر الفنون البُعديّة عمومًا تحررا من المكان، هذه الحرية تسمح لوعينا أن يحلّق – مجازاً وتقريباً – فوق المكان ذاته، فالموسيقى دخلت في معترك من التعديلات في التعبير والإنتاج والتخييل فلم تعد الموسيقى كما كانت مجرد الحان وإيقاعات منظمة بل ” طرأت على الموسيقى تحسينات كبيرة حتى تساوت مع الكلمات في درجة التعبير، وحاولت بعد ذلك تجاوزها، ولم يعد فصلها عن الكلمات يمثل ضرباً من الجنون، فالمعاني التي كانت تولدها الأنغام وهي تصاحب الكلمات كانت قد أعدت العقول لتقبل فكرة إنفصالها واستقلالها”([1]) لأن الموسيقى لا تسمح فقط بتصورات غير متناهية عن المكان، بل (تدفعنا) أثناء الاستماع إلى وضع هذه التصورات، ويحدث هذا الشعور بسبب الحركة التي يخلقها الإيقاع، والتي لا نتصورها إلا في مكان، والمقصود بالحركة في هذا السياق حركة النّقلة، نظراً لأن كل تغيّر حركة، وأساس العلاقة بين الموسيقى وبين المكان الطبيعي هو هذه الحركة، التي تتولّد عن طريق الإيقاع، لذلك تلعب الموسيقى دورا فعلا وبارزا في تكوين المكان الافتراضي .

     وبطبيعة الحال هناك أنماط عديدة للموسيقى، فالمبادئ والقواعد الموسيقية التي تنطبق على الموسيقى الكلاسيكية وموسيقى الجاز ليست بالضرورة هي نفس المبادئ التي تنطبق على موسيقى الراب والروك،” فالموسيقى الحديثة تبرز إيقاعات الرقص التنويمية أكثر من إبرازها للهارموني او التوافق النغمي كما انها توجه اهتماما اكبر نحو الصورة أكثر من اهتمامها في الحرفية الموسيقية عالية المستوى “([2]) بمعنى ان الموسيقى الحديثة خرجت عن المألوف السائد فلم تعد الموسيقى مجرد نغمات وإيقاعات تنظم وتعزف في قوالب موسيقية معينة بل أصبح المؤلفون ينسجون صورا افتراضية في مؤلفاتهم الموسيقية تتقارب بموضوعاتها مع الطبيعة، بالرغم من ان الموسيقى هي من أكثر الفنون ابتعاداً عن الطبيعة من ناحية الملموس المادي، اي بمعنى انها ليست كالرسم او النحت او التصوير، لذلك حالوا بعض المؤلفين، كما في موسيقى الفصول الأربعة لـ(فيفالدي) اذ جعل الحان موسيقاه تتحدث عن الطبيعة من خلال كل فصل من فصول السنة، لذلك أصبحت للموسيقى صوراً تتحدث وتكشف عن موضوعات افتراضية تربطها ارتباطاً مباشراً بالطبيعة، وهذا يتطلب تحفيز لذاكرة المتلقي، كما ” يتطلب مهارة في التأليف الموسيقي الذي يفترض فيه قوة في التعبير تدفع الذاكرة الى تخيل فضاء العمل الموسيقي وتأثيثه ليتسنى لك التقاط موضوعه.. فقرع الأجراس يحيلك الى تخيل صورة كنيسة او ما شابه، وسماع مارش يحيلك الى صورة من مفردات العسكرية، وصرير الباب يحيلك الى تصور باب يفتح او يغلق ” ([3]) هذا الطابع السمعي التجريدي الذي تتسم فيه المؤلفات الموسيقية الآلية حين يصل التلقي عبر جمل موسيقية منسقة تنسيقا قصدياً واعياً فيخلق ما يمكن تسميته الصورة التي تمثل الموضوع او تعبر عنه تخيلياً افتراضياً.

      لذلك فقد قسمت الموسيقى الى نوعين أولهما الموسيقى التجريدية او ما يسمى الموسيقى الخالصة، وهي موسيقى مكونة من نماذج صوتية نغمية آلية حيث تسمع لذاتها فقط، ولا تثير اي صور حسية في ذهن السامع او المتلقي، والنوع الثاني يسمى موسيقى ذات الموضوع او الوصفية، او الموسيقى التصويرية وهي الموسيقى التي تصور موضوعاَ معيناً، فهي تجعلنا أثناء سماعنا نتصور ونتخيل تلك الصور الافتراضية التي ترسمها النغمات الموسيقية حيث تزيد هذه التصورات الافتراضية فهمنا للمقطوعات الموسيقية، كما في السيمفونية السادسة التي تسمى(بالريفية) للموسيقار(بتهوفن) الذي يصور المكان الريفي ويرسم صورا تحكيها انغام الموسيقى ويتحسس المستمع بوصف المكان الريفي . ([4])

 وتكون هذه الموسيقى على نوعين:

  1. موسيقى الوصف الحرفي: او ما تسمى بالتصويري المحاكي، فمثلا مؤلف موسيقي يرغب في محاكاة دق النواقيس في الليل، فيستعمل لذلك الصوت مركبات هارمونية لأي آلة من آلات الاوركسترا، وبالتالي يكون الوصف او التصوير الموسيقي لصوت النواقيس هو محاكاة حقيقية لشيء حقيقي بالفعل، وهناك نوع من الوصف الموسيقي هو جزء من قصيدة سيمفونية لـــ(رتشارد شتراوس) الذي أقام بمحاكاة وتصوير صوت الأغنام الذي بدوره ينقلنها الى تصوير افتراضي لمكان الاغنام، والموسيقى هنا لا سبب لوجودها إلا مجرد تصوير هذه المحاكاة.
  2. الوصف الموسيقي الذي يقترب من الشعر: في هذا النوع تقل فيه صفة المحاكاة الحرفية ويكون في الوصف والتصوير اقرب الى الشعر، اذ يحاول المؤلف في هذا النوع من الوصف الموسيقي ان لا يصور ولا يصف منظر او حادث ولكن ما يحيط به من ظروف خارجية يؤثر في نفسه ويثير فيه بعض المشاعر التي يرغب في نقلها للمستمع، وقد تكون هذه الظروف هي إحدى الأسواق او الأماكن الريفية او البحر، ولا يكون وصفها وتصويرها في صورة المحاكاة الحرفية وإنما ينقل نسخة موسيقية افتراضية شاعرية كما تنطبع في ذهن المؤلف(من خيال المؤلف الى خيال المتلقي) وبهذا يؤلف نموذجا عاليا من الموسيقى التصويرية، لان محاكاة صوت الأغنام لن تتعدى الشبة لصوت الأغنام وحسب، وأما تصوير البحر والأماكن الريفية بالأسلوب الموسيقي فانه يسمح دائما بحرية الخيال الافتراضية عند المؤلف الموسيقي والمتلقي.([5])

هوامش:

[1])) راوية عبد المنعم، الإنسان والفن والجمال، (الاسكندرية: اورينتال،2010)ص145،146

[2])) جلين ويلسون، سيكولوجية فنون الاداء، ترجمة: شاكر عبد الحميد،سلسلة عالم المعرفة(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب،2000)ص276

[3])) ستار الناصر، في الثقافة الموسيقية، (بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة،2011)ص30

[4])) ينظر:عبد الغفور النعمة، عندما تتكلم الموسيقى (الموسيقى الوصفية)،(دمشق:تموز للطباعة والتوزيع،2011)ص18،19

[5])) ينظر: ارون كوبلاند، كيف تتذوق الموسيقى ، مصدر سابق، ص269،270

شاهد أيضاً

نهضة المسرح العربي الجديدة والمتجددة مع الهيئة العربية للمسرح ومسؤولية المؤرخ المسرحي إعداد: أحمد طنيش