نصوص معاصرة ومسرحيون معاصرون… إبداعات الرواد العرب في الثقافة الرفيعة

تموج الحركة المسرحية العربية بمختلف التيارات والثقافات، فالمسرح العربي يشكل واجهة مهمة في المشهد الإبداعي، ويمثل ترجمة لتقاطعات سياسية ذات رؤى قيمة ووجهات نظر معتبرة.
ولأن للمسرح المصري حضورا لا يغفل على الساحة العربية، ويصب جل اهتمامه في تسليط الضوء على القضايا ذات الأبعاد القومية، فقد اعتنت المراكز البحثية بتوثيقه وحفظ تراثه، غاية أن يصبح شاهدا على الحالة النهضوية بمستوياتها الإقليمية والدولية، ومن ثم فقد اضطلعت مؤسسة «نون» للطباعة والنشر والترجمة بإصدار مجلدها الأول عن المسرح العربي المعاصر ورواده من أساطين الإخراج والتمثيل والكتابة.
تأتي مقدمة الكتاب أو المجلد القيم وهي بقلم كاتبها محيي الدين إبراهيم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة «نون»، إذ يؤكد على الثوابت الأساسية في الإبداع المسرحي، محاولا الحث على تنشيط الحركة الفنية المسرحية، ليس باعتبارها رواجا فنيا وحسب، وإنما لكونها فعلا إيجابيا مرهونا بثورة المبدعين، من كتاب وفنانين ومخرجين ونقاد. فما يعكسه المسرح في نصوصه ورؤاه، هو ذلك التعبير عن تألق الوجدان الجمعي وانتصاراته أو انكساره وانهزامه، حيث يمثل التوهج والإخفاق ملامح الحالة الاجتماعية والسياسية، ويشمل ذلك التصوير مناحي الحياة العامة والخاصة في عموم الأقطار العربية، ويعد المجهود المبذول في جمع المجلد التوثيق الأول للمسرح العربي، بمثابة محاولة للملمة شتات الفلكلور والتراث بين دفتي كتاب واحد، يضم أسماء الكبار والرواد ممن أسسوا المسرح العربي، وقامت على أكتافهم نهضته، وتحملوا عناء مشكلاته وتحدياته التاريخية والمعاصرة.
يستهل الباحثون المشاركون في الإصدار المهم، صفحات كتابهم بإشارة إلى حياة شيخ المسرحيين العرب سعد أردش الذي ولد في 16 يونيو/حزيران 1924 في مدينة فارسكور على ساحل البحر المتوسط شمال مصر، وتلقى تعليمه فيها حتى حصل على الشهادة الثانوية، وعمل ناظرا لإحدى المدارس الابتدائية وهناك تعرف على الشاعر طاهر أبو فاشا فارتبط بالفن والمسرح والثقافة، وقد جمع أردش بين المسرح ودراسة القانون، فأسس فرقة المسرح الحر مع رفيق مشواره الفنان عبد المنعم مدبولي وزكريا سليمان وعبد الحفيظ التطاوي إبان عام 1952، وكانت فرقة المسرح الحر هي أول فرقة يتم تأسيسها وبعدها سافر في بعثة إلى إيطاليا وحصل على الدكتوراه من الأكاديمية الدولية للمسرح في بورما عام 1961.
ولو ألقينا نظرة على الأعمال المسرحية التي قدمها، سنجد أن معظمها ارتبط بالقضايا الوطنية والقومية والرؤية الأيديولوجية، ومن هذه الأعمال مسرحية «الأرض» للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي ومسرحيات أخرى مثل «النار والزيتون» لألفريد فرج و»سكة السلامة» و»كوبري الناموس» لسعد وهبة و»يا طالع الشجرة» و»المحطتين» و»باب الفتح» ليوسف إدريس ومحمود دياب، كما قدم أردش أيضا نصوصا من المسرح العالمي لموليير مثل «البرجوازي النبيل» والذباب «لسارتر وكذلك قدم» دائرة الطباشير القوقازية» لبريخت.
وليس سعد أردش وحده من احتفت به الدراسة المسرحية العميقة، ولكن هناك نموذجا آخر من رموز المسرح السوري هو الفنان نهاد قلعي، الذي عرفناه في ثنائية دريد لحام غوار الطوشة وحسني البرزان، فهو مهندس في رسم الشخصيات وشاعر في وصف سمات الشخصية وصاحب مهارات في كتابة السيناريو في عام 1961.
وبعد مرور عام واحد على إنشاء التلفزيون العربي في القاهرة قام دريد ونهاد بعمل أوبريت مسرحي بعنوان «عقد اللؤلؤ»، الذي تحول إلى فيلم سينمائي، ومنذ ذلك الحين اشتهر قلعي الذي شارك في بطولة الفيلم مع النجم السوري الأشهر دريد لحام وفهد بلان في إخراج يوسف معلوف وبعد نجاح التجربة قرر المنتج نادر الأتاسي تكرارها في فيلم «لقاء في تدمر» عام 1965، وكان الفيلم من تأليف دريد ونهاد وفي العام نفسه لعب الأخير بطولة فيلم «غرام في اسطنبول» ثم قدم بعدها حلقات مسلسله الكوميدي «مقالب غوار» ثم فيلم «خياط السيدات» وهكذا لمع اسمه وأصبح واحدا من النجوم المرموقين.
ومن العراق كان النصيب الأوفر من عملية التوثيق المسرحي للفنان أحمد فياض المفرجي رائد التوثيق في مجال الكتابة والنقد المسرحي والسينمائي، الذي اشتهر برؤاه النقدية واحتكاكه بالسياسيين العراقيين قضى حياته مهتما بالنشاط المسرحي والكتابة التوثيقية ذات الصبغة السياسية، ولم تخل الرسائل العلمية المنجزة في الأدب والسينما والفن بشكل عام من الإشارة إليه، كأحد المهتمين والمهمين في هذا المجال. ولد في بغداد في حي الأعظمية عام 36 عمل في وزارة العدل عنى بالأدب والصحافة منذ مطلع الخمسينيات درس التمثيل في معهد الفنون الجميلة وتخرج فيه عام 1964 شغل مناصب مهمة منها رئيس نادي السينما العراقي، نائب رئيس المركز العراقي للمسح، مدير قسم الأبحاث والدراسات في المؤسسة العامة للسينما والمسرح.
هكذا عملت الدراسة الإحصائية المتخصصة التي صدرت في مجلد يقع في 230 صفحة من القطع الكبير على رصد إسهامات المسرح العربي ورواده وسلطت الضوء على السير الذاتية للبعض، وإدراج نصوص مسرح الفصل الواحد بوصفها نصوصا نوعية ذات خصوصية. كما أشارت الدراسة إلى الموندراما وأشكالها ونوعياتها، وبالتالي فهي تعد واحدة من الدراسات المهمة التي حوتها مجلدات لها الطابع الأكاديمي البحثي الجاد والموضوعي.

كمال القاضي

 

http://www.alquds.co.uk/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.