في الفنّ الديمقراطي: كاتدرائيّة المستقبل

تعاني المكتبة المسرحيّة في البلاد العربيّة، فقرا مدقعا سواء في مستوى الكتابة أو في مستوى النقد. وقد ولّى ذلك الزمان الذي كانت فيه مصر تباهي بكتّابها ونقّادها من رجالات المسرح، وأكثر ما يُنشر اليوم من النقد المسرحي، مترجم أو هو من المتهافت الذي نكاد لا نظفر فيه إلاّ بعلامة واضحة الدلالة على بدء نضوب قوّته التي عرفها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وكنّا إلى عهد قريب نظنّ أنّ الكتابة المسرحيّة ستزدهر في تونس، وكدنا ننساق إلى هذا الوهم؛ ولكن لا شيء من ذلك. والمسرح يهجر اليوم ـ على ما يبدو ـ مراكزه في المشرق العربي، إلى الأطراف؛ وتحديدا إلى المغرب الأقصى حيث تُنشر منذ أكثر من عقدين أعمال نقديّة مسرحيّة جادّة. من هذه الأعمال كتاب جماعيّ في المسرح هو «المكان المسرحي: تحوّلات معماريّة وسينوغرافيّة» (كلّية الآداب ـ سايس ـ فاس)؛ أنجزه في السنوات الأخيرة، فريق من الباحثين هم سعيد كفايتي وابراهيم عمري وعبد الله زروال ومصطفى ادريزي وعائشة التازي. وقد تضافرت جهودهم في إعداد هذا الكتاب الذي يمكن اعتباره مثالا للعمل الجمعوي والتكتّل الثقافي العلمي في المغرب. وهي صيغة من العمل بدأت تؤتي أُكلها في بعض أقطار المغرب العربي؛ وما أحوجنا إليها في عصر متحوّل كعصرنا، تكاد تضيق فيه فسحة العمل على انفراد أو في عزلة تامّة؛ وبخاصّة كلّما تعلّق الأمر، بمسائل وموضوعات وأجناس من الكتابة؛ هي من الوافد على أدبنا وثقافتنا، مثل المسرح الذي حلّت محلّه المسلسلات التلفزيونيّة.
الكتاب الذي نحن فيه، يرصد أظهر ثوابت الخشبة الغربيّة ومتحوّلاتها، من العصر اليوناني إلى القرن العشرين؛ في مستوييها المعماري والسينوغرافي، ويلاحق بلغة «مفهوميّة» [من المفهوم] مختلف كشوفاتها وأساليبها. ولا غرابة فالمسرح مكان بالأساس، وليس لغة كما هو الشأن في الأدب، واللغة زمان شأنها شأن المسموع. غير أنّ مصطلح المكان المسرحي، يعتريه لبس غير يسير؛ نبّه عليه الباحثون. ومردّ هذا اللبس إلى مصطلحات أخرى، تجاذب هذا المصطلح؛ وربّما أدّت المعنى ذاته أو جزءا منه. فهناك «المكان المشهدي»، و»الفضاء المشهدي»، و»الفضاء المسرحي»؛ فضلا عن مصطلحين آخرين ذائعين نديرهما على ألسنتنا بكثير من اليسر والسهولة، ولا نتنبّه إلى أنّنا نستخدمهما استخداما غير دقيق، في أداء معنى المكان، وهما: المسرح والخشبة. أمّا المكان المشهدي فهو يستوعب الخشبة والقاعة، مثلما يستوعب كلّ فضاء عموميّ أو خاصّ؛ مغطّى أو في الهواء الطلق، عامر أو فارغ، مؤقّت أو دائم. ويراد به تدقيقا مجال اللعب سواء كان دراميّا أو غنائيّا أو كوريغرافيّا. في حين يراد بالفضاء المشهدي فضاء الخشبة المرئي، أو على نحو أدقّ الفضاء الخاصّ بالممثّل وعلاماته المشهديّة. أمّا الفضاء المسرحي فيحدّده العرض المسرحي الذي يجمع بين الممثّلين وجمهور المتفرّجين. وهو يتألّف من المكان الفيزيقي (حضور الممثّل جسدا في علاقته بالمتفرّج)، والعلامات المشهديّة؛ ما يتحقّق منها، وما يمكن أن يتحقّق. ولا يتّسع المجال لفحص هذه المصطلحات التي لا يخلو أمرها من ارتباك، في ثقافتنا العربيّة الحديثة. وهو ارتباك لم يسلم منه الكتاب الذي نحن فيه، فقد عدّ أصحابه المكان المسرحي معادلا للفضاء المسرحي؛ بالرغم من أنّهم حدّوا الأوّل حدّا دقيقا. فهو المكان الذي يُؤدّى فيه حدث ما يجسّده ممثّل لمتفرّج، إيماءً أو لغة أو غناءً أو رقصا؛ أو هو المكان (ساحة ـ حديقة ـ فناء) الذي تُنصب فيه منصّة يحتشد حولها الجمهور؛ وليس البناية المسرحيّة أو المسرح فحسب، مادام المكان محكوما بالعرض الذي يضفي عليه طابعه المسرحي. في حين أنّ الفضاء المسرحي إنّما يشكّله ـ في ما يقرّره أهل الاختصاص ـ النقد المسرحي، والكيفيّة التي يتجسّد بها إخراجا وسينوغرافيا.
ومهما يكن فإنّ هذا الكتاب يُضاف إلى أعمال أخرى قليلة في الموضوع ذاته، لا نشكّ في أنّها تسدّ فراغا في المكتبة العربيّة (وأنا لا أتحدّث عن المكتبة الرقميّة)؛ حتى وإن كانت أهمّ فصوله منقولة عن الفرنسيّة نقلا أمينا حينا، وبتصرّف حينا. ولا ضير في مسعى كهذا، فالمسرح فنّ وافد على ثقافتنا؛ ولا مناص من الاستئناس في دراسته، بمناهج أهله ومباحثهم. على أنّي كنت أتوقّع من عمل جادّ كهذا، أن يتعدّى دراسة المكان في المسرح الغربي عامّة، وفي المسرح الفرنسي خاصّة، وما يتميّز به، على تطاول العصور من قابليّة التطوّر والتجديد؛ إلى تأثير ذلك كلّه في المسرح العربي، وبخاصّة في بلد مثل المغرب، وإلى حدّ ما تونس، يشهدان حركة مسرحيّة لافتة. ولعلّها حركة تترجّح بين شكلين متطرّفين: مسرح الشارع ومسرح المنصّة. ولكنّي أدرك أنّ عملا كهذا لا يمكن إلاّ أن يكون تأسيسيّا، فهو يستلزم مراجع علميّة دقيقة، هي من الندرة بمكان، في مكتبتنا العربيّة. وهي مراجع يُفترض فيها أن تحيط بالمكان المسرحي، كما نشأ في المدينة العربيّة، وبمختلف صيغه وأسسه الاجتماعيّة والجماليّة والتقنيّة، وأن تسائل مختلف بُناه وأشكاله الهندسيّة؛ كما هو الشأن في المكتبة الغربيّة، التي تتوفّر على مراجع أكثر من أن تُحصى، تستقرئ تاريخ البناية المسرحيّة، وترصد أهمّ التحوّلات المعماريّة التي شهدتها عبر محطّاتها الكبرى: الخشبة اليونانيّة فالمنصّات الوسطويّة والاليزابيتيّة ومنصّات الكوميديا المرتجلة، فالمسرح على الطريقة الايطاليّة الذي قادنا لمساءلة المكان المسرحي مساءلة حادّة جادّة.
ولا غرابة في هذا كلّه، فالمسرح فنّ «ديمقراطيّ» بامتياز. و»دمقرطة» الفنّ المسرحي، كانت ولا تزال من مشاغل الكتّاب والنقّاد والمخرجين في الغرب. وهم يحرصون كلّ الحرص على إقرار مبدأ المساواة مشاهدة واستمتاعا. وممّا جاء في مجلّة «الفنّ الدرامي» 1899 أنّه «يجب من أجل سلامة الفنّ أن نُشرع له أبواب الحياة. يجب أن يٌقبل فيه جميع الناس. يجب أخيرا إعطاء الكلمة للشعوب، وتأسيس مسرح لكلّ الناس، حيث يُبذل جهد الجميع من أجل إسعاد الجميع.»
وفي ذات السياق، كتب رومان رولان عام 1903: «لست في حاجة من أجل مسرح للشعب، سوى إلى قاعة واسعة… من الأفضل أن تكون متحدّرة؛ بشكل يتيح مشاهدة جيّدة للجميع، وفي أقصاها أو وسطها منصّة عالية فارغة… وثمّة شرط واحد، وهو أن يكون بمستطاع الخشبة شأنها شأن القاعة، أن تكون مشرعة على حشود الجماهير، واستيعاب شعب، وأفعال شعب». وأطلق أدولف آبيا شعاره الشهير «سيكون المسرح كاتدرائيّة المستقبل». ولعلّ هذا ما يفسّر الدعوة عند أهل الضفّة الأخرى، إلى بعث الطقوس الاحتفاليّة، وإلى إلغاء قاعدة الفصل بين الخشبة والقاعة، وتوحيد المكان المسرحي؛ أو الدعوة إلى إضفاء طابع «مواضعاتي» على الفضاء المشهدي. ويفترض فيه أن يجسّم ساحة ثلاثيّة الأبعاد، من شأنها أن تتّسع لأداء الممثّل الصوتي والحركي والإيمائي؛ مادام فنّ الممثّل في هذا المسرح الحديث هو قطب العرض المسرحي، وما إلى ذلك من دعوات أخرى تتعلّق بتقنيات المؤثّرات الصوتيّة مثل تضخيم الأصوات المسجّلة أو تقنية الصوت البانورامي مثلا، أو تلك التي تداخل الفنّ السينمائي من أكثر من جانب؛ كما هو الشأن في المسرح الشامل والمسرح المتحرّك.
وهي أنماط وأشكال من المفروض أن تعقد أكثر من علاقة بين القاعة والخشبة؛ على أساس من حركيّة الفضاء المألوفة أو السائغة لدى جمهور السينما. فهذه وغيرها ممّا يقف عليها مؤلّفو الكتاب، بكثير من الدقّة والتفصيل؛ تشكّل الأسس التي تنهض عليها مساءلة المكان المسرحي في الثقافة الغربيّة، وما أفضت إليه من صيغ مكانيّة؛ بعضها يلغي التصميم التقليدي للقاعة على الطريقة الإيطاليّة. وهو تصميم أشبه ما يكون بحدوة الحصان، وبعضها يدعو إلى المنصّة العارية والمسرح الدائري، ومسرح الحلقة الخشبيّة أو تحويل السيرك إلى مكان مسرحي، أو إعداد خشبات ومدرّجات مُوَقّتة؛ انطلاقا من تصوّر قبليّ لأمكنة العرض، مادام كلّ نوع دراميّ يتطلّب مكانا مشهديّا مخصوصا؛ ولكن في سياق يظلّ محكوما بّدمقرطة الفن المسرحي، عسى أن يسترجع هذا الفنّ العريق سليل الشعر، بعده الشعبي.
ممّا يؤثَر عن الفرنسي تين قوله «يمكن أن نعتبر الإنسان حيوانا أرقى يقرض الشعر، كما تنسج دودة القزّ شرنقتها، وكما يبني النحل خلاياه». ونظنّ أنّ في هذا ظلما للنحلة، وحيفا على دودة القزّ. فالأولى تبني، والثانية تنسج. وكثير من المسرح الحديث هو مثل الشعر، أشبه بتوشيع الصوف بعد ندفه، حيث تدير المرأة غزْلا باليد على الإبهام والخنصر؛ عسى أن يدخل في القصبة، ولكنّ الخيوط لا تدخل، فتعيد لفّها ثانية وثالثة، وهكذا دواليك دون كبير جدوى. ما الحلّ؟ لا أدري، ولا أنا بالمؤهّل للإجابة؛ في عصر، صار فيه للفيسبوك والمواقع الاجتماعيّة عامّة، من السطوة ما قد ينسخ تأثير هذا الفنّ العريق، وهي الأعلى صوتا، وأجلى صورة.

منصف الوهايبي

 

http://www.alquds.co.uk/

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.