(عين) «الزومبي والخطايا العشر»: طبيعة «المواطن الصالح» ومأساة الاختلاف – مصر

عدة قضايا يُناقشها العرض المسرحي «الزومبي والخطايا العشر»، الذي يقوم على إعداد لعدة أعمال تتعرّض لمدى ما تحاول السُلطة فعله في الإنسان، بأن تحوله إلى مجرّد آلة، تسمع وتطيع، وتنسى روحها ووجودها. فساد أشكال السلطة المتعددة، سياسية، عسكرية ودينية، جعل النص يتجاور مع نصوص عالمية شهيرة، كروايتي جورج أورويل «1984»، و»فهرنهايت451» لراي برادبري، وكذلك بعض نصوص لوديع سعادة.
هذه التركيبة الدرامية خلقت نصاً مغايراً لما هو سائد من نصوص المسرح، وبالتالي شكل العرض المسرحي، الذي استوحى تقنياته من نموذج ما بعد الحداثة، الهادف بالأساس إلى إسقاط المقولات الكُبرى، والرأي الأوحد ووجهة النظر التي تظن أنها الوحيدة القادرة على تفسير العالم، وتقديم نموذج من الممكن أن يكون فيه خلاص البشر مما يُعانونه.
العرض من إنتاج مركز الهناجر للفنون، إعداد طارق الدويري ونشوى محرم، ديكور محمد أبو السعود، أزياء نشوى معتوق، تصميم إضاءة أبو بكر الشريف، موسيقى ومؤثرات صوتية كاميلليو، مادة فيلمية عمرو وشاحي، مخرج منفذ عمرو شوقي، إخراج طارق الدويري، وأداء مجموعة من فناني المسرح الشباب، منهم.. أحمد مرعي، أشرقت إسلام، أحمد وحيد، ريهام دسوقي، نشوى محرم، إسماعيل جمال، إسلام سمير، بكر محمد، محمد نشأت، نوران عدلي، عبد الله شكري، دينا ممدوح، ملك عبد المعطي. مُشاركة صوتية أحمد مختار وحمادة شوشة. أقيم العرض بقاعة هدى وصفي في مسرح الهناجر، في دار الأوبرا المصرية.

العنوان وتناقضاته

تبدأ حالة التناقض ــ التي تمتد إلى العرض وفكرته الأساسية ــ من العنوان نفسه، فالزومبي هو شخص ميت أُعيد إلى الحياة مرّة أخرى، ليصبح تحت تأثير قوى خارقة، تجعله مُرعباً، من دون روح، يرى في القتل والعنف صورة وجدوى لحياته.
فهو في النهاية شخص ميت. الأمر الآخر هو الخطايا العشر، وهي مخالفة لما تم الاتفاق عليه من الوصايا العشر، التي أتى بها الكتاب المقدس، هذه الوصايا أصبحت خطايا الآن، لأنها في جميع الأحوال تلغي العقل والوجود الإنساني، وتجعل الإنسان فقط أسير تعاليم، تحاول أن تصوغ له الحقيقة، وأن يحاول العيش من خلال هذه الوصايا/الخطايا فقط، من دون ان يختبر ذاته وفق هذه المقولات أو التعاليم. فلا وجود للفرد، ولا وجود لإعمال عقله، فقط قطيع، وهو ما يمكن تسميته في عُرف السُلطة بـ (المواطن الصالح).

حياة القطيع

تبدأ صياغة هذه الحياة من خلال سيطرة وسائل الإعلام، التي تقوم بعمليات مستمرة لغسيل مخ المخلوقات ــ صفة الإنسانية انتفت تماماً ــ جهاز التلفزيون الذي يبث معلومات مغلوطة، تعمل على تشكيك القطيع في حواسه، بان تظهر يد وترتفع بعض من أصابعها، ويسأل في آلية: كم إصبعا ترى؟ لتكون الإجابة ثلاثا مثلاً، حسب عدد الأصابع المرفوعة، ليذكر الصوت بأن الإجابة خاطئة، وأنهما اثنان، واثنان فقط، فلا يجد القطيع سوى ترديد الكلمة، وهنا يعلو الصوت بأنها إجابة صحيحة، ويبدأ التصفيق الآلي من جهاز الأكاذيب، فيطمئن القطيع لهذا الانتصار المعرفي الوهمي، ويخضع لمقولة الإجماع. هذه هي الوصايا/الخطايا في أبسط صورها، فالجميع سواسية في الخيبة والخوف والفزع وقِلة الحيلة.

السُلطة وأشكالها

ينتقد العرض السلطة وأشكالها المتعددة، التي تبدو في صورة رجل السياسة، أو الرجل العسكري، وأخيراً رجل الدين، هؤلاء من مدمني تصدير التعاليم والأوامر إلى الجميع. هنا يسخر العرض من هؤلاء، فقام بتجسيدهم من خلال تكوين جسدي ضخم، لتبدو سيطرته المفرطة، إلا أن هذا الجسد، حيث الرأس الضخم وتفاصيل الجسد التي لا تتناسب وهذه الضخامة، فصاحبه مشوّه على جميع المستويات، فلابد أن تكون النتيجة عبارة عن كائنات أكثر تشوّهاً، طالما أنها تصدقه وتدور في فلك تعاليمه.

مفردات العرض المسرحي

اجتهد العرض المسرحي طامحاً إلى كسر الشكل التقليدي للعروض المسرحية، وهو بذلك حاول التوفيق ما بين شكل العرض ومضمونه في التحريض على الخروج من دوائر الخوف والعزلة النفسية بالأساس. اعتمد في البداية على التعبير الإيقاعي للممثلين، حيث الحركات المتوترة والعصبية في أغلب الوقت، إضافة إلى الاعتماد على الإعلانات التجارية التي تبشر وتؤصل لعالم مُرتجى ــ استهلاكي في المقام الأول ــ ومن خلال الصوت والموسيقى والإضاءة أصبحت أفعال الممثلين تدور في ما يُشبه عالم الأشباح .. ضجيج، صراخ، دقات قاسية رتيبة تكاد تصم الآذان، كرسي متحرك تجلس عليه امرأة، أو تدفعه أمامها، أو تطوف حوله في حيرة. عالم من الكوابيس، التي لا مفر منها، كلمات وهمهمات غير مفهومة، حتى اللغة تسقط في مسيرة التشويه، فكل هؤلاء الشخوص يفقدون إنسانيتهم تماماً، ويصبحون كالموتى، لا روح ولا وعي، فقط العمل وترديد وتصديق بيانات ومعلومات صندوق اللعنات.

ما بعد الحداثة وحدود التلقي

استمد العرض شكله من تقنيات ما بعد الحداثة، من تجاور الأشكال والعناصر، أداء تعبيري ورقصات تم الاستعاضة بها عن الكلمات، كذلك اللقطات المُصوّرة، العرائس الضخمة، الغناء. هناك كسر متعمّد ومقصود لشكل العرض التقليدي، وهو ما خلق مساحة كبيرة من الحرية في عملية التلقي، فالمشهد المسرحي وتصميم الحركة المسرحية لا يمكن متابعته بسهولة، ولا تحيطه عين المشاهد وكأنه لوحة كاملة، لك الحرية في أن تتابع لقطة أو عدة لقطات من المشهد، بخلاف بعض اللقطات التي يمكن تحديدها بصرامة من خلال الإضاءة. هذه الحرية في عملية التلقي، رغم الإجهاد البصري والذهني المُصاحب لها، هي في ذاتها نغمة تحريضية لكل ما يحدث على خشبة المسرح، حالة من الخطر يستشعرها المُشاهِد، وتأصيل لحالة مخاطرة في التلقي، هنا لا توجد حقيقة يريد العرض تنبيه المتلقي بأن عليه ضرورة اتباعها، ولكن له ان يُعيد صياغة ما يُقدّم له من خلال ذاته ووعيه، وأن يتمثل بعض مما يُشاهده من خلال ما يعيشه ويحياه بالفعل، وعليه في النهاية أن يختار إلى أي فريق ينتمي في حياته.. إما أن يكون مواطنا صالحا يخسر نفسه، وإما أن يكون مُختلفاً فيتحمل مأساة اختياره.

محمد عبد الرحيم
القدس العربي

عن عبد الجبار خمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.