«صف الموتى» بين المسرح والتحليل النفسي

ليس أجمل من ان تقضي ظهر أحد ماطر في مدينة ميونخ متجولا في قاعات وزوايا متحف الفن الحديث سوى ان تباغتك المفاجأة بما لم يكن متوقعا أن تراه هناك.
«صف الموتى» العمل الذي يتوسط فضاء احدى القاعات وحيدا يدق بسرعة على حافة قلبك لحظة تراه، أربعة من المقاعد الخشبية المتراصة تحمل سبعة تلاميذ من الدمى تبدو للزائر من بعيد كتلة واحدة صعبة على الإختراق مثيرة الغموض، لا تجد نفسك إلا أنت قريبا منها لتبدأ بعدها بالدوران مرة واثنين وثلاثة، زاوية واحدة
لا تكفي لأن تحيط بتلك القوة الكامنة التي لا تزال تسكن وجوه هذه الدمى حتى بعد أكثر من ثلاثين عاما على حدوثها.
«صف الموتى» يخلد ذكرى أشهر مسرحيات القرن العشرين لتادووتش كانتور التي عرضت للمرة الأولى عام 1975 واعيد عرضها حوالي الألف والخمسمئة مرة بعد ذلك. كانتور الذي بدأ حياته رساما ونحاتا أصبح واحدا من أهم المخرجين في تاريخ المسرح لاحقا وتعتبر «صف الموتى» نقطة التحول العالمية في مسيرته الفنية وأشهر ما قدمه في مجال المسرح التجريبي الذي يعد من أهم رواده.
قدم كانتور مسرحا اعتمد على الصورة بشكل أساسي أكثر من النص، حيث وجد بذلك طريقا لكل ما يريد ان يقوله في ظل ديكتاتورية الاتحاد السوفييتي دون ان يكون عرضة لخطر الاعتقال، فالصورة بتأويلاتها الكثيرة أحيانا لا يمكن أن تخضع لذات المحاسبة الشديدة التي يمكن ان تخضع لها الكلمة.
اختار كانتور قبوا يمتد تاريخه للعصور الوسطى مكانا لعرض «صف الموتى» الأول حيث حشر في أحد زواياه خمسة من المقاعد الدراسية الخشبية المهترئة يشغرها أحد عشر تلميذا من العجائز تلحفوا باللون الأسود وطلسوا وجوههم بمساحيق من الأخضر الشاحب حيث يأتيك الإنطباع بأحد عشر شبحا وكأنهم عادوا توا من الموت، بينما قام كانتور نفسه بدور مدرس الصف وفصلهم جميعا عن الجمهور الملاصق لهم حبل واحد في رمزية اختارها كانتور أقرب لوضع الجمهور في خانة ممنوع الاقتراب، إشارة إلى الانفصال الواضح بين الزمنين.
في صمت مطبق يبدأ التلاميذ أشباه الموتى بالوقوف ورفع أيديهم كمن يريد الإجابة على سؤال لم يطرح أساسا، ثم يهمون بمغادرة مقاعدهم وهم يتراجعون للوراء قليلا قليلا في حركة آلية غير طبيعية حتى يختفي أثرهم في الظلام ثم يعودون للظهور مرة أخرى في «الموكب العظيم» كما يسميه كانتور على انغام فرانسواز فالس وقد طوق كل منهم بدمية تقليدية لتلميذ صغير ترافقه في حركة دورانية حول المقاعد الخشبية تتكرر فيها الكثير من التصرفات التي تبدو غير منطقية للوهلة الأولى تفسرها بعد ذلك بقية مشاهد المسرحية.
يبدو «صف الموتى» من اللحظة الأولى للمشاهد رؤية يائسة وخائبة للحياة تتمثل في المقابلة التي وضعها كانتور بين مجموعة البالغين أشباه الموتى أمام مجموعة لأطفال من الدمى الجامدة التي لا تشيخ ولا تموت، عادوا مطوقين بها بعد حركتهم المرتدة إلى الوراء، هذه النتيجة المشوهة من الرغبة في العودة إلى الماضي هي التعبير المرادف للخوف المتفجر عن فكرة المعرفة المكبوتة (كما يعرفها فرويد). بمعنى آخر هو هاجس الخوف اللاواعي الذي يسكننا، الخوف من الشيـــخـــوخــــة والموت واليــقين بحقـــــيقتـــهما التي لا بد من حدوثها، اليقين بإستحالة الفرصة الثانية.
سلط كانتور من خلال هذا المزيج بين التضاد الصريح لأجساد حية تبدو كالموتى ودمى أطفال تقليدية لا يمكنها ان تموت الضوء على شكل ماضي طفولته الضائعة خلال الحرب العالمية الاولى كما لم يفعل أحد من قبل، بل ذهب بها الى أبعد من ذلك، حيث سلط الضوء على الماضي المؤلم والضائع لأجيال كاملة من أبناء مجتمعه البولندي.
رغبة كانتور في سبر جوهر الموت الحقيقي الذي عانت منه أجيال الحربين العالميتين منذ الطفولة كانت صدمة الجمهور الكبرى على خشبة المسرح. في حديث مع برفيسور ستاشورا في جامعة آدم ميكيويز عام 2011 قال «إن (صف الموتى) قد تسببت في حالات إغماء لبعض الحاضرين من الجمهور نتيجة الهلع من هاجس الموت الذي استحضره كانتور وأراد ان يواجه الجمهور بحقيقته وذاكرته».
عمل كانتور على أن تكون ثنائية الشخص والشيء حاضرة بقوة في «صف الموتى» حيث ترافقت معظم الشخصيات بعناصر مختلفة (كالدراجة، السوط، النافذة والمرحاض ….الخ ) كإشارات من الماضي الفردي البائس لكل منهم، الماضي الذي لا يزالوا يرزحون تحت وطأة تأثيره حتى اليوم. عملت هذه الثنائية على تشييء الكائن
الشخص وتفريغه من معنى الحياة فأصبح هو الحي الميت في الوقت نفسه. يقول نويل ويتز في كتابه عن كانتور «الإضافات المادية التي قدمت للشخصيات ساعدت على توطيد العلاقة بين الحياة والموت بالتعامل مع الشيء وشخصه على أنه شخصية واحدة في العمل».
وكان لسلوك الوسواس القهري الذي مارسته شخصيات «صف الموتى» على اشيائها دورا مهما ذو بعدين في شرح طبيعة الحياة التي سلبت روحها واودي بها إلى مهالك الموت البطيء فتحولت إلى عقدة من جهة وتفسير عملية السعي الدائم للتخلص من هذا الهاجس، هاجس الماضي المؤلم بإستعادته وتكراره مرة بعد أخرى دون إرادة بهدف التحرر منه من جهة أخرى وهنا يأتي مثال المرأة وسوطها كأحد الأمثلة العنيفة التي عبرت بشكل مؤلم عما شهدته طفولة هذه المرأة حيث تقدمت إلى ساحة المسرح وهي تسحل جسد التلميذة الصغير (الدمية) التي ربطت يداها على خصرها من الخلف والتصق وجهها جانبيا بمؤخرتها بينما تدلى الجسد إلى الأرض وسحلت الأرجل منتعلة حذاء أسود ثقيلا يقاوم حركتها من التقدم لتبدأ المرأة بالدوران بعدها حول المقاعد في حركة دائرية ضمن «الموكب العظيم» ثم تضرب الأرض بسوطها بقوة ثلاث مرات متتالية كلما وصلت مجددا إلى المقدمة، في تناغم مع ايقاع الفالس وبوجه تملؤه تعابير الحقد والقسوة.
يبدو المشهد مرعبا وخاليا من الشفقة وتظهر المرأة للحضور كآلة تعذيب تسحل تلميذة المدرسة الضعيفة خلفها طوال الوقت التي تبدو كمن فقد الأمل في الخلاص بيديها المكبلتين بإحكام حول خصر صاحبتها، هذا المشهد المليء بالتوتر العالي بين حركة المرأة وشكل الطفلة (الدمية) التي بدا وكأنها تحاول جاهدة أن توقف من حركة صاحبتها دون جدوى، أثار بعمق حالة من العنف النفسي على المشاهد الذي أدرك لاحقا بان هذه الطفلة هي هالكة لا محالة، وهي ضحية أخرى من ضحايا الحروب الفتاكة.
«صف الموتى» العمل الذي ينتمي إلى ثلاثية مسرح الموت أهم ما قدمه تادووتش كانتور في تاريخه الفني والذي حاول جاهدا ان يسلط الضوء به على مفرزات الحربين العالميتين ويضع آثارها النفسية الوخيمة على من تبقى على قيد الحياة تحت المجهر، يحتل مركزه بجدارة في الصف الأول لنصوص المسرح العالمي الخالدة والخلود
هنا لم يأت عبثا البتة، فملحمة الألم التي تسردها «صف الموتى» هي إنسانية في صميمها لا تخص شعبا أو عرقا بعينه، بل تلامس بشكل مباشر وعميق جميع ضحايا الحروب وتحاكي آلاماهم وتتكلم بأسم معاناتهم في كل زمان ومكان.
اليوم في عالمنا العربي لا ندري كم صفا من الموتى لا يزال يلزمنا قبل ان تتوقف ماكينة الحرب وتخلد أروحنا إلى السلام الأبدي.

حلا يمليخا

http://www.alquds.co.uk/

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.