جواد الأسدي يروي سيرته في «مسرح النوْر المُرّ»

عن سر المسرح وماهيته وخاصيته، وعن معنى تلك «المنصة التي يتحول فيها الناس إلى كائنات من نوع آخر» يرمي جواد الأسدي متوالية من الأسئلة الجمالية المحيرة. وهو يحاول أن يستجمع تاريخه ووعيه ومزاجه المسرحي داخل كتاب صادر حديثاً عن دار الفارابي بعنوان «مسرح النوْر المُرّ». لكأنه يكتب سيرته مع «جماليات النصوص المسرحية التي تتحول على لسان الممثلين إلى مقاطع شهوة ولذة، وكشف عوالم شخصيات مسكونة بالحب واللهفة والاحتراق، والبوح والاعتراف والصلاة، والجنون والموت». مع اعتراف صريح بأنه لم يجد الأجوبة الشافية على تساؤلاته، التي يمكن من خلالها الوقوف على «خلاصة لذلك الفردوس الذي يبنيه المسرحيون على أنقاض جحيم يعيشونه يومياً، على الأرصفة والبيوت والنفوس».
من ذلك المنطلق التساؤلي المتمادي في تعميق لغز المسرح صار يبحث عن «طعم المسرح» ويتتبع آثاره بالعودة إلى ممره النوراني الساطع، الذي يقذفه إلى العوم في الينبوع الأول، أي في المكان المفتقد. وخمّن أن جاذبيته تكمن في «إقامة عالم شعري في حياة لا شعرية، أو منصة للحرية، حيث تستطيع الشخصيات أن تعبر عن مكنوناتها من درن خوف مقارنة بحياتنا المسكونة بالخوف، أو أن نحب حبيباتنا ونطلق العشّاق لسرد حكائي شعري لا يمكن العثور عليه في حياة مملوءة بالتعسّف وبيوت مسكونة بالجوع، وثكنات مملوءة بالموتى، وسجون محتشدة بالمحرومين!». وعلى هذا الأساس عاد بمخيلته على نحو استذكاري إلى بغداد، حيث الفن والأصدقاء وفرقة المسرح الفني الحديث، وحيث الينابيع الخصبة التي «رضع منها المبدعون العراقيون وأسسوا مسرحهم الأكثر التصاقاً بآلام الناس».
في بلغاريا لم يتعلم أبجديات اللغة وحسب، بل تعرف على الطابع الإنساني والمعاشي لأولئك البشر وثقافتهم الروحية. وصار أكثر اقتراباً من مفهوم المخرج المعاصر. ليتمكن من التفريق بين المخرج المنفذ والمخرج المبتكر. كما اكتشف أن «المسرح في أوروبا ينتعش خارج المحرّمات والتابوات والتحديدات والمهمات المرسومة مسبقاً»، إذ لا يوجد ما يعيق عمل المخرج مقارنة بالدول العربية. ليسافر في ما بعد إلى دمشق ليجرب أول بروفاته المسرحية «الحفّارة» كأول عمل احترافي اختباري وسط أسرة عمالية صميمية، باعتبارها موضوعاً عالمياً يعالج قضايا العمال.
جواد الأسدي مسرحي شديد التماس بالحياة من خلال انغماسه بالنص والطقس. فهو على درجة من الافتتان بغارسيا لوركا «حين أتهجى قصائده يجرفني شعور غاية في الغموض واللذة وتيار عنيف من الألم والحسرة». وبمجرد أن حصل على رواية «هيجان» في دمشق انتابه شعور غامض بالانقباض والحزن، وأحس أن سكيناً ما تتسلل إلى خاصرته «كنت أسمع بكاء قادماً من بيت مسكون بالنساء». وعندها أحس بالحاجة المفاجئة للذهاب إلى ضريح السيدة زينب، لاستلهام «بلاغة وجماليات الذاكرة العاشورائية» كما كان يفعل بصحبة سعد الله ونّوس. لم يكونا على تلك الدرجة من التدين، إنما كانا بصدد ابتكار نص فيه تلك الضراوة. وقد تمنى لو أن أخاه عبدالله الأسدي يؤدي دور لوركا، فهو يشبهه بشعره الطويل وسحنته السمراء وقامته الطويلة، لولا أنه مجرد سائق تاكسي. وفيما كان يقلب خياراته جاءه خبر إعدام عبدالله لتتطابق نهايته مع نهاية لوركا.
السحر والساحر والسحري، مفردات يلح عليها من خلال البروفات كما يقول، لطرد كل ما له علاقة «بغبار التمثيل البائد، المرتكز على الكليشيهات، ذلك الذي يمشي بصحبة الجعجعة الصوتية الخارجية، والإشارات المتلوفة». ولذلك يحاور الممثلين في حلقات تحليلية للنص بما يخدم التوجه الجمالي، من خلال تعامله مع ممثلين من مختلف الجنسيات واللغات والثقافات والمزاجات، ليعطي البروفات ما يسميه بحالة الإشعاع الطهرانية الابتكارية، التي تتعافى فيها الروح والجسد من المكرور واليابس والميت. كما طبق هذا الدفق الروحي مع الممثلين الأسبان في مسرحية «رأس المملوك جابر».
كل شيء يتمسرح في باله، حتى وصية أمه وهو يغادر بغداد «أوصيك أيها الفتى الذي وقعت عليه واقعة الغياب، أن تحمل بلادك مقل نخلة باسقة، إذا كانت بلادك لا تقوى على حملك». بينما كانت تحضّر أمام باب الرحيل طشتاً كبيراً من الماء ترشه على غيابه. وهكذا ظلت وصية أمه تلاحقه في كل ممرات ومنعطفات حياته، كما يستذكر حاله ومآله «معلقاً بلا سقف، بلا سند، من دون ينبوع، بلا ثدي وبلا طمأنينة». ولم يكن يصدق أن رحلته في تلك الليلة ستكون على تلك الدرجة من التأبيد. وكلما زاد بعده تورم جسده بدم الرجوع. إذ ليس للعراقي أي فردوس كفردوس بلاده. وهذا ما كان يقوله ويردّده على مسامع المطرودين من فراديسهم. وخلال كل تلك الاقتلاعات الروحية والجسدية لم يتلاءم مع أي سرير. كما أصيب بفقدان الشهية لأي انتماء أو ولاء. وهو يغوص في ما سماه حفرة الغربة المريبة.
هذا هو ما دفعه لأن يدير نصه نحو تلك المصطبات المنغرزة في الحدائق الشرهة. أي إلى نص «المصطبة» لترسيخ الهامشي والمنسي من كينونته. وتجسيد حال أولئك الذين «ينامون مع العدم على مخدة ريح واحدة، أو اللاهثين وراء الرماد، أو المستأنسين بالعبث المستأسدين على منصات السكوت في تماهٍ مع عزف سرّاني على نص جحيمي مؤجل». وبذات العبارات المجازية الجانحة يواصل جلوسه في السكوت، وولاءه للرذاذ، أو هكذا أسس نصه من الإحساس بالجوع للوطن، كما أنشده بمقتضى وصية أمه «إذا كنت لا تستطيع أن تحمل وطنك المستحيل، وطنك النائي، وطنك النائم في الغفران، وطنك المسبّي، فاحمله على ظهرك، في صرّتك، طرّزه على مناديلك، أغرزه في مهجتك».
وهكذا صار ينثر وطنه على الورق، مع إحساس بالحيرة عن نوع الذاكرة والنبع الذي سيبدإ منه «من أين سأغرف؟ من أيّ بيوت؟ أيّ شبابيك؟ أيّ طقوس؟ من أي وجع، أيّ أفراح؟ من هم الناس الذين يراودونني في المنامات، في اليقظة؟ أيهم يلح عليّ؟ من أي باب سأدخل؟ أكثر من بيت وسكّة حديد، أكثر من نهر، أكثر من شارع، أكثر من إشارة، أكثر من أغنية، أكثر من عباءة». هكذا ارتد على إعادة كتابة النصوص العالمية ليكتب نصه من خلال عبدو، الذي يستخرج المقص من جيبه ليقصد الهواء، ليجرح هواءه.. يجرح أنوار روحه، ليطل على كل ذلك التكدّس البيوغرافي المريع في داخله، الذي كوّن، من منظور الأسدي، ولداً ممسوساً وحكيماً.
«مسرح النوْر المُرّ»، كتاب مؤسس على السؤال والذاكرة والخبرة وعشق استثنائي للمسرح، ولذلك تُستأنف الأسئلة في كل مفاصله لتتعبأ بإجابات المجرب والعارف «لست أدري ما إذا كان هذا العصر يتسع بعد لمفهوم الرسولية، باعتبار أن المسرح حالة نخبوية فردية تشبه إلى حدّ كبير عمل المتصوّفة أو الكهنة أو المسوسين حول أهمية الوجود وماهيته والبحث عن الذات الفردية والجمعية عن الوجودي المعرفي». ومن تلك الزواية الانحرافية، بمنظوره، صار يبحث عن «الممثلين المنتزعين من صخب الاستهلاك التواقين إلى المسرح، كونه خلاصاً عقلياً وجودياً وجسداً طهرانياً!». فيما يقر بأنه يخوض في المستحيل وأن العثور على هذا النوع من الممثلين أمر شاق، لكن التجربة أكدت له حقيقة لا بد منها «مسرح أو لا مسرح».
الممثل كريستال المسرح، بتصوره. وهو لا يمل من هذا الشقاء.. شقاء التقاط الممثل الخلاق، في الوقت الذي يقذف فيه بمتوالية أخرى من الأسئلة المحتقنة بالدلالات «هل المسرح بالنسبة إلى الممثل غاية أم ذريعة؟ جوهر المعنى أم شكل المعنى؟ عزف سياحي، أم لحظة وعي خلاّقة بالإحساس بالعالم؟ هل الانتماء إلى المسرح لأجل وجود وحضور برستيجي، إعلامي، طلباً للشهرة؟ أم أنه كشف عن خلل وجودي أو بحث عن سعادة وجوديّة قصديّة؟». ليجيب بلهفة مسرحية ومن واقع أمثلة حية «التمثيل ليس مجانية حياتية، وهو ليس سفرة سياحية، ولن يرتقي إلا بالإيمان المطلق.. الإيمان النسبي، الإيمان المشروط. انتهازية الإيمان لن تؤسس أبداً ممثلاً ذا فرادة ولن تكون أداءً نارياً مشوباً بالسحر واللذة والجسارة!».
المسرح هو عقيدته، ولأنه كذلك توصل إلى نتيجة مفادها «عقم العلاقة بين المسرح والمجتمع الأصولي، بكل ما تحمله كلمة أصولي من واجهات ومرايا وانعكاسات، إذ كيف يمكن أن يزدهر المسرح مع الشغف بالعنف، والرغبة في تكريس سيادة الرأي الواحد، والطيف الواحد. وكيف ينمو المجتمع الديني مع ردّة سياسية واجتماعية تحيل الثقافة مرة أخرى إلى الواجهات المحرّمة». وهذا ما دفعه لمغادرة العراق ومواصلة فروض عشقه المسرحي في فضاءات أوسع، حيث يحتشد الكتاب بأسماء ومناسبات ومفاهيم مسرحية هي بمثابة مدرسة لكل من يحب المسرح، حيث يمكن القول إن الكتاب هو المعادل لسيرته المسرحية كمضمون. وكل ما فيه يؤكد على كون المسرح عقيدته التي لا يسمح لأحد بمفاوضته عليها.

كاتب سعودي

محمد العباس

 

http://www.alquds.co.uk/

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.