أخبار عاجلة

يوم المسرح العربي. بقلم : عبــاس عبد الغنــــي* #العراق

 

 

يوم المسرح العربي.
بقلم : عبــاس عبد الغنــــي*
المَسَرَحُ ذلك العالَمُ المَليءُ بالألغاز, المُمْتَلِئُ بالأفكار , الغاصُّ بالمَعَاني والمَدلُولات , المُحَبَبُ بِحُضوره عند الإغريق , المُخيف والمَمنوع بِوجودِه ِالديني في العصر المُظلِم,المُشَفَّرُ بالتقنية متى ما وُجِد, لم يشعر يوماً بالخطر من غزو التكنولوجيا للعالم , فَصافَحَها هو بلقائه المُباشر مع المتلقي, مُوَظِفاً المبادئ ومُستَثمِراً حُضور المُتلقي في مِحرابه المُقَدَّس, تكلَّمَ معهم , شَعَرَ بِمُعاناتهم تَوقَفَ في تَصفيقهم وأستمر بتشويقهم ومَدَّهُم بِشَهوَةِ المتعة, متألقاً بعبير العنفوان المُجدي , في عيون الأطفال رسم المسرح ابتسامته , في ربيع الثورات قال كلمته, ولم يكن يوماً متخلفاً عن عصره, في غزو المغول لبغداد نَطَقَ بِحُكمَهُ ,وفي زمن الإحتلال شَمَّرَّ عن ساعديه ليكون ذو مُسمىً معقول وغير محدود, في غزو الدكتاتورية لعقول المجتمعات البسيطة قال للعالم أَفيقوا فَقَد حانت ساعَةُ الصِفر, وَظَّفَ الفُنونَ جميعِها لتكون فعالة عبره,كان المسرح ولازال ثراً ,كان له أعداءٌ آخرون غيرَ الفَقرِ والجَهل ,أعداءُهُ كانوا غير مرئيين يختطفون الأرواح السامية لأبي الفنون ويفقدونه بريقه , كان المسرح غارقاً بجهل القتامة وبؤس المصير الذي أرادوه له ولاة الأمور, فكانوا غير مبالين ببؤس العامل عليه, والمُحِبِ له ,والقاصِدِ فَضاءَهُ المُقَدَّس.المَسرحُ كلمةٌ أولاً ,وهو تجاوزٌ للكلمة الحُرة الى الحركة البديلة , الى الصَلاة الإنسانية التي نَأَت بنفسها فأصبحت تُقلق الغُزاة, الطُغاة, وُلاةَ الأمور القُساة ,الجَهلة ,المُتَثَقِفُون ,الجاهلون, والمُتَعلِمون المُتَنَوِرون الواهمون المَغشوشون, أفسد عليهم لحظة التشفي به وبكهولته التي أثارت شباب التقنيات الحديثة, مهما تقدم به العمر فهو يبصر النور حين التقاءِهِ بنصفه الثاني –المتلقي- الذي يكمله في الوجود, يلملم جراحه ويواسي روعاته ويَترَحُ لأفراحِهِ, يحاكي الموجودات ويكلمهم ويكتم أسرارهم, أنه الشيخ الوقور العالِم بالمستتر واللامرئي أنه المتحول ,الثابت, المرموز والمعبر ,المسرح ذلك الكائن القابع على نفوس الحانقين على شخصنة الإنسان وحُريته التي وُلدت معه عندما قطعت الداية حبله السري ,فإنطلق بإرهاصاته, بحبه, بفكره, بعبقريته, بتشاؤمه وتفاؤله, بحزنه وفرحه, بخيره وشره, بيسره وعسره, بنوره وظلامه, ليقول عبر الأفق , أنه مازال يحتضن جميع الفنون , انه مازال يضغط على الجبابرة , ويكشف آلتهم الغمامية التي زيفوا بها حرية الفرد فشوهوا وجهته , طمسوا تاريخ الشعوب فأغرقوهم بوهم الشِعارات الزائفة , فأرتآى أن يبدأ بإصلاح ما أفسده الدهر, بدأَ حُراً ومَرَّت عَلَيه الأَزَمات , بدأَ في مطلع النهار, وفي أنين الإضطراب والعُسرة يَخرُجُ في فُسحةٍ من الليل,بعيداً عن أعين المرتابين ,وكانت له حكاية في مدينةٍ أصبحت أكثرَ قَتامَةً حين هاجم هذه المدينة الغُزاة من كل الجوانب, قيدوا حرياتها, وَصَموا بالعَارِ أعيُن نساءها, وأغلقوا فم رجالها, وشَلُّوا أضلاع أطفالها,بالسلاح أجبروا الكلمة أن تتقولب, بالتهديد قالوا للحرية أجثمي مكانكِ, أناسٌ غَيرُ مَرئيين كالجُبُناء , ومرئيين كالمرائين , قساةُ ,غلاةٌ, حفاةٌ ,عراة , في أُفُق الليل وتَنَفُسِ الصَباح نهض المسرح في هذه المدينة , غير آبه بالتهديد, غير مَفتَونٍ بِعَضلاته, غير مُقيد بالكتمان ,له كلمته , وهدفه الأسمى,له صفته وضوء ليله الأَبدي,خرج من صمتهِ و حكى للناس حكايةً عميقة في معانيها, عن طفل فُقِدَ في زمن الألم, فألتف أبواه ووضعوا يدهم في يد الناس , ليُخرجوا هذا المحتل المرائي بمرئيته , المنافق بعدم ظهوره علناً, فأصابوا هدفهم وهزموا كل أعداء المسرح في تعاونهم مع الطفل وأبويه, غرَّدت طيور الحرية على منصة الألم , وغدا المسرح في هذه المدينة عَلَماً على مدرسة الحياة , وبيرقاً ذو نور غير محدود , ليكون من وإلى الناس,هذه حكاية المسرح في مدينة أصابها الطاعون , فكان المسرح هو أوديبها الذي لم تتلطخ يداه بالدَنَس, كاهنها الحكيم,صَفَّقَ للمسرح قلوب الملايين , وأصبح في محرابه ملايين المُسَبِحين,آلاف المحبين, مئات العاشقين , عشرات الشكسبيريين, آحاد الكارهين, لأنه قال كلمته الفصل وهَزَّ كِيان الظُلم, لِيُجلِس مَلِكَ النور على عرش الحق ويكون هو التاج والصولجان.
المصدر:
صفحة الدكتور عباس عبدالغني في الفيسبوك

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح