أخبار عاجلة

“يوم أن قتلوا الغناء”.. صراع الفن مع التطرف وثقافة الموت #مصر

mas1

استقبلت مسرحية “يوم أن قتلوا الغناء” جماهير المسرح المصري كأول عمل يعود بعد توقف استمر 100 يوم بسبب جائحة كورونا، وجلبت معها أنماطا فريدة من الصراع والجدليات الكونية والإسقاطات المباشرة وغير المباشرة على الواقع.

لا تعتمد المسرحية الغنائية “يوم أن قتلوا الغناء” على نمط واحد من الصراع في أحداثها، لكنها تعتمد أيضا على شبكة متداخلة من الجدليات المتصارعة داخل البشر تم حشرها معا، لتمثل معركة بين الحب والكره، والتسامح والتطرف، والفن والتشدد، محبي الحياة والمتعلقين بالموت.

وقع اختيار البيت الفني للمسرح بمصر على المسرحية التي أخرجها تامر كرم ومن تأليف محمود جمال حديني، لتكون باكورة الأعمال التي يتم تقديمها للجمهور على خشبة مسرح الطليعة مع عودة الحياة جزئيا للمسارح، بدءا من السبت الماضي، بعد توقف استمر مئة يوم، بطاقة استيعابية لا تتجاوز 25 في المئة من المقاعد المخصصة للجمهور.

شقيقان متناقضان

mas2 2
سد نهم الجمهور الغائب عن العروض

يملك العرض، الذي استعان بالأداء الصوتي للفنان نبيل الحلفاوي، على مجموعة من العناصر المغرية التي تجعله مؤهلا للمشاهدة وسد نهم الجمهور الغائب عن العروض منذ تفشي فايروس كورونا، فالعمل يحمل إسقاطات شديدة الارتباط بالواقع، وقالبه الغنائي المرن الذي يخلق ارتباطا سماعيا مع متابعيه وحفظ بعض المقاطع الغنائية التي يرددها الممثلون.

ينطلق العمل الذي يشارك فيه 60 مصورا وعازفا وراقصا من شقيقين يستكملان رحلة والدهما في البحث عن سر الوجود، صعد كلا منهما جبلا من أجل التدبر ورؤية الحياة بعمق بنظرة سكون من الأعلى إلى عالم البشر في الأسفل، أحدهما “سِلبا” (علاء قوقة)، والآخر “مدا” (ياسر صادق) لتمر سنوات على حالهما، قبل أن ينزلا للبشر مجددا.

يتعرض “سِلبا” المادي الباحث عن إله محسوس للسرقة من قاطع طريق يسلبه ملابسه بزعم أنه لا يحتاجها فالبرد في القلب فقط، ويعتبرها رسالة إلهية بالعودة إلى البشر، فنزل إليهم صانعا تمثالا من الحجر تسيّد به قريته بمعاونة كاهن، وسن دستورا يكرس الخوف ويرفض الفن والغناء والحب وربما الحياة ذاتها باسم “صنمه المزعوم”.

على النقيض، كان الأخ الأكبر “مدا” يحمل الأمل للبشر بمشروع لبناء سفينة في وسط الصحراء، ويبث الأمل في نفوس الفقراء والمعوزين، يعدهم بطوفان عظيم سيمحو الظلم من الأرض لتطفو السفينة على بحر من السلام وأمطار من السكينة، على أن تعقبه موجات ثلوج تنقل حياة الصحراء إلى النقيض تماما.

مسرح المواجهة

يمكن تصنيف المسرحية كإحدى حلقات مسرح المواجهة الذي تتبناه وزارة الثقافة في مصر، بهدف محاربة العنف والإرهاب والتطرف عبر فنون المسرح، وإعادة توظيفه كقوة ناعمة للتغيير الفكري الإيجابي، لكنها تحمل أيضا روح مسرح الإسقاط السياسي، فقالبها الأسطوري يتضمن نقاشا عن العدالة والثورة وتوظيف الدين لاعتلاء السلطة، والسيطرة على الجماهير.

يتضمن الصراع إسقاطات مرتبطة بالواقع بين التيارات المتشددة التي تجرم المشاعر الإنسانية كلها بزعم مخالفتها للدين، فالحب فيها وفقا لقوانين “سِلبا” وكاهنه ممنوع، والضحك يتنافى مع الرهبة من الإله، والغناء وصمة عار تدفع بصاحبها إلى العالم الآخر.

يتبنى “سلبا” ومن على شاكلته في العالم الحقيقي خطابا يكرس دائما للخوف المستمر والفزع من العذاب والعقاب وكثرة الذنوب وصحيفة الأعمال السوداء والخطايا والجحيم الذي ينتظر البشر في عالم ما بعد الموت، لا يتردد لحظة في القتل باسم الدين، فالغناء مصدره اللسان، واللسان مكانه الرأس، وللتوبة والعودة للطريق المستقيم لابد من قطع تلك الرأس.

يدخل على الخط صراع نفسي فريد داخل عقل “آريوس” (طارق صبري) الشاب قوي البنية ضعيف العقل الذي تبناه “سلبا” منذ ولادته وجعله يده أو يد الإله المزعومة التي تقطع الرؤوس بسبب الحب، ويعيش في الوقت ذاته حرمانا عاطفيا فلم يجد من يحبه طوال حياته، ولا يستطيع الغناء مثل الآخرين بعدما “تملح صوته” وقلبه من كثرة الدم.

يعاني “آريوس” اليتيم الذي تمت تربيته داخل المعبد من رؤية أطياف من يقتلهم يمرون أمامه، يبتسمون ويغنون غير باحثين عن الانتقام، يسمع صوتا داخليا في رأسه لامرأة تنشد أنشودة لطلوع الشمس بصوت حنون، لا يعرف أنها والدته التي قُطع رأسها لممارستها الغناء مثل العشرات من الرؤوس التي يقطعها ليل نهار.

يروح “آريوس” المتردد ذهابا وإيابا بين شخصيتين إحداهما متعاطفة مع العاشقين والمغنين ويبحث في معانقة “مدا” عن الحب والحنان والاطمئنان، وشخصية أخرى لقاتل سيفه جاهز للطعن عند الطلب يتلذذ بقطع الرؤوس، حتى ينشط الجزء الخامل في عقله فيبدأ الغناء ويستل سيفه ضاربا الإله الحجري الذي مارس باسمه القتل والتنكيل للعشرات من السنوات.

يعتمد العمل كثيرا على التقابل الجدلي المتبادل بين السؤال والجواب والشيء ونقضيه ولا يحول ذلك دون ترابط العمل أو فقدان الانسجام بين الشكل والمضمون، ففي حوار “آريوس” و”مدا” يقرر الأول أن أسباب كرهه لإله سلبا المزعوم وجدانية صرفة فهو يخاف منه ويكشر في وجه ويعذبه ويجلده، و”مدا” يرد عليه عبر التساؤلات: كيف يكرهك هو يمد يده إليك؟ كيف يكشر في وجهك وهو يرسم الابتسامة على وجوهنا؟ كيف يبغضك وهو الذي علمنا كيف نحب؟ كيف يجلدك ويداه تداوي القلوب؟

يحمل الحكيم “مدا” الإنسان مسؤولية ما تؤول إليه نفسه، فهو الذي يجلد نفسه بإغراقها في البحر حتى إن يقطن الصحراء، موجات مياه افتراضية من القلق تتلاحق الواحدة تلو الأخرى، يخاف البشر العذاب فيعذبهم الخوف، ينتظرون الهلاك فيُحضِر الهلاك الانتظار.

الغناء هو الحياة

mas3 0
محاربة العنف والإرهاب والتطرف عبر فنون المسرح

يجعل العمل الغناء معبرا عن كل شيء في الحياة بحلوها ومرها، غناء عن الذين ينامون ليلا من شدة الجوع، ويعزفون في البرد لحنا يتماشى مع أصوات الرعد وخرير الماء المتساقط على أجسادهم العارية، ونشيد لمن يعشقون ويبنون عبر الكلمات المقفاة والأوزان والتفاعيل بيوتا من الأحلام.

كان الغناء المِعول الذي بنيت به السفينة برمزيتها للسعادة والسلام والرغبة في مستقبل تولد فيه أجيال جديدة تغسل الدنيا وتملؤها بالحب، أطفال صغار يلونون جدران حياتهم بالشعر؟ حتى دموعهم المنهمرة مستقبلا لن تكون من الظلم والقهر، لكن تعبيرا عن السعادة لإنسان يحيا ويسعد ويذرف الدمع بقدر ما يحب.

تمثل نهاية المسرحية انتصارا للعقل والإنسان والحب والغناء على التطرف والقهر والظلم، فالطوفان يأتي أخيرا بسماء حبلى بالغيوم والمطر، تحول الصحراء إلى بحر والسفينة إلى حياة جديدة ركابها عاشوا من أجل الجمال والفن، وذاقوا حلاوة الدفاع عن فكرتهم ومشروعهم.

تعاني المسرحية من بعض السقطات فأغلبية الصراع تركز في نصفها الثاني، واستهلك الجزء الأول وقتا طويلا في التمهيد للشخصيات مع طول كبير في الجمل الحوارية، ومحاولة إظهار الفكرة الرئيسية للعمل كثيرا بصورة مباشرة وتكرارها رغم وضوحها من البداية.

قال الفنان ياسر صادق لـ”العرب”، إن المسرحية هدفها الأساسي التأكيد على أن الإنسان صانع فكرته، ويجب أن يؤمن بها ولو بدت للبعض غير منطقية كفكرة المركب في البيئة الصحراوية، وأن الوجه الحقيقي للإله يمكن رؤيته بالقلب والخير والجمال والحب، بمعنى أنها صراع بين التطرف والحياة التي دعت إليها كل الأديان.

يحمل اختيار الأسماء في المسرحية دلالات كبيرة لا يمكن أن تكون مصادفة عابرة، فاسم “سِلبا” مشتق من السلب والنهب ويعطي إيحاءات بسعي صاحبه لسلب قيم الحياة من البشر والدفع بهم في معيشة لا تختلف كثيرا عن الموتى الأحياء، و”مدا” مشتق من لفظتي “المد” المرتبط بحركة المياه، و”مدى” الرؤية المستقبلية لنواح قد لا يفهمها البشر.

لا يبتعد اختيار “آريوس” عن الدائرة ذاتها، لارتباطه بشخصية القسيس المصري القديم “آريوس”، الذي أثارت أفكاره الفلسفية والدينية الجدل، بعدما أكد أن الحياة الجديدة للإنسان لا تتكون نتيجة “تأليه” بل بواسطة سمو روحي وأخلاقي.

 

mas4
المسرحية انتصار للعقل والإنسان والحب والغناء على التطرف والقهر والظلم

 

محمد عبدالهادي

https://alarab.co.uk

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة