يوتوبيا المسرح في مواجهة ديستوبيا الواقع

 

مسرحية ‘الراديو’ للمخرج العراقي محمد حسين حبيب مفتوحة النوافذ والأبواب لتأويلات عديدة وتطرح تساؤلات حول الوطن والغربة في ظل انتشار الفقر والتهميش والظلم والمحسوبية والاحتيال والتغرير بالشباب لتمرير إيديولوجيات غايتها السلطة والانتفاخ الفوقي.

المسرح هو الفات نظر يمنح المرء من خلاله مساحات كبيرة للتعبير بصور بلاغية وإشكالية وطَرْق أبواب المآزق الثقافية والسياسية وتفجير جدلياتها.وكذلك من مخرجات تعريفه.
 أنه إضاءات فكرية لمعتم الزوايا في حياة الإنسان والتصريح بآلامه وأناته الخافتة بانفتاح على المخفي، المعفو، والمسكوت عنه بتركیز المهمش، وتهمیش المركز، والانتقال من غطرسة المركز إلى اعتبارالهامش وفقا لقيم سيسيولوجية تثأر للإنسان وقضاياه المصيرية.
منهذه الجزئية بدأ محمد حسين حبيب ثورة الرفض، رفض الهامش للمركز، لذا امتشق الراديو سيفه التثويري التنويري الراديكالي وهو يقدم براديغما المخرج من خلال رسالة مصيرية غايتها “اجتثاث” كل هذا الاحتيال الذي أصبح السمة السائدة لزمن هش، هذا “الاحتيال المتبادل” الذي تناوب في التعاطي معه، وبطرق متنوعة المواطن من جهة والسلطة من جهة أخرى كل على حدا، وأحيانا بمعية مشتركة. وجدنا هذا الاحتيال الطارئ مع أول إطلالة للإنسان المعذب (آلالي – باسي) وهو يسرد فوضى العالم وخرابه في بيئة ضيقة خانقة تزكم الأنوف، تمثلت بغرفة مؤجرة أوحت بهامشية الإنسان وضياعه بين فكي مصطلح مريض أسمه الوطن، وضبابية أن تكون له حقيقة راسخة في واقعنا، مُشَكِّلاً في جَوّانية وعينا العام وجودا مطاطيا (المواطنة) ليس هناك ما يدعم تحقق درجات إعلانه الدنيا على أرض الواقع. 

امتشق الراديو سيفه التثويري التنويري الراديكالي وهو يقدم براديغما المخرج من خلال رسالة مصيرية غايتها “اجتثاث” كل هذا الاحتيال الذي أصبح السمة السائدة لزمن هش

تشكلت وانطلقت أحداث الراديو وبدفعة واحدة من الذروة التي وافقت زمن السرد المُعَرَّق وزمن العرض في آن واحد حيث داهمنا العرض بالمشكلة والعقدة التي تحتاج تفكيرنا ومشاركتنا لحلها مع أول بقعة ضوء مسحت على رأس الخشبة، حيث جَرَتْ وقائع هذه الأحداث المأساوية هنا وبين هذه الجدران الأربعة لمواطِنَيْن من الدرجة ما قبل الأخيرة اجتماعيا، وهما على شفا جرف هار من الموت جوعاً، أو تسكعاً في الشوارع المقفرة، فباسي (محمد حسين حبيب) مرت عليه سنة وهو يماطل في دفع إيجار غرفته البائسة، آوى صديقه آلالي(أحمد عباس) ليشاركه الاحتيال كونه حديث عهد به وهذه أول سُلَّمة له يرتقيها في عالم الخداع نزولا عند القول المأثور “حشر مع القوم عيد” وربما بتفكير ودهاء منقطع النظير من قبل باسي استقبل صديقة في غرفته البائسة برغبة اشتراكية في تقاسم الاحتيال إن وقع، وتقاسم عقوبته إن صدرت، ليس رأفة بآلالي ولا هي أكرومة تحلى بها، فلا مكان للنيات الحسنة في عالم تسوده الخديعة بل هي اسقاطات تعكس مدى احتراف وامتهان الاحتيال في هذه المدينة الموحشة حيث انعكست وحشتها لدينا وفينا من خلال الجو العام الغائم العائم الملبد بغيوم الأسئلة لجغرافيا العرض وتشكيلاته البصرية.
نطقت تلك الأحداث صراحة بأننا غرباء في وطن كبير يمتد وسط قارة يبدو هو مركزها لكننا نعيش بمركزية وسط اللاشيء، ولا نملك شبرا في كل ذلك الخرف .. حيث قدم لنا العرض مشاهدا مشاكسة لذاكرتنا الجمعية فضلا عن عديد سخريات اجتاحت ارواحنا واكتوينا بآلامها مع أول إطلالة لصوت المذيعة وهي تقدم نشرة الاخبار ((تم القاء القبض على أربعة فاسدين، الإفراج عن اثنين من السياسيين بعد براءتهم من التهم الموجهة إليهم، هجوم مسلح على عربة في طريق، تزايد ظاهرة المشاريع الوهمية، تشكيل لجنة تحقيقية رقم مليون)) لتختم تلك المذيعة أخبارها بالكشف عن طبيعة معاناة الشعب عموما متمثلة بباسي وضيفه آلالي بعد أن كشفت عن واقع أكابر القوم وساستهم “تدهور الحالة المعيشية، ازدياد حالة الفقر، زيادة أسعار المواد الغذائية” فكان لسان حالهم ترجمانا لكل هذا البوجع بعبارات صدرت من الصديقين في حواراتهما الجدلية التي عمقا الشعور بالوحشة والخسائر والهزائم المعنوية والمادية”من يستطيع العيش بمعدة فارغة” أو عبارة” السجن أرحم مما نحن فيه فهو يوفر ثلاث وجبات طعام مجانا”.
 وما إن يطل علينا باسي وزميله بمفارقاتهم الساخرة نجد وبوضوح أن كل ما ذكرته المذيعة أحاط بهذين البطلين الهامشيين بحقيقةٍ أرْخَتْ سدولها على واقع الكثيرين من أبناء هذا الشعب الممزق باللعنات وعديد الويلات.
كم هو مؤلم أن تعيش حياتك في وطن بالإيجار، وطن هو في حقيقته ملك لغيرك، ليس لك الحق بالتصرف بأي من محتوياته، ولو انحصرت حريتك في تحريك حاجة مهملة فيه من هنا الى هناك فلا يسمح لك بذلك أيضاً، وهذا ما أكدته كلمة المخرج: “رسالتي هي بحثي عن وطني وأنا فيه” ..
 وكأنه يريد أن يقول :حينما تتحدث عن الوطن فسيتصدر حديثك : ذكر الحرية! ، وأنا مطارد من قبل المؤجر أي سخرية هذه؟ .. الحرية! وأنا جائع .. الحرية! وأنا بلا كرامة معرض لابتزاز رجل الأمن .. الحرية! وحياتي رهينة زجاجة خمر وورقة يانصيب .. الحرية! وأنا لا أملك قوت يومي .. في النهاية نكتشف أن لا حرية نملكها في ظل عالم محتال زائف.. وبانتفاء الحرية ينتفي وجود الوطن وتنتفي مع خرابه جدوى وجودنا.
السؤال المطروح على طاولة المناقشة : هل نجح حبيب وفي النهاية العرض المسرحي “الراديو” ؟ في محاولته باجتثاث أفتك الأمراض الاجتماعية وهو الاحتيال من سلوكيات شخصياته المسرحية على أقل تقدير وهل أثمر بحثه عن وطنه كَمُخْرِج أو كمواطن؟ أم رد خائبا أمام عديد الصدمات والمفاجآت؟ .. أجابت أحداث العرض بإيحاء رمزي :
إن البحث عن الوطن في ظل كل هذا الضباب هو بحث مضني، سيزيف بلا طائل ودون جدوى، فالفقر والعوز والتهميش والظلم والمحسوبية وتسفيه الشهادة العلمية والتعرض للاحتيال في الوطن غربة نعم غربة وبأصدق تعابيرها. وفي نهاية المطاف نَكْتَشِفُ أنّ الوطن كلمة انتهجتها زمر المحتالين للعزف على وتر معين للتغرير بجموع الشبيبة لتمرير إيديولوجيات ديماغوجية غايتها السلطة والانتفاخ الفوقي. وهذا ما أكده المُؤَجِّر الفنان المبدع  مهند برب وهو يعتلي اللاقطة المرسلة لأصوات المسحوقين بقوله “ما عاد المواطن مواطناً “.
“السحر في (الواقعية السحرية) له جذور عميقة في الواقع” “سلمان رشدي”
تحدث د. محمد حسين حبيب وبصوت عالٍ حسبما استقيناه من براديغما العرض وخطابه المسرحي، ووفقا لمرجعيات المخرج المعرفية والثقافية والسيسيولوجية وجدنا : أن المسرح المُتَشَكِّل صورا ناطقة أكثر قوة ونفوذ من الإبداع الكتابي في واقع يهيمن فيه الجهل والتخلف والأمية المانعة لأهم صفة ثقافية وحضارية يمكن للإنسان أن يتحلى بها وهي “القراءة”.
لذلك عمد حبيب ومن منطلقات جمالية الى المسرح الى نص “الراديو” لـ (كين سارو ويوا) بفك شفراته السيميائية الثورية وتوأمة واقعين أحدهما أفريقي مُتَخَيَّل والآخر شرق أوسطي عربي معاش، ناهجا الواقعية السحرية، مازجا الواقع ببعض الكوميك الصادم الأسود المستفز، فالجوع والفقر والظلم واللاوطن إفرازات واقعية حادثة ومتواصلة في امتلاك حيثيات حياتنا بتجارب مؤلمة طَعّمها حبيب بالمغاير الفانطازي الملائم والمواكب كسلسلة الأحلام التي مارسها العجوزان بإيحاءات عالية المضامين أطرتها جماليات سردية ناهضة حرضت المتفرج على تسليم دفة قياده طواعية للعرض.
 مما أعطى فرصة سانحة لحبيب بتمرير قناعاته باعلان الرفض جماليا لزحزحة القبح بعيدا ولو بأضعف الايمان. 
فالمسرح لدى حبيب اكثر التصاقا باليومي المتحرك الذي هو أحد سراة أزقته الضيقة وحواريه المستلبة الهوية وابنه الشرعي، فقد اكتوى بلعنة الحرب والجوع وتغيير الأنظمة وفسادها .. هو ابن هذا اليومي الملتصق بالهمّ الإبداعي الذي بات يحلّق بقوة في الفضاء المسرحي العراقي.
حيث يرى حبيب نفسه فيلجّة هذا المسرح حيزا بنيويا للمقاومة الناعمة المهذبة بأبعادها الثورية المناهضة للقبح بأدوات جمالية وفكرية غاية في الأناقة وهذا ما أراد قوله بسؤاله الملغز في كلمته “ما ردة فعل أحدنا، إذا ما اكتشف فجأة أن كل ما حوله مزور، ومركز على الحيلة والكذب”؟.. ردة الفعل هي المسرح، ردة الفعل هي البوح الشجاع، ردة الفعل هي الثورة بالتأكيد. 
وبما أننا ننطلق من قيم انسانية وجمالية فتحتم أن تكون هذه الثورة وفقا لنظرية ثورية سلمية بالضد من “الفوكوية” و”الغيافرية” التي اعتمدت المقاومة العنيفة والتي خلفت القتل والموت وعديد الخسائر في كثير من التجارب العالمية المناهضة للواقع المنحرف، وهي ردات فعل مقاربة لمتلازمة طبية مفادها إفراز السيتوكينات ذات الطابع الكارثي والمهيمنة على المناعة ونتيجتها الغير متوقعة هي الخروج عن السيطرة وإلحاق الضرر بالجسم بدلا من مساعدته.
وهذا ما يخاف منه الدكتور محمد حسين حبيب ويحذره لذا لجأ الى لغة مشتركة أنيقة رائدها الصورة كأنه يرمي لبراديغما اجتثاثية لكنها مسالمة، يؤمن بها سلوكا تحرريا تزيح العنف الذي نعيشه ونعاصره في طرح الأفكار المناهضة للحكومة والمتمثلة بالضد من سلوك الجماعات التخريبية وما رافقها من جنون الوقحين في تراكم صور الخراب، مع فلسفة انتهجها حبيب أرَّخَتْ لقيمة المسرح الجمالية في مواجهة انحطاط المجتمع وحكوماته الغير عادلة.
 حيث يجد حبيب نفسه بمقاربة ظرفية ما بينه كدكتور جامعي ميسور الحال مع الكاتب الأفريقي “كين” الذي هو الآخر أحد الميسورين بما يملكه من مقومات الغنى لكونه منتجا سينمائيا درّت عليه أعماله الفنية الكثير من الإيجابيات التي أوصلته لامتلاك عقارات في لندن وغيرها لكنهما لم يقفا متخمين بهذا اليسر المادي والمعنوي بل شعرا بمظلومية هذا الإنسان الذي ينتميان اليه وشمرا عن أرواحهما لقول الحقيقة بما يجيدانه من مظاهر الثورة والرفض الفنية والادبية. 
والغاية من كل هذا الحراك الثوري الناعم الذي تبناه العرض في معالجته لليومي المعاش هو تحقيق “العدالة” وهي كسلوك ونتائج تندرج إجرائيا ضمن خانة الجمال.
 فكان لزاما على من يؤمن بالجمال أن يعلن احتجاجه ورفضه بأداة مهذبة قيمية برموز تحيلنا على الثقافة والمتعة والرقي وصورة ذلك وجدت في الراديو وهو يحتضن أصوات الممثلين وشكواهم وفلسفتهم وموقفهم تجاه ما كان وما يكون.
 فلجأ هنا لأداة ناعمة محترمة ناهض بها أدوات الخراب وكأنه يقول : من رماني بخراب متراكم يزكم الأنوف طيلة عقود سأرميه بوردة تتضوع عطرا وعلما وإنسانية وهي “الراديو” والحسنات يذهبن السيئات، والعملية الإصلاحية كما هو معروف تدافعية الجيد يطرد الرديء. 
لذلك يعتبر د. محمد حسين حبيب أحد آباء هذه الواقعية السحرية الثورية، وفي مجمل أعماله التي تسودها مناخات السحر والخوف والهذيان المغاير المحرك للمياه الراكدة كان يقترب من ضفاف السوريالية ويقارب جنبات الفانتازيا في إلمام بانورامي بالحياة اليومية العراقية من خلال سرد صوري مكثف وخصب . 
لذلك استحق الراديو كبقية أعمال المخرج د. محمد حسين حبيب أن يكون عرضا مشاكسا للذاكرة على الدوام وحاضرا كمادة دسمة للحديث عن القيمة الفعلية للمسرح المشاكس وكما قال الشاعر هوراس متحدثا عن نتاجه الشعري الخالد “قصائدي أطول عمرا من البرونز”.

'الراديو' مسرحية افريقية بروح عراقية
‘الراديو’ مسرحية افريقية بروح عراقية

في النهاية خرج الجميع بزبدة العرض ومخرجاته الكلية الجمالية والمعرفية الثورية (لا نريد شيئا سوى أن تستمعوا لنا) هذا ما أعلنه الجميع من خلال الراديو لعل وعسى أن تكون آذان الآخر قد أرهفت سمعها صدفة بمعية قلبه فتكون الاستجابة واعلان خاتمة الضنك الذي لازمنا كظلنا منذ عقود.
ملاحظة يجب الانتباه لها إن شكوى البطلين ورفضهما وإن لم يصلا إلى الآخر المعني صراحة في بنية العرض حيث لم يكن هناك من تفاعل معهما بأي فعل سلبي أو إيجابي كحدث واضح بتغيير مجسد على الخشبة يمثل الطرف الآخر “السلطة” وإن وجدناه على استحياء في رجل الأمن إلا أنّه لم يكشف صراحة أن هناك من يستمع، من يتابع نزيف أرواحنا وكأن الأمر لا يعنيه وكذلك ربما بسبب أن أصوات “باسي” و “آلالي” قد بحت لكثرة ما رددوا وملؤوا صفحات الوجود باحتجاجهم.
 فلم تعد قادرة على الوصول لآذان الآخرين التي كانت أذن من طين وأذن من عجين، وخاصة أن المخرج اختار الكبيرين ابداعا العجوزين عمرا د.محمد حسين حبيب والأستاذ أحمد عباس لتجسيد شخصيتي “الالي – باسي” مما يعني أن المعاناة موغلة بالقدم لتقدم عمرهما فأصبحا يمثلان الماضي والحاضر وحتى المستقبل.
 ربما تجد مصاديقهما ماثلة في الذاكرة الجمعية للإنسان منذ قتل هابيل على يد قابيل مرورا بالسبي البابلي لتصل عند جدليات المَلَكية والإطاحة بها قاسميا تعريجا على مخاتلات البعث حتى يومنا هذا والذي جمع كل صور الخراب فيما مضى لتكتمل صورته عند محطة الأوطان الهشة في زمننا الحالي والتي أراد حبيب بجمالياته المتعددة أن ينتقدها ويعريها ويعيد وجودها للذاكرة الجمعية التي تم تخديرها بالتكنلوجيا وسلبياتها.
 وما وجود الراديو كتكنلوجيا قديمة إلا لإعلان حبيب رفضه هذا التقنين التكنلوجي الذي خدر وعينا مساقا كوعي منتشٍ فاقدٍ للأهلية.
 لكن المؤسف أن هذه الأصوات بلا صدى، ضعيفة الحجة، أو إن هناك ما يمنعها من الوصول بدقة عند أسماع الآخر نتيجة اختلاط الأصوات الذي افتتح به العرض أو لأنها أصوات متناقضة لا تدعم بعضها، لكنها على المستوى الضيق، على مستوى الفضاء الحاضن للشخصيتين (الالي – باسي) وجدت أصواتهم خرما ينفذون منه لبعضهم البعض وهنا يطل المؤشر الخطير بمحدودية تأثير كل هذه الأصوات المتداخلة والتي لم تجد سوى “الالي” أن يعي نفسه ويعي ما حوله ويقرر الرحيل من هذه المدينة المتهالكة خوفا على هويته من الضياع.
 وسط كل هذا الاحتيال الداعي للخراب اشارة لعديد شبابنا الذي قال كلمته بالهجرة في عام 2015 هربا من هذا الجحيم .
 بالمقابل وجد باسي نفسه أمام تحد مناهض لآلالي نتيجة الانغماس حتى الهامة في مستنقع الاحتيال ولسيادة الغش والخداع والمحسوبية تحتم عليه أن يستخدم نفس الميكانزمات السائدة التي يستخدمها الآخرون ويحتال على واقعه ومن يتشكل وجوده بين أركانه، لينفذ من سجن هذا الواقع بمد أنفه من بين زحام الخراب لالتقاط ذرات من الأوكسجين يمد بها حياته باعثا برسالته الكبرى “إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب”.
 لكنه أعني “باسي” وكنتيجة استقاها المتلقي من العرض لم يستطع مقاومة الهيمنة والقهر الثقافي السلطوي نتيجة الابتذال الاجتماعي والسياسي في تشويه المفاهيم والقيم المفروضة فحدثت حالة استلاب ثقافي لديه أجهضت وعيه الرافض وإعلان خضوعه التام لمعايير الآخر الذي استلب منه إيمانه بنفسه لينتهي بقوله “يجب أن اُعيد نظام حياتي” وفقا للسائد المتعولم.
وليتحول الإحساس لديه بالضآلة الى مرض نفسي اجتماعي مولداً لديه ولديهم الشعور بالاغتراب وازدواجية القيم رغم أنه حاول وهو يجوب حاملات اللاقطات “المايكات” لقول شيء ما لكنه عجز في النهاية وأعلن عن تقوقعه واستسلامه لعظم ما يرزح تحته الإنسان من خراب.
 ولأنه لم يستطع التخلص من كل ذلك حاول مداراة وتبرير خضوعه وانهياره بالتشكيك في جدوى مغادرة آلالي المدينة وركل ماضيها باتجاه الحرية وهو يصف فعله هذا بأن لا فائدة من الطريق الذي اخترته ما دامت الأقدام مدججة بالسلاسل .. 
خرجت يا آلالي منتفضا رافضا المدينة سالكا طريقا آخر لكنك عدت لنفس الحيز المغلق في الغرفة العليا التي احتوت عامل الصوت والمراقب لتفاصيل الراديو”ننفق الساعات باختيار الحذاء ونغفل عن اختيار الطريق المناسب” لذلك نسقط سريعا في هوة لا تردم .. تخلص يا آلالي من قيودك التي اختزلتها بالطعام والأكل والشرب وانطلق حرا في الطريق الذي ستكون سالكة لو أنك غادرت المكان والخشبة والفضاء كليا لصَدُقَتْ دعواك المناهضة والرافضة للمدينة واحتيالها.
وهذا تفسير عدم انفصام آلالي كليا عن الاحتيال والخراب وذهابه عند موقع عامل الصوت المتحكم باصوات الشعب التي كان يصدح بها باسي والالي وغيرهما . “تذكر يا صديقي كل المدن فاسدة ولكنها ليست فاسدة بقدر هذه المدينة” وهو اعتراف منه بأن حكاية الاحتيال وخرابه لم تنته عند عتبة الرفض في مغادرة المكان فكل ما احتضن هذا الكائن الذي اسمه إنسان لابد من وجود الفساد فيه مشيرا ومنوها عن العولمة بهذا الخصوص التي سيطرت على كل واقعنا الهش واستسلامنا لها بما يريده الآخر لنا وبما يشي بهوية رائدة لكل سلبيات العالم وكأنه يريد القول ببساطة : عندما تكون هامشيا بإرادتك كما يجري الآن لجموع الساذجين المسيرين من قبل دعاة طلينة وحمرنة الإنسان بتطور آخر وباتصال مع ما مضى بعسكرة الشعب، فأنت بالـتأكيد ستجد العولمة التي تحدثنا عنها بما يوافق قول آلالي “تذكر يا صديقي أن كل المدن فاسدة ولكن فسادها ليس بقدر فساد هذه المدينة” وهي ليست قسمة ظيزى بل هي واقع حتمي “كيفما تكونوا يولى عليكم”.
استطاع وبنجاح واضح الدكتور حبيب بترويض الفضاء المسرحي وحيزه المحدود واقناع المشاهد بأن الأحداث التي تشاهدها هي واقع لغرفة موصدة تتحدث بلغة الوجع بحصر زواياها بما أُثِّثَ من ديكور بائس شكلا، مهيمن جمالي معنى، أكد ضغط الجدران واعلانها سجنا لكل تطلعات البطلين بحياة تسودها العدالة والجمال 
 فضلا عن هذا السياق الجمالي أدهشنا حبيب بوظائف هذا الديكور واكسسواراته التي عمقت الرؤية وابتعدت بنا عن سطحية المعنى التي لازمت الكثير من العروض في واقعنا المسرحي الحالي وهي تتقاطع مع جدوى (البروكسيمياء) وتلاشى الهارمونية بين البيئة والممثل والديكور وجغرافيا المسرح والعكس من ذلك تضمنت بيئة الراديو ثمة حوار بين الإنسان وما يحيطه من فضاء، فضاء الغرفة المغلق الذي أدلج وجود هذا الإنسان المهمش فجعله منغلقا عن نفسه ومتطلباتها ومنغلقا عليها بمحدوديتها التي جعلته بلا حلول.
 لذا لم نرى رغبة لديه بالتحرر خارج أسوار هذا السجن المؤجر .. إنّها عقيدة المتلاشي التي كشفت عنها بيئة العرض وفضاءه بمعية الديكور وفعالية الممثل معها.”اخبرني اين تعيش اقول لك من تكون”.
يجب أن لا نغفل عن قيمة الممثلين الكبيرة عموما والقدرة الهائلة التي تمتع بها حبيب خصوصا وهو يتألق ممثلا على وجه الاستقلال عن شخصية المخرج حيث وجدنا شخصيتين مختلفتين شكلا ومعنى (المخرج – الممثل) لا تداخل بينهما سوى تأكيد وتأصيل الجمال.
 كما استطاع برفقة الفنان الممثل الخطير احمد عباس صاحب الإرث المسرحي الكبير في موائمة فونيمية متناغمة وخاصة في الاستلام والتسليم مع اقناع كبير بالاداء حركة (الكينزياء) والقاء وتعابير وجه بأنهما ثورة مبكرة لا تأجيل في ساعة صفرها استطاعا بدهشتنا وتوثيق المفارقة ساعة أن أعلنا ثورتهما بالانفصال الفكري فيما بينهما في خاتمة المسرحية. كما أدهشني فعلهما الدرامي الساخر وهما يتنقلان بأحلامهما وشطحاتهما على مستوى التقمص لمختلف الحالات التي هي المؤشر الحقيقي على علو كعبهما في ريادة الشخصية المركبة بمصاهرة جمالية مع السينوغرافيا في إيقاظ المزاج لدينا بتعاضد مع الميزانسين في التركيب البصري والسمعي الذي أكد درامية الشخصيات جميعها وفق نظام محكم من خلال مجموع العلامات والدلالات التي انتجها العرض المسرحي عموما. 
وهنا لابد للمسرحي من ميكانزمات تقوده للإبداع يتشكل على أساسها فعله الدرامي كما هو حاصل في عرض الراديو ومن هذه الميكانزمات “التضمين” وذلك بإدخال بعض العناصر الفاعلة وإتيانها تحت عنوان رائج اسمه الثقافة السائدة وهذا ما درج عليه العرض من خلال الممثلين بخلق كيمياء حثية ما بينهم والمتفرج وخاصة الحركة ومرونة الاداء بتشكيلات مغايرة للرتابة وعدم الاستسلام للعمر.
تقول سوزي سوتون “تستطيع الإيماءات كدلالات (صوت وحركة) أن تلمح أو تضمن، تقترح أو تؤكد تقلل أو تبالغ” لذلك وجدنا من خلال الممثلين جميعهم (البطل، ومساعديه) قد عكسوا بتعاضد مع فكر المخرج صورا إيجابية من ناحية الحركة والتعابير وطريقة الإلقاء (لازمات صوتية وجسدية) التي لم تأت عفوية بل قصدية درامية جمالية تحيل المتلقي على صور وحقب طالما رسختا في الذاكرة كردة فعل لما يحدث في يومنا الناهض مما دعا المتفرج أن يصرخ بأعلى صوته هذا يقول أنا باسي وذاك يقول أنا آلالي وذاك يقول أنا المهرج وذاك يقول أنا المؤجر حتى إن أحدهم علا صوته فوق صوت الجميع وهو يقول أنا رجل الأمن.
 من هنا يتأكد النجاح حينما تخلق كيمياء بدلالات تواصلية مع المتفرج للاستحواذ عليه وتمرير ما تشاء من خلاله بطريقة الضخ المتوازن لمادة الاستيروجين.
أجاد الممثلون  د. محمد حسين حبيب، أحمد عباس مهند بربن، علي عدنان التويجري، حسنين الملا، علي العميدي أدوارهم باحترافية معتادة سار عليها فنانو بابل كما عهدناهم في أعمال سابقة وهذا ليس بجديد وقد نجح حبيب في تذويب طاقاتهم جميعا في بوتقة جمالية ساحرة اسفرت عن عرض سيبقى مشاكسا ذاكرتنا الجمعية.
 أما على صعيد التنفيذ التقني للإضاءة والصوت فقد وُفِّقَ كل من علي عادل وعلي المطيري رغم محدودية فضاء ابداعهم نتيجة لتواضع التقنيات الآلية في المسرح وهذه جزئية مهمة تعاني منها مسارح المحافظات التي لم يألوها المسؤولون اهتماما يذكر وهو دليل على تقاطع افكار المسؤول في يومنا المعاش مع ما يطرحه الفنان من ثمار جمالية مما يعطينا صورة حقيقية لواقع الوطن بعمومياته الانفلاتية المتسخة والملوثة بالقبح.
في النهاية ولأن المسرح هو الأكثر التصاقا باليومي المعاش كهمٍ ابداعي وقلق فردي تميز الراديو بأنه عرض مفتوح النوافذ والأبواب لتأويلات عدة وقابل لقراءات واحتمالات وتوقعات مختلفة لذا استطاع د. محمد حسين حبيب فك الحصار المفروض على مخرجنا العراقي بانتقاله من مركزیة التقلید إلى حداثة التجريب بعديد مرسلاته الفلسفية وهو يصرخ فينا ما دورالمثقف في المجتمع وإن لم يصرح بذلك من خلال باسي وآلالي وإدمانهما النوم كسلا وهروبا معولا على ثقافة مزعومة مفترضة.
 وكأنه يحرض ما تبقى فينا من قيم وجماليات في تحمل مسؤولياتنا متخذا مبدأ “العلامة المسرحية علامة اقتصادية” والخط المستقيم اقصر الطرق بين نقطتين مبتعدا عن التعمية والغموض التي ألقت بظلالها على عروض الحداثة وما بعدها لنكتشف في النهاية أن الراديو صفعات ثقيلة الوطء توقظ ما فَضُلَ في كاس كرامتنا من ثقافة وحياة.
 “هذا العالم كوميديا للذين يفكرون ومأساة للذين يشعرون” (هوراس).

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح