“يا قمر ضوّي عالناس” عرض دمى لكريم دكروب يقلب مفاهيم قيمية ببنية مسرحية متناغمة المكوّنات

يكتب مخرج مسرح الدمى كريم دكروب نصا صعبا، يتوجه به إلى متلقٍّ طفل ومتلقٍّ كبير، فيمسرح فكرة استلهمها من قصص الأنبياء، من “سورة يوسف”، ذي الكف الأخضر والوجه الجميل كالبدر، مستعينا بهدهد سليمان الذي ينطق، مستخدماً وظيفته الأصلية التي كانت الإنباء “النبأ اليقين” كما ورد في”سورة النمل”.وكما بشّر سليمان الحكيم بوجود ملكة سبأ بلقيس،يشهد على جريمة الأخوة، ويبشر ببقاء الابن الذئب حيا.

يعيدنا هذا النص المسرحي إلى قضية استلهام التراث في المسرح من مصادر عدة،كما يدعونا إلى دراسة آلية توظيف التراث لتجسيد رؤية ذات بعد فكري متنوع الهدف.استلهم كريم مصدرين تراثيين هما قصص الأنبياء والحكاية الشعبية الموجهة إلى الطفل،وفي الحالين ساق حوادث نصه في مسار رؤيوي مغاير، فأراد أن يكشف عن وجه آخر غير مكرس تقليديا لوظيفة استلهام هذا التراث.
يؤول القصص القرآني في المسار الأخلاقي القيمي.فعندما تخلص الأخوة العشرة من أخيهم يوسف كان ذلك بدافع الغيرة والحسد، مما يكشف عن الشر الذي يختزنه الإنسان/ الأخ ضد أخيه الإنسان، وخصوصاً في زمن كزمننا الذي يكثر فيه القتل ويسود الشر، وتترنح فيه القيم.استعان دكروب بهذه الفكرة منقلبا على سمات الخير والمحبة والتسامح التي وسم بها الإنسان، بهدف الكشف عن وحشيته،وقلب المفاهيم وطبيعة العلاقات والصفات التي ألصقها الإنسان بالحيوان، بحيث صار الذئب هو الخير والضحية والإنسان هو الشرير.
ارتكز دكروب في بناء نصه على تفاصيل عرفت في المصدرين المذكورين سابقا ليصنعمنها بناءه الدرامي، واضعا إياها في تناغم مع الانقلاب الذي أراده من خلال قلب مفهوم العلاقة مع الحيوان.من هذه الحوادث رمي الطفل الصغير في البئر”هوي زغير… بس قلبو كبير”،إذ اختار حادثة البئر ليبني عليها رؤيته التي تقوم عليها حبكة النص وظلم الشخصيتين الذئب والطفل الصغير.سارت هذه الحوادث في اتجاهين متقابلين: رمي الطفل في البئر، ضياع الذئب الصغير، معاناة الأب(والد الزغير)ومعاناة الذئب الأب لفقدان ابنيهما، الولد المفقود لدى الإنسان والحيوان، فأيدي البشر تقترف الجرائم، ويقع الاتهام بفعلها على الحيوان/ الذئب.أما قميص يوسف فاكتفى دكروب بدلالة واحدة له، تشي ببراءة الذئب، لأنه لو كان الذئب افترس يوسف لتمزق القميص.
اعتمد دكروب على شخصيات استلهمها من دون أن يغير دورها التقليدي المترسخ في سورة يوسف: الأخوة العشرة، يوسف، الأب. وكذلك الهدهد الذي أبقى دوره الأساسي كما ورد في “سورة النمل”وهو الإنباء.

 

أداء الدمية وصوت الراوي
حرك الممثلون الدمى التي جسدت الإنسان، وكان عددها عشرة، كناية عن اخوة يوسفالأشرار، ببراعة وبتلاؤم تام مع الصوت ومع الحالة. الدمية/ الذئب عبرت وبصوت لا يخلو من الحنان عن معاناته. أما الأصوات الأخرى، أصوات البشر،فتركت صداها الوحشي في الأذن وترافقت مع إيقاع موسيقى أحمد قعبور التي تشبه إيقاع المارش العسكري، الحرب/ القتل،ونفير الشر، لإكمال هذه البيئة المسرحية العنيفة.وجاءت كلمات الأغاني ذات وظيفة درامية متلائمة مع السياق العام للعرض. وكان لصوت الرواة إيقاع معبر ومتلائم مع إيقاع النص، في كل مراحله.ففي البداية كان ملائما لدى تعريفها عن يوسف الزغير ذي اليد الخضرا والوجه القمري، وحين يحتدم الصراع تعالت طبقة الصوت متخلية عن هدوئها لتعبرعن حالة الرعب والخوف والأذى.

المشهديةالبصرية
استخدم دكروب أدواته السينوغرافية الملائمة للعرض فساهمت في خلق المناخ الترابي، ومثلت الأزياء الترابية العسكر والحالةالإرهابية القاتلة.كما استخدم خيال الظل على الخشبة العارية إلا من كتلتين تتلاصقان وتنفصلان بشكل أفقي، ربما للدلالة على تبادل المكان/المنازل بين سكن البشر ووجارالذئب،إشارة إلى انقلاب الصفات.بانت لنا منازل البشر ساكنة خافتة الإضاءة لكنها تضم بين جدرانها شرور البشر.لكن توظيفهما الدرامي لم يكن متقنا وكذلك تحريكهما.
استخدم دكروب الشاشة وجعل القمر ينتصفها، ثم باتت أضواؤه تتغير بتغير حالات العرض ومسارات الحدث الفرحة والحزينة، الشرسة والقاتلة، كالإضاءة الخافتة التي طغت في أغلب الأحيان لتدل على الحزن والرعب الذي يلف المسرح،ولينقل هذه الحالة إلى المتلقي الكبير وإلى الطفل، وواكب الإضاءة عواء الذئب الذي اختلط بأصوات البشرحين يسود الصراع بينهما.
من مشهدية متقنة وحركة دمية تستمد من الإنسان حالته فيخال إلينا أنها تلتقطمنه تعابير الفرح والحزن والرقة والقسوة لتعكسها لنا نحن المتلقين، المتفاعلين مع حركتها، إلى البيئة الترابية، ومن النص المستلهم من قصص الأنبياء، ومن الحكاية الشعبية، أتقن دكروب عرضه، وكانت الحوادث متتابعة منسابة يتلقفها الطفل فهما واستيعابا وإن بصعوبة لأنها استندت إلى بعض الرموز التي تقتضي توضيحا لهذا الطفل والعودة به إلى القصص الديني. أما توجهها إلى المتلقي الكبير،فالغاية منه تكمن في أن يعيد هذا المتلقي التأمل والتفكير في مسار الحوادث التي نعيشها، ليدرك ما آلت إليه الأمور من سوء توظيف للدين عندما حل القتل والترهيبمحل القيم الخيّرة التي يدعو لها القصص القرآني. وقلب موازين القيم الأخلاقية لتأتي مغايرة لموروثنا الذي تلقفناه من القصص الشعبي، بحيث لم يعد الإنسان هوالبطل الطيب والبريء،بل صار الحيوان،وهنا ذئب الحكاية الشعبية “ليلى والذئب”وذئب سورة يوسف، هو الكائن الطيب الذي تلقى عليه مفاسد أخلاقيات البشر وشرورهم.
يدعو عرض كريم دكروب القمر “ليضوي عالناس” ليس لينير دربهم فقط، بل لينير بصيرتهم وينأى بهمعن عالم القتل.ولكن على الرغم من أن “القمر بضوي عالناس”، “الناس بيتقاتلو”.

* أستاذة النقد المسرحي
في الجامعة اللبنانية

 

وطفاء حمادي*

http://newspaper.annahar.com/

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.