«يا رب».. عرض يكسر المحظور في المسرح العراقي – العراق

عرضت على خشبة المسرح الوطني وليومين متتاليين، مسرحية “يا رب” تأليف علي عبد النبي الزيدي وإخراج الشاب مصطفى الركابي وتمثيل سها سالم وفلاح إبراهيم بمشاركة الفنانة زمن الربيعي التي ادت دورا صامتا وانتاج منتدى المسرح التجريبي التابع لدائرة السينما والمسرح.

شكل العرض صدمة للمشاهدين الذين غصت بهم قاعة المسرح الوطني وأصابهم بالذهول والدهشة والاعجاب ايضا لا سيما ان العرض حمل افكارا لم يتطرق لها المسرح العراقي من قبل وقد أثار جدلا في ما بعد بين الجمهور والفنانين ايضا لأن العرض تناول الذات الالهية ونبي الله موسى وتعرض لعدد من الانبياء بشيء من القسوة من خلال العتاب مع الرب، من خلال أم لعدة شهداء عراقية يخولنها امهات الشهداء للتفاوض مع الرب من اجل وقف القتل الذي يتعرض له الابناء فتطرح شروطها بأن يوقف الله القتل خلال 24 ساعة والا فهن سيضربن عن الصلاة والصيام، فتذهب الى الوادي المقدس (طوى) وهناك تريد ان تتحدث مع الله ولكن.

ولا بد من الاشارة الى ان الفنانين سها وفلاح كانا موفقين جدا في تجسيد الشخصيات وفي التحاور في ما بينهما والتناغم، يذكر ان العرض اطلق عليه (العرض البارد) باعتبار ان العرض هذا يأتي تكملة لعرض سينمائي وكذلك لاضافة اخرى من خلال (قرص سي دي) تم توزيعه بين الجمهور فيه الكثير من التفاصيل التي كثفها العرض المسرحي، كما ان المخرج اشار الى ان وقت العرض الافتراضي 10 دقائق فيما كان العرض لاكثر من ساعة.

بدأ العرض بصوت رخيم يقرأ آيات من القرآن الكريم وبالتحديد من سورة (ق): (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)، ثم تظهر على شاشة في اقصى الخشبة ملاحظات عن العرض ومنها يبدأ استهلال فيلمي يبدأ بملاحظة انه (يشبه استهلال فيلم (هلا لوين) للمخرجة اللبنانية نادين لبكي حين تقوم النساء بكل السبل لمنع حرب يسعى الرجال إلى إشعالها، حيث تظهر مجموعة من النسوة ثم يظهر على خشبة المسرح رجل ممدد على سرير طبي وبجانبه فتاة (ممرضة) فيما هناك منضدتان احداهما وسط الخشبة والاخرى قريبة من جهة الخشبة اليمنى على طرفيها كرسيان وحين تدخل المرأة التي ترتدي السواد من رأسها حتى قدميها تجلس على الكرسي القريب وتقول بصوت متهدج خفيض: (جئت اليك يا رب وفي قلبي الف دمعة وعتاب، اعاتبك واعاتب روحي، واتساءل: كيف لروحي ألا تستجيب لدعائي، أنا الآن غيرتك يا رب)، (يا رب يجب أن توقف هذا القتل، الغرق، الحريق، أي قدر هذا الذي يجعل أولادنا الذين نخاف عليهم من الهواء لقمة سائغة بفم اسماك البحر، اي قدر تافه هذا عندما نصحو صباحا ولا نجد سوى رائحة عطورهم على فراشهم) وايضا (يا رب انا اتحدث اليك بصفتي اكثر الامهات دفنا لاولادها، ادفن كيلوات لحم، كيلو كيلوين ثلاثة، وكبيرهم لم اجد له عظما واحدا) وايضا: (يا رب لقد جئتك بتواقيع الامهات، لم نزور ولا توقيعا واحدا وفي كل مرة النصاب يكمل عندك يا غفور، يارب.. نريد ان نقول لك شيئا مهما باسمي وباسم كل الامهات سنعطيك مهلة يا رب 24 ساعة ان تقول للشيء كن فيكون او نضرب عن الصلاة والصيام، ولن تجد اما بعد اليوم ترفع يدها للدعاء اليك يا اقرب الينا من حبل الوريد، شروطنا واضحة، ان توقف هذا القتل الذي يأكل اولادنا، ان توقف هجرتهم عن احضاننا، هم يخرجون ولا يعودون وهم بعمر وردة تحلم بربيع سيأتي) ثم ايضا (ربي.. انا في واديك المقدس، ياااا رب).. في محاولة منها للتحدث مع الله مباشرة.

هناك يتأوه (موسى النبي /المريض) ويدور بينه وبين المرأة حديث بعد ان يعرفها بنفسها وقد رفض شروطها وتستغرب ذلك فتقول له وهي تطلق ضحكة ساخرة خفيفة (نبي موسى يترك الجنة ليعيش في هذا المكان)، ويستمر بينهما الحديث الذي امتلأ بالتساؤلات والقسوة والتحدي (يقول لها: افسرها محاولة للانقلاب على الذات الالهية) فتقول له (انت نبي ،على عيني وراسي، ولكن لا يحق التدخل بيننا وبين الله) فيؤكد لها ان طلبها مرفوض فتطلب منه ان يفعل شيئا بعصاه، ويستمر الحديث / الجدل بينهما خطيرا لكنه يقنعها ان تصلي فتحاول فيؤكد لها ان صلاتها خاطئة وهي تقنعه بعذاباتها الكثيرة الى ان يتفرقا فهناك على الشاشة تظهر كتابة (موسى يعش في منزل الام منذ اربعة اشهر تقريبا، هو بصحة جيدة الان وتحت رعاية الام بعد ان غادرتها العصا).

لكن المسرحية شهدت مشاهد كوميدية فيها بعض القسوة حينما يتم استعراض عذابات وبلاءات الانبياء الذين ابتلاهم الله بها وهم انبياء وكأن المشهد عبارة عن عتب بين الانسان وربه لكنه عتب قاس!!.

الفنان والاكاديمي الدكتور حسين رشيد أبدى إعجابه بالعرض وقال: “هذا العرض تجربة مسرحية مهمة في عداد المسرحيات التي يقدمها مسرحيون شباب، ومخرج مثل مصطفى الركابي يقتحم الميدان لاول مرة على حد علمي، وهو يمتلك رؤية ثاقبة بصرية وجمالية مهمة استطاع من خلالها ان يتواصل ويتساوق مع التفسير والفكر الفلسفي الذي تبناه الكاتب علي عبد النبي الزيدي في نصه المسرحي”.

واضاف: “بعد أن أقول ان النص مثير للغاية ومهم للمؤلف الزيدي الذي يتحفنا دائما بنصوص مهمة وهو يشكل علامة مهمة في الكتابة المسرحية والتأليف المسرحي العراقي، الان يأتي المخرج ليتحفنا بمعالجة اخراجية هادئة، تحاول لاول مرة ان تبني وتؤسس ايقاعا مسرحيا وايقاعا بصريا هادئا يجتذب المتلقي في لحظات الاداء ويصل به الى لحظة الاحتدام بشكل موفق عبر صور بصرية هادئة وجميلة وبسيطة جدا”.

وتابع: “المهم ان المسرح اليوم ما عاد مسرح حكاية تمثل على الخشبة من دون تأثير في مرحلة التجسيد وبعدها كل يذهب الى بيته، المسرح يجب ان يثير تساؤلا ويجب ان يثير قضية معينة ويمكن ان يؤشر على موضوع معين او هم جمعي موجود عند الناس بطريقة جديدة لا بطريقة تقليدية مألوفة، اليوم المسرح يزيح المركز ويستحضر من الهوامش عناصر مهمة فاعلة لتشكل صورة من صور ما بعد الحداثة في قراءة الصور البصرية للمسرح وحتى في قراءة المعالجة الاخراجية للنص المسرحي، انا اعتقد ان التأسيس كان منذ الكتابة لهذا العرض موفقا لكي يهيأ للمخرج افكارا يمكن ان يشتغل عليها وكان المخرج من الذكاء الخارق الذي يستحق ان يكون بعد هذا العمل واحدا من ابرز وأهم المخرجين المسرحيين الشباب وقد استطاع برؤية ثاقبة ان يقرأ النص وان يفكر كيف يعالج فكرا مثل هذا، وهو فكر فلسفي من الخطورة بمكان التحدث به الان في ظرف مثل ظرفنا العراقي الذي نعيشه، الا انني اعتقد ان هذه هي الضرورة ،ضرورة البوح بمثل هذا الهم الانساني النبيل والتعرض له وهذه هي قضية المسرح اليوم ورسالة المسرح ينبغي ان تكون بهذا الشكل”.

أما الفنان يحيى ابراهيم فقد ابدى دهشته، قائلا: “لاول مرة خلال الـ 13 سنة الماضية اشاهد حدثا على خشبة المسرح اكبر من الحدث الموجود في الشارع، وهذا بحد ذاته يعتبر انجازا، فالمسرحية فيها كل همومنا وكل تجلياتنا وفيها المسحة الصوفية والمسحة الواقعية وتلمست جراحنا من دون ان تؤذينا وحاولت ان تكون بلسما لجراحنا”.

واضاف: “المسرحية تكاد تتكلم شعرا لانها ادخلتنا في اجواء ساحرة، وارجع واكرر انني منذ عام 2003 الى حد هذه اللحظة لم اشاهد عملا مسرحيا بهذه الفخامة وان ما حدث على خشبة المسرح اكبر مما يحدث في الشارع البغدادي خاصة والشارع العراقي عامة بل في العالم كله”.

فيما اشاد الفنان والاكاديمي الدكتور حسين علي هارف بالعرض واصحابه، وقال: “كنا ازاء عرض صادم على المستوى الفني والفكري من ناحية المستوى الفكري كان كاتب النص علي الزيدي جريئا ومقتحما ولا يقف عند خطوط خضراء او حمراء او زرقاء، الذي فجر من خلال نصه مجموعة من الاسئلة الصادمة التي ربما لا يبحث لها عن اجوبة او حلول لانها ليست مهمته، اما على المستوى الفني فالمخرج الشاب مصطفى الركابي استطاع ادارة هذا العرض بشكل متميز وقدم نفسه لجمهور نخبوي عريض من خلال ادارته لممثليه الرئيسسيين (سها سالم وفلاح ابراهيم) فضلا عن الشخصية الثالثة الصامتة، واستطاع ايضا استخدام الشاشة بشكل تقشفي ومعبر ومختزل”.

واضاف: “عوّل المخرج على الاحتدام في الاداء لدى الممثل الذي لم يعتد عليه الممثل الذي كان يميل دائما الى الاحتدام الخارجي عبر آليات الصوت والالقاء والجسم والاشارات وغيرها، فالمسرح كان خاليا تماما من مفردات السينوغرافيا والديكور ولكن عبر الشاشة فقط وعدة قطع ديكورية بسسيطة استطاع ان ينقل الينا اجواء الوادي المقدس الذي تدور فيه الاحداث”.

وتابع: لا ازعم ان العرض تجريبي مئة بالمثة ولكنه ينطوي على جدة وبعض الابتكار لما هو سائد ومألوف في المسرح العراقي”.

 
——————————

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.